ارث نجيب محفوظ ليس عقبة في وجه الجديد.. والرواية المصرية بعده ذات منجز جماعي

حجم الخط
0

ارث نجيب محفوظ ليس عقبة في وجه الجديد.. والرواية المصرية بعده ذات منجز جماعي

مصائر الرواية المصرية وافاقها بعد نجيب محفوظ غ1فارث نجيب محفوظ ليس عقبة في وجه الجديد.. والرواية المصرية بعده ذات منجز جماعيالقاهرة ـ القدس العربي ـ من محمود قرني: وهو بصدد الحديث عن الخصائص النوعية للرواية، يقول الناقد ابراهيم فتحي في مقدمة كتابه نجيب محفوظ بين القصة القصيرة والرواية الملحمية : ان الأنواع الأدبية المكتملة وحدها ذات الحدود الخارجية النوعية كاملة التشكيل هي وحدها التي دخلت الأدب باعتباره كلا عضويا منظما علي نحو تراتبي، فالرواية لم تكتسب قط سمات نهائية تحددها كالأنواع الأخري مهما بذلت من محاولات لادماج كل أشكالها الفرعية الممكنة في تعريف تلفيقي واحد، لقد ظلت الرواية المصرية والرواية عند محفوظ نوعا أدبيا في طور التكوين لم تنغلق في نسق من الخصائص المميزة، بل ظلت شديدة المرونة والتفتح تدمج داخلها أنواعا فرعية أخري من شعر وحكاية ودراما بعد أن تهضمها وتعيد تشكيلها .الي هنا نتوقف أمام ما قاله الناقد ابراهيم فتحي الذي ينتهي الي هذه المقاربة التي تقطع بالنسبية المفاهيمية للرواية، حتي ونحن أمام اسطورة روائية لها طغيانها الساحر والأخاذ اسمها نجيب محفوظ.فالسؤال الذي تلوكه شفاه كثيرين من مثقفي وكتاب العالم الناطق بالعربية جهرا وعلي استحياء يخلص الي طريقة مسدودة بل مخيفة ومرعبة لأنه يقطع بأن نهاية الرحلة المحفوظية تعني نهاية الرواية، فعلي ما يحمله السؤال خلفه من ميراث ديني وسياسي ثقيل، الا أنه في الوقت نفسه يشير الي الأهمية القصوي التي رسختها الرواية المحفوظية، وذلك عبر تقاليد ظلت تتنامي في عديد من الاتجاهات طيلة ما يقرب من سبعين عاما ظل الرجل يقدم فيها تطوحات روائية شديدة التنوع لدرجة تستعصي علي الحصر.لكن ذلك لم يمنعنا من اخراج السؤال الي مساحة لائقة من العلنية، وان كنا لا نقطع أمامه بشيء، الا أن قبولنا ببقائه قيد السريرة سيعني أننا نوافق علي مصادرة المستقبل لصالح نجيب محفوظ، وهو تصور ـ بلا شك ـ كارثي وخطير يستتبع بالضرورة أن نتوجه لأنفسنا ولروائيينا من الخلف بالتوجه الي اعمال أكثر نفعا من كتابة الرواية.الي هذا الحد من الهزل يمكننا أن نتأمل خطورة السؤال، لذلك قررنا طرحه علي عدد غير قليل من روائيينا ونقادنا من أجيال مختلفة، ورغم التفاوت الواسع الوارد في مذاهب من تحدثوا الينا، الا أن ثمة اصرارا بقي ما بقيت الحياة علي أن تجاهل فعل الزمن يعني أننا أمام خطل كبير، فالزمن المحفوظي ذهب بغير رجعة، وأعقبته أزمنة أكدت لنا أن الصانع تحول بالمنجنيق الي قاذفة وأنه ـ الصانع ذاته ـ لم يترك مبضعه للعراء لكنه سهر علي رعايته فتحول الي شفرة ذكية تقرأ زمنها وهي مغمضة العينين، لذلك سعي من تحدثوا في هذا الاستطلاع الي كشف الفعل الزمني الذي فرض ـ بقوة الواقع ـ رواية مختلفة ومتجاوزة ومهمة. وهنا نص السؤال الذي وجهته القدس العربي للمتحدثين اليها: تشكلت الملامح الروائية للرواية العربية بعد محفوظ بما لا يدع مجالا للمنازعة في أهميتها الجمالية ومع ذلك يوجد بعض النقاد الذين يروجون لمقولة (موت الرواية بعد محفوظ).كيف تري الاضافات النوعية التي طرحتها رواية ما بعد محفوظ؟ وهل تشكل تلك الاضافات مرتكزا لانجاز رواية مختلفة؟ وما رأيك فيما يذهب اليه بعض النقاد بموت الرواية بعد محفوظ .كان هذا هو نص السؤال..وهنا ما قاله المتحدثون:اهمال الزمن كارثةمحمد البساطيقاص وروائي ما بعد نجيب محفوظ مستمر اثناء حياته، فجيل الستينيات قدم رواية جديدة وكذلك الأجيال، وما يقال عن أن نجيب محفوظ سد الطريق أمام الرواية من أقوال السذاجة التي روجها النقاد في فترات سابقة، في حين أن الرواية التي كتبت ما بعد محفوظ اختلفت، وكان بعض مجايلي محفوظ من جيل الستينيات أو الأجيال اللاحقة يكتبون رواية جيدة وما زالوا مستمرين، وهي روايات شديدة النضج تقف الي جانب روايات نجيب محفوظ، ورغم ذلك فان هذا الكاتب العظيم قد أقام عالما ثريا في الرواية العربية، ومن المعروف ان الابداع نهر مستمر، يقول المبدع كلمته ويمضي، وحين لا يكون في الوطن غير روائي واحد فعليها السلام، ورحيل نجيب محفوظ لا ينهي مرحلة في الرواية لتبدأ مرحلة، فالكتاب المعاصرون كانوا يكتبون في حياة محفوظ، وكانت أعمالهم تلاقي ترحيبا وما زالت كما تلاقي أعمال محفوظ بالضبط، وسيستمر نجيب مقروءا بعد وفاته، كما يستمر عملنا في حفر طريقه لأنني أري أن من يقول أن تيارا انتهي بوفاة نجيب محفوظ فهذه وجهة نظر خاطئة واذا تأملنا الرواية الستينية سنجد انها بدأت مختلفة عن كتابات محفوظ وادريس لذلك لفتت النظر ولو كانت استمرارا لهما لما التفت اليها أحد، وستكون تكرارا بلا طعم وحتي الكتابات اللاحقة للستينيات فالذي تميز منها هو ما جاء مغايرا لكتابة الستينيات فكل زمن له حساسية وله ايقاعه الذي ينعكس بشكل ما في الكتابة الابداعية.تحويل محفوظ الي عقبة!!د. مجدي توفيقناقد ينطوي السؤال عن الرواية بعد محفوظ الذي نسمعه من الثمانينيات الي اليوم كثيرا علي جوانب كثيرة ينبغي مراجعتها.أولا لا شك أن نجيب محفوظ كاتب عظيم وعلامة كبري ولكن لا معني عندي علي الاطلاق لأن يقال ان نجيبا هو الرواية العربية المعاصرة وهو عندي منطقة متميزة جدا في أرض شديدة الاتساع والتعقد وفي الوقت الذي ظهر فيه نجيب روائيا كان يحيي حقي وتوفيق الحكيم لهما مكانة هائلة في خريطة الرواية العربية وبالتأكيد أن حساسية الرواية في الستينيات والتشكيلات الأخري في جيل السبعينيات وما تلاها وصولا الي ما يسمي بالرواية الجديدة الآن وعبورا بالنصوص التي يغلب عليها تيار الوعي عند كتاب أمثال ادوار الخراط ومحمد الراوي ومحمود عوض عبدالعال وآخرين هي كلها مناطق شديدة التنوع في الخريطة المصرية فحسب وسيكون الأمر أوسع اذا نظرنا الي العالم العربي بأكمله.ثانيا يتوهم المرء نفسه يواكب عمليات التطور الروائي والسردي منذ بدأ الي أن مات ورواية ما بعد نجيب هي الرواية التي ستبدأ اليوم ولن يستطيع نجيب أن يشارك فيها بموته وطوال الوقت كان نجيب يشارك في التحولات المختلفة علي أنحاء تميزه.ثالثا: أعتقد أن السؤال عن الرواية بعد نجيب يصدر عن رغبة طيبة في تقدير نجيب وفي النظر الي المستقبل ولكني كنت ألاحظ طوال السنين أن هذا السؤال يحول نجيب الي عقبة بأكثر مما يمنحه التقدير وفي أفضل الأحوال يجعل التطور مقيسا الي نجيب وحده كأنه المعيار الوحيد للكتابة الروائية وهذا كله غير صحي في تقديري، فنجيب يستحق أعظم التقدير الذي يفوق نوبل ولكنه في الوقت نفسه لا يستطيع أن يكون معيارا للتطور واذا حاول أحد الكتاب أن يكتب مثل نجيب أو أن يكون المقلوب العكسي لنجيب فهو في الحالتين ظل بلا أصالة، ولا يوجد ابداع ـ كما تعلم ـ يخلو من أصالة، فالمرجعية هي الجزر الذي نستعيده أو نحن دائما في حاجة الي استعادته والبناء عليه.ذهنية محفوظ صعبة لأمثاليد. شريف حتاتةروائي وكاتب سياسي لا نستطيع أن نناقش أهمية ما كتبه نجيب محفوظ، فمساهمته لا يجوز التقليل منها بأي حال، حتي لو اختلفنا في تقييم هذا الانجاز، لكن مشكلتي الشخصية بالنسبة لكتابة نجيب محفوظ، انني أري أنه كاتب عقلاني، والارتباط بين العقلانية والعاطفة لديه قليل، وأنا شخصيا يتجه ذوقي في الأدب الي المنطقة الوجدانية في الكتابة، لأن الوجدان جزء أساسي من الابداع الفني.من جهة أخري فان أدب محفوظ وصفي الي حد كبير، وأنا أميل عادة الي الاضافة المعمقة والرأسية، فجميل أن نصف المجتمع المصري، لكن الأدب في نظري هو استشراف للمستقبل وما يدفع الكاتب للكتابة هو الاحتجاج، وعندما يعالج محفوظ عادات وتقاليد، فهذا معناه الرغبة في تغيير المجتمع، غير ان الجانب الفكري في أعماله يميل الي التبسيط، لذلك لا يمكنك الدخول معه في حالة مختلفة، وان كنا نستمتع بهذا الأدب ونقرأ المجتمع من خلاله. بعد ذلك يأتي غياب الجسد عند محفوظ، فالجسد لديه هو نتاج العلاقة الطبيعية التقليدية بين الرجل والمرأة، فالمرأة لديه هي الأم أو الأخت أو العشيقة أو المومس، المرأة لديه ليست هي الكائن الفاعل بل هي عادة مفعول به، بالاضافة الي النزوع المحلي في أدب محفوظ رغم أن توسيع رقعة المحلية هو الطريق لانتاج أدب عالمي، ومع ذلك فان الكم الذي قدمه محفوظ مهم للغاية لكن ذلك لا يعني تحوله الي ضم وخطورة هذه المسألة أن نجيب بات سقفا يقاس عليه، وقد بدا هذا الاحتفاء المبالغ فيه بمحفوظ نوع من التصغير لغيره، وهو أمر لا يختلف عما يحدث في السياسة المصرية من تأليه للحكام، وهذا التأليه سواء كان مقصودا أو غير مقصود فهو قاتل لابداع ومبادرة الآخرين، وهذه طريقة النظام في التحكم في الرعية أو المحكومين، فاذا كان هو يجسد المثل الأعلي فعلينا اذن أن نحتذيه، وهذا ربما ليس خطأ محفوظ نفسه، فهو ينتج ويبدع في حدود قدراته، فهو مثال، لكن علينا أن نسأل كيف تم استخدامه في الحياة الثقافية.