أنقرة – “القدس العربي”
على غرار التضخم التاريخي غير المسبوق الذي يغزو اقتصاديات العالم، يعاني الاقتصاد التركي من نسب تضخم هي الأعلى منذ أكثر من 30 عاماً وهو ما يحد من قدرة الأتراك واللاجئين والمقيمين العرب في تركيا على الاحتفال بعيد الأضحى الذي يأتي في ظل ظروف استثنائية لا سيما اقتصادية تمر بها تركيا والعالم، وسط مساع من الحكومة التركية التي رفعت رواتب كافة القطاعات في محاولة لتخفيف أعباء التضخم عن المواطنين.
ويأتي هذا العيد بينما وصلت نسب التضخم الرسمية في تركيا قرابة 78 بالمئة، وهو ما تقول المعارضة إنه رقم “غير حقيقي” مشيرة إلى بيانات وإحصائيات أخرى تظهر وصول نسب التضخم إلى أكثر من 100 بالمئة، وقرابة 150 بالمئة في قطاعات محددة مثل النقل وغيرها.
وتنعكس هذه الظروف الاقتصادية الاستثنائية ليس على المواطنين الأتراك وحسب، وإنما على ملايين اللاجئين والمقيمين العرب الذين باتوا جزءا مما يجري في البلاد من تطورات سياسية وأمنية واقتصادية، حيث يعيش في تركيا قرابة 4 مليون لاجئ سوري مسجل، وعدة ملايين من اللاجئين والمقيمين العرب من جنسيات مختلفة.
واعتاد الأتراك على استغلال عطلة العيد من أجل قضاء عطلة صيفية في المنتجعات المنتشرة في المدن الساحلية أو يلجأ سكان المدن الكبرى وعلى رأسها إسطنبول لاستغلال هذه العطلة للعودة إلى قراهم ومحافظاتهم الأصلية لقضاء العطلة بجانب عائلاتهم، لا سيما وأن الحكومة أعلنت تمديد عطلة العيد لتكون 9 أيام متواصلة وهو ما كان يشجع كافة المواطنين لاتخاذ قرار قضاء عطلة صيفية أو السفر للمحافظات الأخرى.
لكن شريحة واسعة من أصحاب الدخل المتوسط في البلاد يقولون إنهم يواجهون صعوبات بالغة هذا العام في القيام بما اعتادوا عليه في السنوات الماضية، مشيرين إلى الارتفاع الكبير جداً في أسعار المحروقات وأجرة الطرق والجسور وتذاكر الطيران وباصات السفر إلى جانب الارتفاع في أسعار الفنادق والمنتجعات والوجبات في المطاعم، حيث يقول جزء منهم إنهم سيقضون عطلة متواضعة بصعوبة، ويقول آخرون إنهم سيعودون إلى قراهم لتحمل تكاليف أقل، بينما فضل آخرون البقاء في إسطنبول لتجنب مزيد من المصروفات العالية خلال فترة العيد.
وبعدما كان قبل أكثر من عام سعر لتر البنزين أو الديزل لا يتجاوز (6 أو 7) ليرة تركية، فإن سعر اللتر الآن يقترب من 27 ليرة تركية وهو ما جعل من تكاليف السفر عبر السيارات مكلفة جداً، إلى جانب الارتفاع الموازي الذي شهدته أسعار تذاكر الطيران وحافلات السفر، ما جعل التنقل بين المحافظات التركية مترامية الأطراف عملية مكلفة جداً للمواطنين، وهي نفس الحسابات التي تنطبق على اللاجئين والمقيمين الذين طالتهم عاصفة التضخم التي تضرب البلاد.
وانعكست الظروف الاقتصادية الحالية على قدرة المواطنين على شراء الأضاحي، حيث يعتبر المواطنون الأتراك من أكثر الشعوب اقبالاً على شراء الأضاحي ونحرها في عيد الأضحى، لكن نسب التضخم العالية وارتفاع الأسعار إلى ضعفين أو ثلاثة أضعاف حدت من القدرة الشرائية للمواطنين وسط توقعات بانخفاض لافت في عدد الأضاحي التي بيعت هذا العام مقارنة بالسنوات الماضية.
وفي مناطق البيع التي تحددها البلديات وتنتشر بشكل كبير في مناطق متفرقة بإسطنبول، تبدو الحركة أقل من السنوات الماضية، ويحاول من يريد شراء أضحية المفاصلة كثيراً للحصول على سعر أقل قدر الإمكان حيث لا تزال أعداد كبيرة من الأضاحي مكدسة في الأماكن المخصصة للبيع قبيل يوم واحد من أول أيام العيد، وهو ما يؤشر إلى وجود تراجع لافت في المبيعات حيث كانت تتبقى أعداد قليلة من الأضاحي في آخر أيام البيع قبيل حلول العيد.
وتقول الحكومة إنها تسعى عبر كافة الوسائل من أجل منع تضرر المواطنين من الارتفاع الكبير في أسعار السلع، وبالفعل أعلن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان قبل أيام عن رفع رواتب كافة موظفي الدولة بنسبة 42 بالمئة كما جرى دفع الرواتب مع الزيادة في الثامن من الشهر الجاري بدلاً من تاريخها المعتاد في الخامس عشر من كل شهر وذلك من أجل تمكين المواطنين من شراء حاجياتهم للعيد دون الاضطرار إلى تقليصها بسبب ارتفاع التضخم.
وقبل ذلك بأيام أيضاً، أعلن الرئيس التركي رفع الحد الأدنى للأجور بنسبة 25 بالمئة وذلك من 4200 ليرة تركية إلى 5500 ليرة تركية، كما وعد بتخفيف الضغوط على المشغلين وأصحاب الأعمال، في حين جرى الإعلان عن جعل عدد من الجسور والطرق الرئيسية في إسطنبول وبين المحافظات بدون أجرة طوال أيام العيد لتخفيف الأعباء عن المواطنين.
وبينما يواجه جانب من اللاجئين والمقيمين العرب صعوبات أكبر من المواطنين كون دخلهم الشهري لم يتحسن على غرار موظفي الحكومة والقطاعات الرسمية الأخرى، يبقى جانب آخر من المقيمين العرب أقل تأثراً بارتفاع نسبة التضخم بسبب اعتمادهم على مدخولات بالعملات الصعبة وهو ما وفر لهم قيمة أعلى بالليرة التركية التي فقدت جزءا مهما من قيمتها أمام العملات الأجنبية.