القاهرة ـ «القدس العربي»: طغت الأنباء المتواترة بشأن العروض المذهلة التي تلقاها «فخر العرب» نجم فريق ليفربول للانتقال للدوري السعودي على ما سواها من أخبار، إذ جمعت تفاصيل الصفقة، التي لم تحسم بعد الكثيرين من عشاق الساحرة المستديرة، وكذلك مجتمع المال والأعمال وتجاوز الأمر كذلك صفوف رجال الدين، إذ عاد السؤال حول مشروعية بيع اللاعبين وحكم الاستثمار في مجال بيع اللاعبين، وداعب الخيال بعض أنصار السلطة بشأن إمكانية استفادة خزانة الحكومة الخاوية من الثروات المحتمل هبوطها على اللاعب محمد صلاح حال انتقاله للعب في المملكة العربية السعودية، وانتهى الأمر ببعض ناشطي مواقع التواصل للحديث عن صلاح باعتباره ثروة قومية من الممكن الاستفادة بها في تسديد ديون مصر. وكشفت رانيا عبد الوهاب في «المشهد» نقلا عن تقارير إعلامية سعودية وتصريحات تلفزيونية رحيل نجم لاعب ليفربول الإنكليزي إلى صفوف اتحاد جدة السعودي بعد مباراة فريقه ضد نيوكاسل، في بطولة الدوري الإنكليزي. وأشارت التقارير إلى رغبة اتحاد جدة في التعاقد مع صلاح والدخول في مفاوضات مع ناديه ووكيل أعماله منذ شهر تقريبا، ورغم تعثرها إلا أنها انتهت بقبول صلاح لعرض الاتحاد. ووفقا للتلفزيون السعودي يقود محمد صلاح مباراة فريقه ضد نيوكاسل، ثم يتوجه مباشرة إلى دبي لخوض الكشف الطبي للتوقيع للاتحاد السعودي. وقدم اتحاد جدة عرضا لمحمد صلاح تصل قيمة راتبه خلال الموسم الواحد فيه إلى 115 مليون يورو، بالإضافة إلى بعض الامتيازات بينما يحصل الريدز على مبلغ 175 مليون يورو، قيمة التنازل عن عقد اللاعب بسبب وجود موسمين مقبلين في العقد. لم تقف الامتيازات التي حصل عليها صلاح على هذا الراتب، بل ضمنت أيضا قصرا خاصا بالإضافة إلى يخت خاص، وتذاكر طيران غير محدودة له ولعائلته، بالإضافة إلى منصب سفير السياحة والاستثمار في المملكة العربية السعودية، وهذا سيمنح اللاعب تعويضات مادية هائلة إلى جانب راتبه، كما سيمنحه المكانة التي يستحقها.
ومن أبرز التقارير الاقتصادية: نشرت الجريدة الرسمية قرارا رقم (8/3/10/4/2023) بزيادة رأس المال المصدر لصندوق مصر السيادي للاستثمار والتنمية، ليصبح 12 مليارا و513 مليونا و802 ألف جنيه.. كما تقرر اعتماد تقييم أرض الحزب الوطني المنقضي؛ وعلى موافقة مجلس إدارة صندوق مصر السيادي للاستثمار والتنمية رقم (2023/4/10/3/8) على زيادة رأس المال المصدر لصندوق مصر السيادي. ووجه الرئيس السيسي بتكثيف الجهود الرامية لتطوير الصناعة المصرية، بوصفها قاطرة أساسية للتقدم الاقتصادى الشامل، كما وجه الرئيس بمواصلة جهود تمكين القطاع الخاص الصناعي، وتذليل العقبات أمام ازدهار أنشطته وأعماله، وتقديم الحوافز والتيسيرات الداعمة للاستثمار الصناعي، وفي سياق مواز أكد السيسي أن الدولة تستهدف زراعة 4 ملايين فدان خلال مدة لا تزيد على عام من الآن، وأنه تم الانتهاء من جزء كبير من محطات رفع المياه والترع وشبكة الكهرباء وتسوية الأرض، للاستعداد لموسم القمح.
ومن أخبار الحوادث: تمكنت الإدارة العامة لشرطة التموين والتجارة بالتنسيق مع فروعها في مديريات الأمن المختلفة من تحرير 253 قضية لحوم فاسدة، على مدار أسبوع.. ومن اخبار الهدم والإزالة: نفت الحكومة ما تردد بشأن عزمها هدم مأذنة مسجد قنصوه الغوري الأثرية خلال الأيام المقبلة. وأوضحت أنه يتم تنفيذ أعمال ترميم وصيانة للمئذنة، نظرا لوجود شروخ رأسية وأفقية فيها ما يؤثر في توازنها.
