ارث الماضي رهان الحاضر

حجم الخط
0

ان النخب الثورية العربية التي اخذت الحكم في بعض الاقطار العربية تحت شعارات تهدف استراتيجيا لان يكون الاستقلال المتحصل عليه منتصف القرن الماضي يحقق السيادة الكاملة ووحدة الأمة. اندفعت برغبة جامحة وارادة صادقة الى تحقيق ذلك، بالبدء في التنمية في مجال التعليم والزراعة والصناعة ومجالات اخرى متخذة من الاشتراكية نظرية فكرية والعروبة مجالا قوميا، الا ان شعار القضاء على اعوان (اذناب) الاستعمار ادخلها في صراع مرير وشاق مع نخب لا تؤمن بافكارها اتهمت بحماية التجزئة والتخلف والابقاء على الكيان الغاصب في جسد الامة حفظا للتبعية للاستعمار.

الى ان افاقت في 05/06/1967 على هزيمة مدوية ومدمرة لجيوشها امام القوات الصهيونية، حيث هزمت ثلاث دول عربية، مصر والأردن وسورية، تدعمها دول عربية أخرى. وكانت بضع ساعات على بداية الهجوم كافية لتدمير جميع القدرات العربية على كافة الجبهات، وان ترى القوات الصهيونية في محيط المدن الفلسطينية والاراضي العربية وان تواصل تقدمها وتتوقف اين شاءت وصولا لخطوط آمنة. محتلة ما يمكنها فرض سيطرتها عليه، حيث استولت على الجولان، وسيناء وغزة، والضفة بمساحة تزيد عن ثلاثة اضعاف المساحة التي بني عليها الكيان سنة 48. ليتضح ان العقلية المجردة المعتمدة الناحية النظرية والخطاب العاطفي لتحشيد الجماهير، حالمة ذات نتائج عبثية وكارثية عكس العقلية العملية ذات النظرة الشمولية التي يكون جوهرها منطقا عمليا من شأنه ان يستغل طاقات الشعب في مشاريع بعمل نشيط ودؤوب مجهز مسبقا بامكانه تجسيد حقائق على الارض. ولم تسعف حرب الاستنزاف على اهميتها البالغة ولا حرب 73 ذات الانتصار الموؤود لعدم تحمل تكاليف انجازه في تخليص الامة من تبعيات الهزيمة. بعد ان ادركت ان لامريكا والغرب مصالح استراتيجية في المنطقة وان الابقاء على الهيمنة والتفوق للكيان الصهيوني هو الركيزة الاساسية لضمان عدم المساس بهذه المصالح، تحولت الاقطار الثورية لتحكم من قبل نخب فاسدة بوليسية. واصبحت الارضية جاهزة لتتفق مع النخب التي كانت تسمى عملاء الاستعمار والرجعية على اللجوء الى السلام كخيار استراتيجي وحيد للامة، حاصدة اعادة الانتشار لجيش الاحتلال من بعض الاراضي المحتلة باتفاقيات اقسى بكثير من اتفاقيات الاستقلال.

في حين ان الاراضي الفلسطينية رسمت خارطة نصر واضحة لمن يريد فعلا الوصول له تضمن في حدها الادنى وقف هذا التدهور، حيث استطاعت بما امتلكت من اسلحة خلفتها الجيوش العربية المنهزمة في 67 التي كانت تسيطر على اراضيها. من الدخول في مقاومة باسلة بما تيسر لها من معرفة (وليس علوما ) عسكرية. وان غزة مثال واضح وصارخ على ذلك، التي انطلقت فيها المقاومة بعد ايام وبقيت عصية على سيطرة الاحتلال عليها لغاية سنة 72، وذلك موثق باعترافات قادة الكيان من غولدا مائير وديان الى رابين واخرين. وكذلك فعل المقاومة والتحرير لجنوب لبنان سنة 2000 والانسحاب واخلاء المستوطنات من غزة لسنة 2005. بمعنى ان المعادلة البسيطة والمتعارف عليها التي تقول ان الاحتلال يزول ويندثر اذا اصبحت تكلفة بقائه اكبر من المردود المتحصل عليه لازالت صالحة.

وعليه يبقى السؤال القديم الجديد مطروح هل ستستطيع النخب التي سيفرزها الحراك الثوري العربي التصدي لرهان الحاضر بإزالة امراض إرث الماضي التي وصلت حد استيراد البطاطا والبصل؟

جمال السيد – الجزائر [email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية