لقد ازدهرت الرحلات العربية في عهد الدولة العباسية؛ نظرا لحرص الدولة على الحضور السياسي في مختلف بقاع العالم، فشجعت على اكتشاف الفضاءات القريبة من مركز الخلافة والبعيدة عنها للسيطرة عليها ورغبةً في التوسع والامتداد، لتحقيق طموحاتها المختلفة. فمنذ «القرن التاسع سيطر المسلمون على الحركة الاقتصادية في العالم وأصبح البحر المتوسط في أيديهم»() بما توفر لهم من وسائل الملاحة والنفوذ البحري.
إن اتساع رقعة الدولة العباسية وتطورها الحضاري، وحاجتها إلى معرفة أحوال البلدان، واكتشاف الآخر، استدعى التشجيع على الرحلات والانتقال في المكان، ذلك «أن مصالح الدولة أصبحت أكبر قوة عالمية، لذلك العهد حالت دون اكتفائها بمعرفة أراضيها وحدها، بل كان من الضروري أن تحصل على معلومات دقيقة عن الأقطار الأخرى خاصة المتاخمة لها»() فظهرت المصنفات التي تهتم بوصف البلدان وتنوعت اتجاهاتها وأشكالها وفقاً لأساليب الكتابة ودوائر الاهتمام المختلفة.
وكانت الرحلة بوصفها فعلاً ثقافياً، حاضرة في الثقافة العربية، إلا إنها لم تتحول إلى كتابة إلا مع حلول القرن التاسع الميلادي (الثالث الهجري) في إطار السياق الثقافي الذي يهتم بالتدوين والكتابة، وفي هذا السياق كُتبت رحلة سليمان التاجر التي دوّنها في(237هـ/ 851م) وهي أول رحلة مدونة، كما أكد ذلك عدد من الباحثين.
إن الاقتصاد يعد من أهم أسباب الارتحال والهجرات والسفر طلبا للرزق والتجارة ثم التعرف على الآخر والتواصل معه؛ لأن الاقتصاد يشكل ركيزة أساسية في الحياة، وهو أحد أهم محركات الصراع والتنافس؛ سواء للدول أو الأفراد. وكانت التجارة أحد أسباب القيام بالرحلة والتنقل والسفر للكسب المادي، وبعد الفتوحات الإسلامية ازدهرت الرحلات وشهدت تطورا ملحوظا، فكان لوصف الفاتحين من قادة وجنود للبلاد الجديدة بمثابة المحفز للناس للقيام بالرحلات، ومع اتساع رقعة الدولة لم تقتصر الرحلة على التجار من أجل الكسب المادي فقط؛ بل تعددت الرحلات واهتموا بتدوينها، فمثلما كان الاقتصاد سبباً للارتحال، فهو أيضا محرك ومحفز للكتابة عن الآخر، فإذا «أراد صاحب الرحلة أن يسجل مشاهدته ويدوّن تجربته، فلا تكون تلك الإرادة إلا تعبيرا جديدا عن الطابع الجمعي لرحلته الفردية، لأنه يروم بذلك إشراك جماعته في ما شاهده، وكأنه يريد لهم أن يسافروا سفرته»().
لقد كان اكتشاف المكان والسيطرة عليه هدفاً ومطمحاً للدولة ولرجالها، والرحلة إنما هي كشف واكتشاف للمكان وما يتمتع به من منافع، وكان لمنطق الغلبة السياسية والقوة العسكرية دور في كتابة النصوص ـ بصورة عامة – وتوجيهها، وكان الدافع الاقتصادي – في سياق هذا المنطق- هو المحرك لكتابة النصوص، مثلما حصل في العصر الحديث من سعي الغرب لاستغلال موارد وخامات الشرق الطبيعية، ففي «سبيل الحصول على هذه الخامات كان لا بد من التعرف على البيئات التي تحوي الخامات، فكانت الدراسات الجغرافية ومحاولات الاستكشاف»() والأمر نفسه حدث في نصوص الرحالة العرب في العصر الوسيط، فقد «جعلوا رحلاتهم أداة ثقافية تسند الدولة وتواكب توسعها وامتدادها سياسيا وعسكريا وتحرص على إفادة الأجهزة الرسمية بمعلومات متنوعة عن البلاد والعباد»().
لقد ارتبط جانب كبير من كتابات الرحالة العرب بالدافع النفعي، وتقديم معلومات عن أماكن جديدة، وكان هناك حرص على الاحتفاء بالمكان، وأهم ما في المكان هو المعطيات الاقتصادية والتجارية، فحرص الرحالة على تضمين رحلاتهم العديد من المضامين ذات الطابع الاقتصادي؛ لأن الاقتصاد والتجارة كانا من أهم أسباب رواج كتاباتهم بين الناس؛ وذلك «لما تضمنته من معلومات عن أقطار الإمبراطورية العربية، أو تلك التي وراء حدودها وكانت ذات أهمية اقتصادية»().
هناك تشابها بين كتابات الرحالة الغربيين في العصر الحديث والرحالة العرب في العصر الوسيط، من حيث منطق القوة والرغبة في التوسع والسيطرة التي تحرك الكتابة عن الآخر المختلف، وكذلك الرغبة في خدمة الدولة وأفراد المجتمع عامة – وإن كان هناك اختلاف في وسائل السيطرة والتحكم بالشعوب – فنصوص الرحالة الغربيين لم تكن فعلا بريئة، بل كانت تخدم السياق الاستعماري.
ولا شك في أن هناك تشابها بين كتابات الرحالة الغربيين في العصر الحديث والرحالة العرب في العصر الوسيط، من حيث منطق القوة والرغبة في التوسع والسيطرة التي تحرك الكتابة عن الآخر المختلف، وكذلك الرغبة في خدمة الدولة وأفراد المجتمع عامة – وإن كان هناك اختلاف في وسائل السيطرة والتحكم بالشعوب – فنصوص الرحالة الغربيين لم تكن فعلا بريئة، بل كانت تخدم السياق الاستعماري، وانعكس ذلك في طريقة الوصف «فالمفردات التي تمسح بها الأرض في الغالب مفردات الاستغلال الاستعماري المرجح: خصوبة الأرض، وجود الماء، غياب السكان المحليين»() ومثل هذا الوصف وهذه المفردات المستخدمة نجدها في نصوص الرحالة العرب في القرون الوسطى، فقد كانوا على علاقة وثيقة بالتجارة والاقتصاد، وإن وجد هنا تفاوت نسبي في مدى الاهتمام بهذا الجانب، فسليمان التاجر كان تاجرا بطبعه وكان يلتقط ويسجل ما هو نافع ومفيد، أما أبو دلف فهو أكثر الرحالة اهتماما بالجانب الاقتصادي، وكانت أغلب نصوصه ذات طابع اقتصادي، فيذكر الثروات المختلفة من معادن ومنتوجات زراعية وأعشاب وغيرها، كما اهتم ابن بطوطة بالحياة الاقتصادية للبلدان التي ارتحل فيها وثرواتها وخصائصها.
ويبرز الاختلاف بين البلدان في الجانب الاقتصادي في النصوص التي عرضت لخيرات البلدان وثرواتها وتمايزها وخاصياتها سواء في الجانب الزراعي أو التجاري، أو الثروات الطبيعية الأخرى، كما أشار الرحالة إلى أماكن النهوض التجاري والاقتصادي والأسباب المولدة له؛ لكي يستطيع أبناء ثقافتهم الاهتداء بمثل هذه الأسباب، ووصفوا علاقات الآخر بالمسلمين، وما لذلك من أثر في انتعاش التجارة، كما وصفوا طرق المعاملات التجارية والأسعار، وقارنوا بين العملات والموازين وأشاروا إلى الضرائب والجباية وغير ذلك، ومن مثل هذه النصوص نستشف المحركات الاقتصادية للكتابة، فقد صاغوا الاختلاف والمغايرة بأساليب ومفردات تهدف إلى إبراز الاختصاص والتمايز والتفرد، فالرحالة يوجهون أبناء ثقافتهم بطريقة ضمنية إلى أماكن الثروات والخيرات والتجارات الرابحة، وإلى فرص العمل، ذلك أن من يقرأ نصوص الرحالة فإنها تحمسه وترغبه في زيارة الأماكن والبقاع المذكورة في نصوصهم () فكانت كتاباتهم «تؤدي وظيفة الدليل الموجه بالنسبة إلى أولئك الذين ينوون خوض تجربة التجارة في أماكن قصية»() أو من يرغب بالهجرة والاستيطان والاستقرار في تلك البلاد والحصول على فرص عمل أو تحسين الوضع الاقتصادي، فكل فرد يسعى لتحسين وضعه الاقتصادي. وكان الاقتصاد والتجارة من أهم محركات الكتابة عن الآخر المختلف، وما يملكه من خصوصيات ذات طابع اقتصادي وتجاري اختص بها، لذلك كانت الدوافع النفعية ذات البعد الاقتصادي أهم محركات الكتابة عن الآخر.
إن المحركات الاقتصادية للكتابة نستشفها من خلال كتابات الرحالة عن تفاضل الأقاليم والبلدان وتمايزها في الثروات الطبيعية والخصائص الاقتصادية والموقع الجغرافي وأماكن الجذب والازدهار الاقتصادي والتجاري، والخصائص الطبيعية من مياه وتربة ومنتوجات، خاصة الزراعية وكثرتها وجودتها، وطرق المعاملات والتنظيم التجاري، والمبادلات والعلاقات بين الشعوب، ويتفاوت الرحالة في بروز هذه الدوافع في نصوصهم. ويكشف الرحالة عن جوانب الاختلاف والمغايرة في الجوانب الاقتصادية من خلال أساليب مختلفة، سواء بإبداء رأي أو موقف، أو من خلال أساليب متعددة كالوصف الإيجابي المغري، أو من خلال مفردات لها دلالات معينة، أو توظيف آليات لغوية تبرز التفاضل والتفرد، ودافعهم توجيه القارئ/ المروي له وإرشاده إلى مواطن الثروات والخيرات والثراء الاقتصادي لاستغلاها، ولفت انتباه القارئ/ المروي له إلى أماكن الجذب الصالحة للاستقرار والعيش أو التجارة، وقد يصل إلى الرغبة في السيطرة والتحكم السياسي بها[]، كما أن الاحتكاك بالآخر والتفاعل مع ثقافته أدى إلى الإعجاب ببعض أساليب التنظيم التجاري والاقتصادي، وكان هذا أحد محركات الكتابة التي تسهم في التلاقح بين الثقافات، فالرحالة يحث ويرشد أبناء مجتمعه بصورة ضمنية إلى الإفادة من هذه الإجراءات التنظيمية وكذا الأسباب التي جعلت بعض البلدان تتمتع بحركة تجارية نشيطة، ومن جانب آخر وصفوا بعض البلدان التي لم تبلغ تطورا حضاريا في تعاملاتها وتنظيماتها الاقتصادية وهي إشارات يفهم منها أنها بحاجة للنفوذ الحضاري العربي.
كاتب يمني