تسعيرة جبرية
على مدار الشهور الثلاثة الماضية استخدم عدد من نواب البرلمان أدواتهم الرقابية في مواجهة الحكومة التي عجزت عن «حل أزمة نقص بعض أصناف الدواء وارتفاع أسعار معظم الأصناف بشكل يفوق قدرة المرضى» وحتى تاريخه كما أشار محمد سعد عبدالحفيظ في «الشروق» لم ترد الحكومة على طلبات وأسئلة السادة النواب، وكأنها غير معنية بالأمر أو كأن الأزمة تخص بلدا آخر وتسببت فيها حكومة غير حكومتنا الرشيدة. قبل يومين، توجهت إلى صيدلية لشراء بعض الأصناف التي أستخدمها بشكل دوري لأكتشف أن أسعارها ارتفعت بنحو 50% عن السعر المعتاد، وعندما سألت الصيدلي؛ أكد لي أنه خلال الشهور الثلاثة الماضية زادت الأسعار مرتين بنسبة تتراوح ما بين 30 إلى 50% في كل مرة. عدت إلى صديق يعمل في إحدى شركات الأدوية الكبرى، فأكد أن الزيادة التي طرأت على أسعار معظم الأصناف تعود إلى أننا نستورد معظم المادة الخام من الخارج، وعليه فشركات إنتاج الدواء معذورة لأنها تستورد الخام بسعر يزيد عن سعر الدولار الرسمي نحو 30%، إن تمكنت من توفير الدولار. من المفترض أن هناك تسعيرة جبرية للدواء تحددها هيئة الدواء المصرية التي كانت حتى وقت قريب تعلن عن الزيادات قبل تطبيقها، الآن الأسعار تتحرك كل يوم، دون إعلان مسبق من تلك الهيئة التي يفترض ألا تعبر عن مصالح أصحاب شركات الأدوية الذين يحققون أرباحا بالمليارات على حساب المواطنين. منذ أن عرفت مصر التسعير الجبري للدواء لم تشهد الأسعار تحريكا بتلك المعدلات لجميع الأصناف التي تضاعفت أسعار بعضها 4 و 5 مرات منذ أول تحرير لسعر العملة في مطلع عام 2017، وما زاد الطين بلة، اختفاء العديد من الأصناف المستوردة، ما فتح بابا أمام السوق السوداء التي يتحدد فيها السعر حسب الندرة، ما أدى إلى قفز أسعار بعض الأصناف إلى 10 أضعاف.
ثقة مفقودة
لا يعلم محمد سعد عبدالحفيظ كيف للمواطن الذي يعاني من مرض مزمن ومجبر على شراء أدوية بشكل دوري. الاستغناء عن بعض الضرورات صار هو الحديث المسيطر داخل كل منزل مصري، فالمواطنون بعدما استغنوا عن كل ما يدخل تحت بند «الترفيه» بدأوا في استبعاد بعض البنود الأساسية من ميزانية بيوتهم الشهرية، وهو أمر مؤلم على كل رب أسرة يواجه طلبات أبنائه بكلمة «ربنا يسهل». وفق آخر بيان للجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء سجلت معدلات التضخم مستويات قياسية، إذ ارتفع المعدل إلى 38.2% على أساس سنوي في يونيو/حزيران الماضي، وسط توقعات بارتفاعه مجددا. وحسب البيان الصادر مطلع الشهر الجاري ارتفعت مجموعة الطعام والمشروبات بنسبة 68.2 نتيجة لارتفاع أسعار الحبوب والخبز بنسبة 55.7%، واللحوم والدواجن بنسبة 93.4%، والألبان والجبن والبيض بنسبة 64.7%، والزيوت والدهون بنسبة 30.6%، وارتفعت أسعار الخضراوات بنسبة 82.3%، والسكر بنسبة 38.4%، والبن والشاي بنسبة 76.3%، فيما ارتفعت أسعار الدخان بنسبة 51%. القراءة الدقيقة للنسب السابقة تشير إلى أن تكلفة المعيشة زادت على المواطنين بمعدل يزيد عن 60% خلال العام الأخير في حين تراوحت الزيادة التي تم إقرارها على مرتبات العاملين بالدولة والمعاشات ما بين 15 ـ 20%، وهو فرق هائل بين الزيادة في أسعار الخدمات والسلع الأساسية والأجور. قبل عامين احتفت منصاتنا الإعلامية بتراجع معدلات الفقر إلى 29.7% خلال العام المالي 2019 ـ 2020 مقارنة بـ32.5% في عام 2017 ــ 2018 «ما يعكس نجاح جهود الدولة، لتحقيق العدالة الاجتماعية بالتزامن مع الإصلاحات الاقتصادية التي نفذتها الدولة». نستطيع أن نقول بضمير مستريح إن ما يقرب من نصف المصريين قد اقتربوا من خط الفقر إن لم يكن قد هبطوا تحته. الأحوال المعيشية للناس تتراجع بشكل مطرد، والفقر والحاجة والعوز تحاصرهم من كل جانب، وللأسف كل ما يطرح من حلول لا يمكن إقناع الناس به، إذ سمعوا خلال السنوات الماضية ما يكفيهم من أحاديث وتصريحات تُبشر بوضع حد للأزمة الاقتصادية وهو ما أفقدهم الثقة في معظم ما يقال.
بريكس بلا قلب
يخطئ على حد رأي عماد الدين حسين رئيس تحرير «الشروق» من يظن أن مجموعة بريكس جمعية خيرية توزع الهدايا والهبات والصدقات على أعضائها، على غرار هدايا بابا نويل ليلة عيد الميلاد. هي تجمع يسعى كل عضو فيه لتعظيم مكاسبه وإعلاء مصالحه. وبالتالي فإن مصر التي وافقت المجموعة يوم الخميس الماضي على الانضمام إليها ابتداء من الأول من يناير/كانون الثاني 2024 المقبل، ستحقق مكاسب بقدر ما لديها من إمكانيات وجهد وعمل وإنتاج وصادرات ومزايا نسبية تفيد المجموعة، وبالتالى يخرج الكل رابحا. أما الاعتقاد بأن مجرد الإعلان عن انضمام مصر للمجموعة سيحل كل المشاكل فورا، فهو كلام غير منطقي وغير علمي وغير عملي، وبالتالي وجب الحرص منه وعدم التعويل عليه لأنه أشبه بالتخدير الذي قد يخفف الألم حينا، لكنه لا يعالج أصل المرض. المسألة ببساطة أنه لو كانت «البريكس» قادرة على حل كل المشاكل مرة واحدة، لكان من الأولى أن تحل المشاكل الاقتصادية لروسيا، وهي دولة نعرف أن مساحتها الأكبر عالميا، ومواردها الأضخم، خصوصا في الحبوب والأسمدة والطاقة، ثم إنها القوة العسكرية الثانية في العالم مع ترسانة نووية ضخمة، والأمر نفسه ينطبق على جنوب افريقيا وهي عضو في المجموعة منذ عام 2010، ورغم ذلك تعاني من بعض المشاكل الاقتصادية، باعتبارها اقتصادا ناشئا خصوصا بعد تفشى وباء كورونا والأزمة الأوكرانية والأزمة الاقتصادية العالمية بفعل التضخم، الذي أدى لرفع أسعار الفائدة عالميا، فهربت منها كميات من الأموال الساخنة مثلما حدث في مصر ودول أخرى. وقد قرأت تحليلا لوائل النحاس خبير أسواق المال يقول فيه، إن الحديث عن المكاسب سابق لأوانه، لأنه حتى الآن لم يتم الحديث عن أطر وقواعد انضمام مصر للمجموعة. ولن نجنى الثمار قبل 5 سنوات على الأقل. هي خطوة إيجابية من وجهة نظره، لكنها تحمل بعض التخوفات، فمثلا إذا تم الاستغناء عن الدولار كعملة تبادل دولية، فإن تحويلات المصريين لن تأتي بالدولار، وكذلك الأمر بالنسبة لعوائد المرور في قناة السويس وقد يؤثر في قدرتنا على سداد ديوننا المقومة بالدولار.
كفى أحلاما
النقطة المهمة الأخرى التي التفت إليها عماد الدين حسين، هي أن مصر وخلال فترات زمنية مختلفة استغنت عن الدولار وما تزال تفعل حتى الآن في بعض المعاملات التجارية. إذن استفادتنا من الانضمام إلى مجموعة البريكس تتوقف على مدى جهدنا وإصلاحنا وتقدمنا الاقتصادي، فعلى سبيل المثال، إن لم نستطع أن نعظم من إنتاجنا وصادراتنا، فسوف نتحول إلى سوق كبيرة تستفيد منه بقية الدول الأعضاء، في حين أن قدرتنا على الاستفادة من كل الفرص المتاحة من وراء هذا التجمع، يمكن أن تفيدنا في فتح أسواق جديدة للصادرات، والأهم أيضا الاستفادة من تجارب النجاح في دول التجمع المختلفة، لكن قبل ذلك، لا بد من أن تكون لدينا صادرات أولا، وبعدها يمكن الحديث عن الأسواق. الأمر نفسه فإن الاستثمارات المتوقعة من دول البريكس في مصر لن تأتي أبدا إلا حينما تكون هناك ظروف وبيئة جاذبة ومشجعة لهذه الاستثمارات، وعلى سبيل المثال فإن علاقتنا جيدة وما تزال جيدة للغاية مع غالبية دول البريكس الخمس، ومع معظم الدول الخمس التي انضمت للتجمع معنا يوم الخميس الماضي، ورغم ذلك، لم نستطع أن نقنعهم بجلب الاستثمارات الضخمة إلى أسواقنا، ولم نتمكن من تصدير الكثير من السلع والخدمات إليهم. مرة أخرى الانضمام للبريكس خطوة مهمة جدا، لكن لن يساعدنا أحد ما لم نتمكن من مساعدة أنفسنا والتغلب على مشاكلنا التي تعيق وتعرقل الإنتاج والاستثمار. هناك بيت شعر يقول: ما حك جلدك مثل ظفرك.. فتول أنت جميع أمرك.
حلم بعيد
السؤال الذي سعى جمال رشدي إلى الإجابة عليه في «الوفد»: هل تنهي مجموعة دول البريكس الهيمنة الأمريكية الغربية على العالم؟ لا يتوقع خبراء الاقتصاد أن اقتصادات هذه الدول ستهيمن مجتمعة على الاقتصاد العالمي بحلول عام 2050، فقوة أمريكا تتمثل في الدولار كسيد العملات في التعاملات التجارية العالمية، تلك القوة مرتكزها الأساسي هو علاقة «البترودولار» وولد هذا المسمى عندما أبرمت المملكة العربية السعودية اتفاقية مع الولايات المتحدة لقبول الدولار الأمريكي كعملة الدفع الوحيدة للنفط مقابل التدريب العسكري والتجاري، وبما أن الطاقة أصبحت المصدر شبه الوحيد لغذاء الوجود البشري وبذلك أصبح الدولار هو الحاكم الأوحد لتلك الحياة، وهذا ما تستخدمه أمريكا سياسيا واقتصاديا لهيمنتها على القرار السياسي لحكومات العالم، وبعد انضمام الإمارات وإيران والسعودية للمجموعة أصبح إنتاج 80% من الطاقة داخل مجموعة بريكس وعند تطبيق التعامل بالعملات المحلية، بين دول المجموعة حتما ستنهار علاقة «البترودولار» كليا. وبالنظر إلى الدول الحالية الخمس لمجموعة بريكس والدول الست المدعوة للانضمام بداية عام 2024، سنجد أن حجم اقتصادات تلك المجموعة حوالى 29 تريليون دولار، بما يمثل حوالى 30 في المئة من حجم الاقتصاد العالمي، وفي حال الإقرار بعملة موحدة أو العملات المحلية للتعاملات التجارية بين دول تلك المجموعة، بالطبع سيفقد الدولار تدريجيا الكثير من مكانته، ومعه ستفقد أمريكا أيضا الكثير من نفوذها، ومع اتجاه العالم إلى التبديل ما بين الطاقة التقليدية والاعتماد على الطاقة النظيفة سينفك تدريجيا الارتباط «البترودولار» وستصبح الدول التي تمتلك موارد الطاقة النظيفة هي الأقوى تأثيرا في الوجود على الساحة العالمية، ومع الطاقة النظيفة هناك مكونات الذكاء الاصطناعي والثروات والموارد التي تدخل في مكوناته، وعلى رأسها الرقائق الإلكترونية. ولا ننسى طريق الحرير الصيني الذي كان ذا تأثير كبير في ازدهار كثير من الحضارات القديمة مثل الصينية والحضارة المصرية والهندية والرومانية، وبالنظر إلى الدول الموجودة والمدعوة لمجموعة بريكس نجد أن معظمها يمثل مرتكزا جغرافيا أو دروب عبور لذلك الطريق، ومنها مصر التي ستمثل مرتكز الطريق ومدخله إلى افريقيا والشرق الأوسط.
