برغم خوض الولايات المتحدة حروبا عديدة في الشرق الاوسط فما تزال سياستها تجاه المنطقة غير واضحة في أفضل الحالات، ومتأرجحة في أغلبها. هذا مع الاعتراف بوجود شيء من الوضوح في أطرها العامة بعيدا عن التفصيلات.
وهذه المعالم تتلخص باصرار واشنطن على ضمان تدفق النفط الى الغرب بمعدلات كافية وأسعار مناسبة، وابقاء المنطقة خاضعة للنفوذ الغربي عموما والامريكي بشكل خاص، والحفاظ على امن الكيان الاسرائيلي وما يتطلبه ذلك من ضمان بقاء انظمة حليفة في الحكم وان كانت ديكتاتورية ما دام مسؤولوها ملتزمين بـ ‘الحياد’ ازاء الكيان الصهيوني ومشاركين في المشروعات الامريكية لاحلال ‘السلام’ وفق الفهم الغربي. هذه الاطر العامة للسياسة الامريكية قد تتوافق مع تفصيلات الحراك السياسي والعسكري اليومي في المنطقة وقد تبدو غير منسجمة معها. وجاءت ثورات الربيع العربي قبل عامين لتضع امريكا امام اكبر محك لسياستها منذ عقود.
فهل هي مع الديمقراطية ام ضدها؟ هل تدافع عن حقوق الانسان ام تغض الطرف عنها؟ هل تؤمن بخيارات الشعوب ام تخطط لابقائها محرومة من حق تقرير المصير والشراكة السياسية ضمن ممارسة ديمقراطية معقولة؟ هل انها مع تغيير حكومات الاستبداد والديكتاتورية ام ابقائها؟ كان واضحا في الاسابيع الاولى بعد انطلاق الثورات ان واشنطن استسلمت لما بدا مما يشبه ‘صحوة الضمير’، فاطلق الرئيس اوباما مقولته التي لم تدم طويلا: لا نريد ان نكون على الجانب الخطأ من التاريخ’. وسبق تلك التصريحات والشعارات مقولات عديدة اطلقت بعد حرب العراق قبل عشرة اعوام.
يومها قال زعماء الولايات المتحدة، على لسان كونداليزا رايس ومادلين اولبرايت: ‘كانت سياستنا الخارجية تركز على مقولة الامن والاستقرار وتجاهلت الديمقراطية، فلم يتحقق اي منهما. والآن نرى مصلحتنا القومية في ترويج الديمقراطية فهي ستؤدي الى الامن’. وبعد مفاجأتي تونس ومصر اللتين أذهلتا مصادر القرار الامريكي في الجوانب السياسية والامنية والاستخباراتية استعادت مراكز النفوذ التقليدية موقفها التقليدي واعادت النظر في مبدأ دعم المشروع الديمقراطي في العالم العربي، فعادت السياسة الامريكية الى سابق عهدها من دعم الديكتاتوريين والتنكر للمطالبين بالاصلاح.
هذا التغير يعيد الى الاذهان ما حدث بعد حرب الكويت في ربيع 1991. يومها وجه الرئيس السابق، جورج دبليو بوش، العراقيين للانتفاض ضد نظام صدام حسين. وعندما حدثت الانتفاضة الشعبانية في ابريل 1991 سمح الامريكيون للعسكريين العراقيين باستخدام طائرات القصف العمودية للتصدي للانتفاضة. يومها كان من بين القراءات لقرار السماح للحكومة العراقية بالتصدي للانتفاضة ان واشنطن لا تريد تغييرا سياسيا تقوم به الشعوب، بل يجب ان يكون التغيير بادارة امريكية. فالولايات المتحدة تتحسس كثيرا من التغييرات التي تنتصر بارادة الشعوب بعيدا عن الاملاءات الغربية. فما حدث في كوبا في 1959 الذي ادى لصعود نجم فيدل كاسترو كان امرا خارج السيطرة الامريكية فنجم عنه نظام مناوىء لواشنطن. وجاءت الثورة الاسلامية في ايران في 1979 لتكرس نظرة واشنطن بان التغيير الذي يحدث بعيدا عن ارادتها غير مضمون النتائج وقد يؤدي الى انظمة غير صديقة للولايات المتحدة الامريكية. وبعد ثورات شعوب دول امريكا اللاتينية في الثمانينات ضد انظمتها الديكتاتورية التي كانت مدعومة من واشنطن، صعدت الى الحكم انظمة جديدة اكثر ميلا لليسار، وتقلصت بذلك مساحة النفوذ الامريكي في ما تعتبره ‘الساحة الخلفية’ لها. وكان من نتائج ذلك انتشار الحكومات المناوئة للسياسات الامريكية والمتآلفة مع الدول غير الصديقة لامريكا. واشنطن تنظر لساحتها الخلفية فلا ترى الا انظمة حكم صديقة لايران، التي تعتبرها الولايات المتحدة رأس الحربة في مشروع الاسلام السياسي الذي تتوسع دائرته في العالم. ولذلك ما ان انطلقت شرارة الثورات العربية حتى ظهر اضطراب السياسة الامريكية على اشده. وسرعان ما انكفأت امريكا عن موقفها ‘المحايد’ واتخذت قرار الانحياز للانظمة العربية القديمة المؤسسة على الاستبداد والديكتاتورية. واصيبت امريكا بصدمة كبيرة وهي ترى حظوظها من الحروب التي تخوضها تتقلص تدريجيا. فلم تنجح في افغانستان بل اصبح عليها ان تبرر للعالم المصدوم قرارها الاخير بالتفاوض مع حركة طالبان التي تعتبرها السند الاقوى لتنظيم ‘القاعدة’، والتي كان دعمها لأسامة بن لادن ورفضها تسليمه لواشنطن في 2001 من اهم اسباب الحرب على افغانستان واسقاط نظام طالبان.
أربعة تطورات في الاسابيع الاخيرة تكشف تأرجح السياسة الامريكية في المنطقة، وتجعل فهمها غير متيسر للمراقب العادي. اولها ما اعلن حول اتفاق بين واشنطن وطهران لتسيير خطوط الطيران بين البلدين. جاء ذلك على لسان وزير الخارجية الايراني، السيد علي صالحي مرحبا بهذه الخطوة التي تأتي بعد اكثر من ثلاثة عقود من توقف الاتصال الجوي بينهما. وذكرت مصادر اعلامية ايرانية ان الاستعدادات تجري على قدم وساق في هذا الاتجاه بين شركتي دلتا للطيران التي يقع مقرها الرئيس بمدينة اطلنطا الامريكية والخطوط الجوية الايرانية. هذه الخطوة تؤكد ان الاتصالات بين البلدين تواصلت منذ اللقاء الذي تم بينهما على هامش المفاوضات بين ايران ومجموعة 5+1 العام الماضي في بغداد. وبرغم ان لهجة الخطاب بين البلدين لم تتغير الا ان الحديث عن مفاوضات ايرانية امريكية لم ينقطع، وانه كان ينتظر حدوث تغير في رأس السلطة السياسية الايرانية، وجاء فوز حجة الاسلام الدكتور روحاني ليوفر اجواء اكثر ملاءمة للتواصل. وبرغم ان العلاقات الخارجية الايرانية من اختصاص جهات ثلاث: المرشد الاعلى ومجلس الامن القومي والحكومة، الا ان رئاسة احمدي نجاد وخطابه الحاد لم يوفر ارضية مناسبة لتطوير الحوار. أيا كان الامر فلن تكون مسألة الحوار بين البلدين سهلة. فايران مرتهنة لخطابها الثوري من جهة وعلاقاتها بقوى التحرر والمقاومة في المنطقة وخارجها من جهة اخرى. وربما الاهم من ذلك برنامجها النووي الذي يعارضه الغربيون ويهدد الاسرائيليون بقصفه. وسيظل المشروع النووي ومعه الموقف الايراني تجاه القضية الفلسطينية والكيان الاسرائيلي عقبتين شائكتين في العلاقات بين واشنطن وطهران. فاي تنازل ايراني واضح ازاء اي من هاتين القضيتين سيضعف منطق الثورة وقد يحدث انشقاقا داخل القيادة الايرانية نفسها. كما ان الولايات المتحدة هي الاخرى رهينة لخطابها المعادي لايران والرافض لمشروعها النووي وموقفها الذي لا يعترف بالكيان الاسرائيلي. وربما الارجح ان البلدين قررا مواصلة التفاوض حول هاتين القضيتين بدون اتخاذ قرارات جوهرية من قبل اي منهما في الوقت الحاضر، على امل ان يؤدي التواصل الى اجواء ايجابية وثقة متبادلة فقدها الطرفان لاسباب شتى.
الموقف الأمريكي الآخر ظهر مؤخرا تجاه الوضع السوري. وهنا وجدت الولايات المتحدة نفسها في خلاف مع بعض الحلفاء الاوروبيين خصوصا بريطانيا التي كانت مندفعة كثيرا نحو التدخل العسكري لاسقاط”نظام بشار الاسد. وقد تغير الموقف الامريكي في الاسابيع الاخيرة بعد ان اتضحت تعقيدات الموقف في سوريا وبروز جبهة النصرة كأكبر قوة عسكرية ترابط على الارض السورية.
ان جبهة النصرة هي القوة الاولى المسيطرة على الوضع والاكثر ترشحا لاستلام الامور فيما لو سقط النظام. وبعد اعلان هذه الجبهة انها جزء من تنظيم القاعدة وانها تسعى لاقامة امارة اسلامية في كل من العراق وسوريا اصبح الامريكيون امام تحد جديد خصوصا بعد ارتكاب الجبهة عددا من الممارسات المقززة كالتمثيل بالضحايا والقتل الجماعي العلني في الساحات والشوارع وربما استخدام الاسلحة الكيماوية ونبش القبور. ومع ان النظام ليس أكثر نقاء في مجال معاملة الطرف الآخر، الا ان ظهور امريكا متواطئة مع جهة تعتبر، من الناحية النظرية على الاقل، الطرف الآخر في ما يسمى ‘الحرب ضد الارهاب’، احرج ادارة الرئيس اوباما كثيرا، واضعف منطق المطالبة بالتدخل العسكري المباشر. وفي الاسبوع الماضي اعلنت واشنطن انها سترسل ما بين 50 و 100 من قواتها لـ ‘تدريب’ القوات العراقية لحماية الحدود بين العراق وسوريا ووقف نقل الاسلحة لقوات جبهة النصرة. وكانت القوات الامريكية قد انسحبت من العراق بعد رفض حكومته منحها الحصانة من المثول امام القضاء العراقي في حال ارتكاب اي من عناصرها جريمة يعاقب القانون عليها. والواضح ان هناك مصلحة مشتركة لدى الطرفين لمواجهة عناصر جبهة النصرة لارتباطها بالقاعدة التي تعتبرها كل من واشنطن وبغداد معادية وارهابية. وهنا يبدو الاختلاف واضحا بين السياستين البريطانية والامريكية، ازاء التعامل مع الجبهة المذكورة، وازاء ما يجب عمله لانهاء الازمة السورية.
ويعزز النظرة القائلة بحدوث تغير في”السياسة الامريكية ما اعلن مؤخرا حول عزم ادارة اوباما التفاوض مع حركة ‘طالبان’ التي افتتحت مكتبا لها في العاصمة القطرية. هذا التغير يوازيه انباء نفتها ايران بان جماعة طالبان تسعى لفتح مكتب لها في طهران. ولكن برغم النفي الايراني قالت سفارة الجمهورية الاسلامية في كابل في بيان نشر في 24 يونيو ‘أن جمهورية ايران الإسلامية تدعم أي مفاوضات وحوار يجري بين المجموعات الأفغانية المختلفة في إطار مصالح الشعب وبرعاية الحكومة الأفغانية وتؤمن بأن الشعب الأفغاني ومن أجل إجراء مفاوضات حول المصالحة الوطنية ليس بحاجة إلى وصي’، الامر الذي يؤكد تشجيع ايران مصالحة وطنية افغانية تشمل حركة طالبان. وهذا يعني تقاربا في الرؤية بين واشنطن وطهران بعض القضايا الاقليمية ومن بينها افغانستان.