لو كان إنكليزيا
يوجعنا المشهد الذي صاغه مصطفى عبيد في «الوفد» بحرفية مذهلة: حجارة متناثرة، وخيط غبار يلف المكان، وشاهد قبر مُلقى على الأرض، وخواء تام. تتكرر الصورة من قبر لقبر، ومن علم لآخر، بآلية متسارعة، تعكس نظرة ازدرائية لعظماء سبقونا، أبدعوا، وأنتجوا، وملأوا الأرض نورا وعمرانا. ما يحدث في مقابر رموز مصر يستحق أكثر من وقفة. فالأمر ليس عفويا، ولا يعكس جهل السادة المسؤولين عن مد كوبري، أو شق طريق جديد، بقيمة رجل مثل أحمد شوقي، أو حافظ إبراهيم، أو محمد رفعت، ومحمود سامي البارودي، وطه حسين، وغيرهم فقط. لذا فثمة شعور طاغ بتعمد العبث بمقابر رموز الإبداع والفكر والفن في سيناريوهات خيالية حول مؤامرة مُدبرة غرضها محو ريادة مصر الحداثية للمنطقة. ربما لا يكون الأمر كذلك، لكن ما يحدث مؤلم ويستحق تدبرنا. لو كان أمير الشعراء أحمد شوقي إنكليزيا، ولو كان شاعر النيل حافظ إبراهيم فرنسيا، ولو كان القارئ البديع محمد رفعت أمريكيا، لتحولت قبورهم إلى مزارات، ولتم الاعتناء بشواهدها، ولامتلأت حرماتها بالورود، ولغسلت لوحاتها الرخامية كل يوم، فالوفاء للعظماء دليل تحضر، وبرهان جمال، ودافع اقتداء. وما يستخلص من الأزمة هو انطفاء تأثير القوة الثقافية الناعمة في القضايا العامة، فقبل أيام نبهنى الصديق الناقد والشاعر سيد محمود إلى أن استمرار الاعتداء على الذاكرة المعمارية والحضارية لمصر يعكس في المقام الأول غياب النخبة المثقفة الواعية مثل يوسف إدريس، ونعمات أحمد فؤاد، وأحمد بهاء الدين، وجمال الغيطاني، التي لم تكن لتسمح بمثل هذا العبث. وأنا بالقطع أختلف مع الصديق المثقف؛ لأن الحقيقة هي أن النخبة المثقفة في مصر حاضرة ويقظة. والإشكالية الفعلية تتمثل في سيادة اللامبالاة وعدم الاكتراث من جانب الحكومة تجاه المثقفين. لقد بُحت أصوات إبراهيم عبد المجيد، وأحمد الخميسي، وعاطف معتمد، ولوتس عبد الكريم، وأنور الهواري، وخالد فهمي، ومحمد عفيفي، وغيرهم، وهُم يستحلفون صناع القرار ألا يهدموا مقابر الرموز. تلك معضلة الهجمة الشرسة على تراث مصر الحضاري، فالحكومة تنظر للمثقفين باعتبارهم «أفندية» متحذلقين، مشاكسين، حرفتهم الاختلاف، وبضاعتهم الكلام والكلام، ولا يفهمون شيئا في الواقع العملي، وأنها وحدها من تفهم وتعي وتُحسن الفعل. مصر لم تعدم مفكرين وعباقرة ونجباء وأصحاب رأي شرفاء يُمكن أن يكونوا بمثابة ضمير مُنبه تحت لافتة وحيدة هي مصلحة الأمة، وقضية هدم المقابر من القضايا المُلحة.
صمت لا يفيد
تمتلئ مواقع التواصل بصور لمقابر تاريخية يجري هدمها، والأهم من الصور وفق ما يرى سليمان جودة في «المصري اليوم» هو التعليقات المصاحبة من جانب كثيرين ممن يتابعون، وكلها تعليقات تتساءل في غضب عن السبب. ولا أعرف لماذا تتجاهل الحكومة صور المقابر مع تعليقاتها، فلا تخرج على الناس ببيان يشرح أصل الحكاية وفصلها، ويُطمئن الناس على ما يشعرون بأنه جزء حي منهم، وبأن الاعتداء عليه هو اعتداء عليهم؟ المقابر التي يجري نشر صورها تبدو كلها لأعلام من المصريين في كل مجال، وربما كان هذا هو الذي يزيد من حزن وألم الناس. وعندما وجّه الرئيس بإنشاء مقبرة للخالدين، قبل فترة، تفاءل المتفاعلون مع القضية في كل مكان، وقالوا بينهم وبين أنفسهم إن رأس الدولة قد تجاوب معهم، وإن تراثنا الباقي في هذه المقابر سوف يجد مَن يحفظه ويحافظ عليه. لكن المشكلة أن الحديث عن مقبرة الخالدين قد توارى وانحسر، وفي المقابل اشتدت حركة النشر للصور على مدار النهار، وكأنها مقصودة وتتم عن عمد، وفي كل يوم تجد أكثر من صورة لأكثر من مقبرة، بينما معاول الهدم تهوي عليها وتحولها إلى أنقاض. وهناك بالتأكيد فرق بين أن يتابع آحاد الناس هذا النشر المتوالي للصور، وأن تتابعه الحكومة المسؤولة، فآحاد الناس لا شيء في أيديهم يستطيعون القيام به في المسألة، لكن الحكومة مسؤولة في مقاعدها، ولا يجوز أن ترى هذا، وتتابعه، ثم تتجاهله لأن التجاهل خطر لا بد من الانتباه إلى عواقبه وخطورته، إنه يراكم الإحساس بالعجز لدى المواطنين تجاه قضية يشعرون بأنها تتلامس مع وجدان كل واحد فيهم. رغم امتلاء مواقع التواصل بالكثير من العبث، وبالكثير من الكلام الفارغ، وبالكثير مما يفتقد أي قيمة، فإنها في الوقت نفسه تظل تحمل مؤشرات محددة في قضايا بعينها، وتظل هذه المؤشرات في أشد الحاجة إلى تفاعل سريع من جانب الحكومة معها، لأن قطاعا لا بأس به من الرأي العام يتشكل على هذه المواقع، ومن الخطر أن تراه الحكومة وهو يتشكل أمامها في قضية كقضية المقابر، ثم تلتزم الصمت وتظهر وكأنها لا تملك غير السكوت.
وزير جباية
رضا حجازي وزير التربية والتعليم الذي توسم فيه عادل عبدالحفيظ في «المشهد» خيرا كثيرا، لأنه تقريبا الوزير الوحيد الذي جاء لهذه الوزارة المهمّة لكل المصريين من أبناء الوزارة، ومرّ في مختلف المناصب بها ومن المفترض أن يكون أكثر علما بكل ما يحدث فيها، لكن لي عليه عدة ملاحظات أرجو أن ينصت اليها دون غضب، وأن يدونها في غير عجل وأن يعالجها في غير بطء، ومعظمها مشاهد من داخل محافظة قنا، وربما تكون غائبه عنه وتجعله يعيد الفكر عن قياداته في الصعيد وفي تقارير الأداء الوردية المغلفة بالحب والمودة. الشواهد تمثل إدانة للوزير ومنها ما يلي: جمع تبرعات إجبارية من المواطن المسحول المطحون دون وجه حق، وبعيدا عن المصاريف التي حددتها الوزارة، التي يتم دفعها في البريد وتتفاوت هذه التبرعات من 300 جنيه في رياض الأطفال، وصولا إلى ألف جنية تقريبا في الثانوي العام، وسط تبرير من قيادات العملية التعليمية هناك بشكل مريب ومصحوب بعدم الاكتراث، وفعل ما يحلو لكل صاحب فعل. أما ثاني الأخطاء في عهد الوزير حجازي، فتمثل في قبول بعض التلاميذ في مدرسة وعدم قبول تلاميذ آخرين في المدرسة نفسها، بحجة أنهم ليسوا من عائلات كبرى، ولا يوجد خلفهم نصف مسؤول يخاطب من بيده الأمر هاتفيا، فينال الموافقة الفعلية، وأحيانا يكون هذا الغلبان قد حاز موافقة الوزير رضا حجازي ذاته وكتابيا، لكنه لا يستطيع إقناع تعليم قنا أنه مواطن صالح ومصري ويدفع الضرائب وإنسان له حقوق من الأساس.
«بتاع الفول»
ثالث السلبيات التي رصدها عادل عبد الحفيظ في مسقط رأسه في محافظة قنا في جنوب الصعيد، لوزير التربية والتعليم فتمثلت في السماح لجهات عدة من خارج الوزارة بالتدخل في عملها، وتقريبا هي الوزارة الوحيدة التي تسمح بذلك، بمعنى أن أي مسؤول اخر في أي وزارة أو جهة أو مصلحة يستطيع أن يتدخل في شؤون وزارة التعليم في قنا ويعين فلانا ويقيل فلانا ويوصى بفلان، وقد يهدد فلانا إذا حاول نقد فلان المسؤول، وكل هذا والوزارة لا تجيب ولا تقنع فلانا الذي يساند فلانا، لأن كليهما لا يملك من الأمر شيئا، وأن هناك دولة لها قوانينها ودستورها وقياداتها التي قد تتدخل وتطيح بأي مسؤول ظن أنه صاحب كلمة، ويرسم خططا للدولة غير منوطة به من الأساس. أما أخطر المشاهد فيتمثل في تجرؤ بعض العاملين هناك على الوزارة ذاتها، بل على الوزير ذاته، ومحاولة إقناع المواطن البسيط بأنهم دولة داخل الدولة، وأن الوزارة لا تستطيع تقييمهم وأن الوزير في النهاية مسؤول مثلهم، وكلهم يعمل في دولاب العمل الحكومي، وهذا كلام خطير للغاية ولا يمكن أن يمر دون بسط الوزارة لسيطرتها وإعادة تقييم قياداتها دون النظر إلى تقارير يعلم عم أحمد «بتاع الفول» كيف تكتب، يجب أن تكون أدوات الوزارة الفنية ذاتها هي صاحبة التقييم، ودون مؤثرات خارجية تماما وإرساء دولة القانون التي أعطى الرئيس السيسي إشارة انطلاقها قبل عشر سنوات، وأعلن من وقتها أنه «لا أحد فوق القانون» وأعاد مقولة الزعيم الخالد أبي خالد بأن «الشعب هو السيد والمعلم».
استغفال افتراضي
انتشرت التجارة الإلكترونية في مصر كما انتشرت في مختلف دول العالم، وأصبحت كما أخبرنا بسيوني الحلواني في «الجمهورية» مظهرا من مظاهر التسوق العصري.. لكن للأسف لا تزال تداعياتها كثيرة وخطيرة، خاصة على المستهلك، حيث يجد كثير من المستهلكين أنفسهم ضحايا غش تجاري واضح يشكو منه كل من خاض تجربة الشراء عبر «فيسبوك» تحديدا، فالمنتجات المتداولة عبر صفحات التسوق شيء، وما يصل للمستهلك شيء آخر، ويتفنن القائمون على صفحات التسوق وشركات الشحن في تضليل المستهلك، حتى يقع فريسة سهلة ويدفع ثمن المنتج ثم يكتشف بعد فتح الشحنة أنها شيء آخر غير الذي أعلن عنه، ويدخل في دوامة التواصل مع الصفحة لإرجاعه، وفي النهاية لا يصل لنتيجة لتهدر أمواله في منتج رديء لا قيمة له ولا يستفيد منه.. وهذا المشهد يتكرر يوميا آلاف المرات، ولنا أن نتخيل حجم الأموال المهدرة فيه من أناس تم تضليلهم بإعلانات تقوم على التغرير والخداع، وبعيدة كل البعد عن أخلاقيات الإعلان المنضبط الذي يستهدف خدمة المنتج والموزع والمستهلك. ضحايا «بزنس فيسبوك» على طول مصر وعرضها، وكل يوم يضاف ضحايا جدد، وهو الأمر الذي يستلزم اتخاذ إجراءات رادعة ضد هؤلاء الذين يبيعون الوهم لجمهور المستهلكين، في ظل عدم وجود وعي كاف لدى الكثيرين منهم، فالأرباح التي يجنيها باعة المنتجات الرديئة والسلع المضروبة بملايين الجنيهات يوميا، ولا تلتفت مافيا تجارة فيسبوك إلى أي شكاوى أو تهديدات باللجوء لجهاز حماية المستهلك. امتلأت مواقع التواصل الاجتماعي، خاصة «فيسبوك» بالعديد من المنتجات والسلع الاستهلاكية والمكملات الغذائية والعلاجية وأصبحت إعلانات هذه المنتجات طوفانا يطاردنا ليل نهار، وتستخدم الشركات المروجة لهذه المنتجات وسائل إغراء وتشويق وتضليل متعددة، ما يدفع الكثيرين إلى التواصل معها وشراء منتجات يتضح للمستهلكين بعد وصولها إليهم إنها رديئة للغاية ولا علاقة لها بالصور والمواصفات المتداولة لها عبر فيسبوك، الأمر الذي ينتج عنه مشاحنات بين مندوبي شركات الشحن والمستهلكين أحيانا، في حالة ما سمح المندوب بفتح المنتج ومعاينته أثناء وجوده، وفي الغالب يرفض، وبعد انصراف مندوب الشحن وحصوله على الثمن، فـ(لك الله) حيث تدخل في دوامة الاتصال بالشركة المسوقة، وغالبا لا يرد عليك أحد، ولو رد عليك فسوف يماطلك ويتلاعب بك.. وفي النهاية تضطر إلى أن تستعوض ربك في ما دفعته.