اما القضية الرابعة فتتمثل بالموقف الامريكي تجاه ثورة شعب البحرين. فقد لوحظ ان هناك اختلافا واضحا بين الموقفين البريطاني والامريكي تجاهها، فلندن تراهن على افشال ثورة شعب البحرين وتدعم النظام سياسيا وامنيا بدون حدود. كما تستقبل رموز الحكم البحريني بشكل منتظم، وفي مقدمتهم الحاكم وابناؤه. وفي الشهور الاخيرة صعدت السلطات البريطانية ضغوطها على رموز المعارضة البحرانية باساليب مختلفة. وبموازاة ذلك شنت الحكومة البحرينية هجوما متواصلا ضد السفير الامريكي في المنامة بدعوى انه يلتقي المعارضة و ‘يتدخل في الشؤون الداخلية’. ووفقا لبعض المعلومات فهناك محاولة امريكية لتمرير صفقة سياسية تؤدي لعزل رئيس الوزراء البحريني واستبداله بابن اخيه، ولي العهد. والامر الذي يؤكد ذلك ان ولي العهد عين مؤخرا نائبا لرئيس الوزراء. وليس مستبعدا وجود تفاهم غير معلن بين واشنطن وطهران حول احداث تغيير سياسي في البحرين على غرار ما حدث مؤخرا في قطر. ولكن ثمة مشاكل تواجه صفقة كهذه اولها الرفض الشعبي المطلق لاي حل لا يؤدي الى تغيير جذري يحقق، في أقل درجاته، مطالب المعارضة السياسية التي تطالب بمملكة دستورية حقيقية تسمح بانتخاب الشعب حكومته. يضاف الى ذلك ان ولي العهد مرتبط ارتباطا وثيقا بما جرى في البلاد من قمع طوال العامين الماضيين. مع ذلك فلا يستبعد حدوث تفاهم بين الولايات المتحدة الامريكية والجمهورية الاسلامية في ايران حول صيغة سياسية لحلحلة وضع البحرين المتفاقم برغم تجاهله من وسائل الاعلام العالمية. امريكا تشعر بقدر من الحرج من موقفها تجاه ثورة البحرين في الوقت الذي تتبنى فيه موقفا مناقضا لذلك تجاه الوضع السوري.
هذه القضايا مجتمعة تكشف تأرجحا واضحا في السياسات الامريكية في المنطقة، وقلقا لدى قادتها من خسارة الموقف السياسي بالاضافة للموقف الاخلاقي الذي خسرته حتى الآن. ومن سياق ما تقدم يبدو ان امريكا تسعى لتحقيق شيء من التقدم في المسارات الاربعة المذكورة بمعية ايرانية لاعتبارات تتعلق بالتاريخ والجغرافيا وحقائق الواقع وعجز الامريكيين عن حسم الاوضاع باتجاه او آخر. فأيهما يحتاج الآخر: هل ان ايران اكثر حاجة لامريكا ام العكس؟ هل ان دورة الزمن دارت (ثلاثة وثلاثين عاما تمثل دورة شمسية كاملة) لتبدأ دورة جديدة من التفاهم بين واشنطن وطهران ولتضعهما على طريق التفاهم والاعتراف المتبادل؟ هل بدأ البلدان مشوار التعاون من اجل تهدئة اوضاع المنطقة وقطع الطريق على اللاعبين الآخرين الكبار وفي مقدمتهم روسيا عن اقتحام المنطقة ذات المياه الدافئة والنفط الوفير؟ وهل ان التوتر بين ضفتي الاطلسي بسبب ما اعلنه المنشق الشاب ادوارد سنودون عن تجسس الاستخبارات الامريكية على الدبلوماسيين الاوروبيين سيساهم في اعادة التحالفات في الشرق الاوسط بشكل مختلف عن المعهود؟ يصعب سبر اغوار السياسة الامريكية، ولكن ثمة مؤشرات على حدوث تغيرات محدودة ستؤثر على مسارات السياسة في المنطقتين العربية والاسلامية، ستتضح آثارها في مسار ثورات التغيير العربية والقضية الفلسطينية والحرب ضد الارهاب والتوازن السياسي والعسكري في الشرق الاوسط والعالم.
‘ كاتب وصحافي بحريني يقيم في لندن