لا رقابة حقيقية
تعرض بسيوني الحلواني لتجربة شراء المنتجات المتداولة عبر فيسبوك (سبع مرات) ومع كل مرة كان يعلق أملا على مصادفة منتج جيد بالسعر المعلن، لكن للأسف، واكتشف أن الشكوى حالة عامة بين كل الذين تورطوا في شراء منتجات عبر مواقع التواصل الاجتماعي.. والأكثر أسفا وحزنا أن حجم السلع المتداولة عبر فيسبوك في مصر سنويا – ومنها منتجات مستوردة ومحلية – تزيد قيمتها عن 3 مليارات جنيه، وهو رقم مزعج ومخيف ويتزايد سنويا، فأغلب المشترين عبر فيسبوك من الشرائح الاجتماعية محدودة الدخل، لذلك يغريهم السعر المعلن.. ثم يكتشفون في النهاية أن أموالهم أهدرت هباء، فالمنتج الرديء لا عمر له، ولن يحقق لك ما تهدف إليه، بل قد يضرك في صحتك وأمنك، وسرعان ما تتخلص منه. لذلك ننتظر مواجهة جادة للسلع الرديئة، وتنظيم عملية الإعلان والبيع عبر مواقع التواصل الاجتماعي لعدم الإضرار بحقوق المستهلك، والخسائر التي تلحق بالاقتصاد المصري أكبر بكثير من خسائرنا كمستهلكين أفراد، وينبغي أن لا نترك العلاقة بين البائع والمشتري عبر مواقع التواصل الاجتماعي، دون ضوابط تضمن حقوق المستهلك. ملف المنتجات الرديئة التي يستوردها البعض لتحقيق أرباح كبيرة على حساب صحة المصريين وسلامتهم وممتلكاتهم، والغش التجاري الذي تحترفه شركات «بير السلم» التي تخصصت في المنتجات الرديئة والمقلدة، والتي تلحق خسائر بالغة بالاقتصاد المصري. ينبغي أن يظل مفتوحا، فأحوالنا الاقتصادية لا تتحمل خسائر جديدة على يد مافيا التجارة عبر فيسبوك.. وإذا كانت المنتجات الرديئة لها أسواق رائجه في مصر بسبب رخص أسعارها وكثيرون يذهبون إليها ويتعاملون معها، وهم لا يدركون خطورتها، فلا بد من تكثيف حملات نشر الوعي بخطورة هذه المنتجات وتلك مسؤولية جهاز حماية المستهلك مع وسائل الإعلام كما أنها مسؤولية أجهزة الرقابة، حيث ينبغى أن لا تتوقف حملاتها على الأسواق لضبط مروجي هذه المنتجات الرديئة سواء أكانت محلية أو مستوردة، وسواء أكان التسويق لها يتم من خلال الأسواق التقليدية، أو عبر مواقع التواصل الاجتماعي.
الطريق للتريند
باتت المسألة في منتهى السهولة لكل طامح إلى تصدّر الأخبار واحتلال قوائم «التريند» إذ لا يستلزم ذلك من وجهة نظر الدكتور ياسر عبد العزيز في «الوطن» سوى قدر كبير من الجرأة والقابلية لـ«ارتكاب» الأفعال الحادة والمثيرة للجدل، بما قد يتضمنه هذا الجدل من مشاعر عدائية وردود فعل صادمة. فما الذي يدفع «فنانا» انحسرت عنه أضواء الشهرة لأسباب مختلفة، لكي يخوض المجال السياسي، دون سابق خبرات أو تجارب، وينسج خطابا حادا وصادما ومفاجئا لجمهوره، ويبثه على الوسائط؟ وما الذي يدفع «فنانة» يأخذها عمرها إلى دور الأم، بعدما استقرت طويلا في أدوار «الإغراء» إلى ارتداء زي «فاضح» ثم الاعتذار بداعي «السهو» قبل أن تعود لـ«استثمار» الزي نفسه مرات ومرات، عبر ممارسات متنوعة تحظى بالرواج؟ وما الذي يدفع زميلة لها إلى «التنطع» على الحالة الصحية لفنان شهير، وادعاء أن خوفها عليه ورغبتها في الاطمئنان على صحته كانا سببا في اتهام أسرته بـ«احتجازه» و«حجبه عن محبيه»؟ وما الذي يدفع أخريات، يرغبن في العودة إلى الأضواء ولفت أنظار بعض المخرجين والمنتجين إلى وجودهم، إلى التسلق على الرافعة ذاتها، والإمعان في انتهاك خصوصية الفنان المسن، وتجريح عائلته؟ وما الذي فكرت فيه ابنة أحد الفنانين، التي تجتهد للبقاء تحت الأضواء على هامش الحياة الفنية، لكي تقرّر أن تحلق شعرها تماما، وتظهر في أحد المهرجانات حليقة الرأس، وتُبدي الفخر بما فعلت، وتستحث أخريات لتجربته؟ لا يختلف هذا كثيرا عما يفعله بعض لاعبي كرة القدم السابقين، الذين لم يجدوا مجالا واضحا يستثمرون فيه ما قد يتوافرون عليه من قدرات أو إمكانيات في حال وجدت، سوى التصريحات الصادمة، والتقييمات المأفونة، والسخرية من أقرانهم أو زملائهم، وإعادة تدوير حكايات قديمة، للتلاعب بعواطف الجماهير المشحونة بقيم التعصّب والتنافر. كل هؤلاء، وغيرهم كثيرون، يحاولون دخول الأخبار، ومن ثم احتلال قوائم «التريند» بأمل أن يقودهم ذلك إلى تحقيق مكاسب جديدة بدت عصية وبعيدة، وصولا إلى اجتراح مكانة، لم توفرها لهم مقوماتهم الراهنة في بيئة تنافسية صعبة.