أما الكتاب الذين أتوا بعد محفوظ سواء كانوا مشهورين أم لا فقد حاولوا ونجحوا، في حالات كثيرة، في اختراق هذا النطاق أو السياج المضروب حولهم، فخرجوا عن نطاق الأدب الوصفي وخاضوا تجارب مختلفة في المضمون والشكل وأدخلوا الجسد في الأدب وهذا مهم جدا لأن الجسد الذي يتحرك ويتحرر يساعد علي تحرير العقل وحرية الجسد فحرية الجسد ليس معناها الفساد لكن معناها أن نفهم أجسادنا وأن نمارس الحب ونعيشه لأن هناك علاقة وثيقة بين الجنس بمعناه السليم وبين الحب، وأنا أري ـ بالاضافة الي ذلك ـ هذه الذكورة المجتمعية التي تتجلي في تهميش النموذج النسائي في الكتابة الروائية مثلما حدث مع الكاتبة نوال السعداوي، التي قدمت عددا من الروايات التشريحية المغامرة التي اقتحمت الكثير من المناطق المحرمة في العقل العربي وربما كان ذلك من الأسباب التي ساعدت علي تهميش هذا النوع من الكتابة، وهذا الوعي الطليعي الذي يدعو الي اعادة النظر في كل الثوابت المجتمعية والدينية والسياسية.وفي فترة من الفترات اتجه الاهتمام الي تصعيد النموذج النسوي في الكتابة باعتباره الوجه الآخر للمجتمع لكن حدثت ردة في هذا وعادت الكاتبات يكتبن بعيدا عن هاجس التعبير الذاتي، وكان هذا يفترض أن يكون طريقا لنقلة جديدة في الكتابة، وأظن هذا سيحدث لأن المجتمع مقبل علي حالة خلخلة واسعة وعميقة وبدأ ذلك يؤثر في وضع المرأة بصفة امة وبالتالي في النموذج الابداعي فالكتابة الجديدة التي تهتم بالمهمش ـ بصرف النظر عن تقييمها ـ تعد نوعا أولياً من هذه الخلخلة.أين نذهببهذا التنوع الهائل؟!د. أماني فؤادناقدة الدارس للرواية ما بعد الحداثية المعاصرة، سيخرج بانطباع أولي وهو أن هناك فوضي عامة. هذه الفوضي للوهلة الأولي تصنع مسافة ما بينك وبين العمل الروائي، غربة ما، فالفوضي تشمل الحدث ورسم الشخصيات، تشمل الأماكن والوصف، وتعبر عن تداخل الأزمنة، ويندرج تحتها الحوار والسرد، في مرحلة تالية لقياس هذه الفوضي سنجدها ليست كلها بثا بل هي مقصودة. لعب تعبيري وعساه أن يكون نتاج خطة معبرة عن فكر ورؤية عن كيان فني يتوافق مع هذا الفكر، ولا انفصال بينهما، هذه الفوضي التي أشير اليها خلفيتها انتظام ان صح هذا التعبير لكنه الانتظام الذي لا يهبك نفسه، بل يسعي المتلقي الي صنعه وذلك من خلال قراءة الرواية، لمرات متعددة، قهر هذه الغربة بينه وبين العمل الروائي، ومحاولة لسد هذه الفجوات المتروكة في الحداثة والزمان والمكان، في الشخصية والسرود والحوار، وصنع حبكة خاصة للغاية بالمتلقي، ولكنه قد شارك في صنعها بالفعل لأنه سيضفي عليها من ثقافته الخاصة.يضع جوار تلك الفوضي في العمل الروائي ما لا يتجاور من أماكن وأوصاف، من أزمنة وأحداث، يضعها تناقضات متعددة في بناء الشخصيات، في الافكار، في اسلوب التعبير الخاص بالمبدع ذاته، هذا الشكل الروائي التغريبي غامض بلا شك ويتطلب جهدا في التلقي وفي النقد، ما يدعو البعض لادعاء أنه ليس هناك رواية بعد ابداع العظيم نجيب محفوظ.الواقع الفني الفعلي لا تصفه هذه الحدود الفاصلة فلا نستطيع أن نقول الرواية بعد نجيب محفوظ فابداع نجيب محفوظ ذاته مر بمراحل مختلفة ومتطورة ومعبرة في كل آن. لها فكر وواقع مجتمع تتعاقب عليه متغيرات مختلفة، متغيرات اجتماعية وسياسية وثقافية فنية، بل انه بأستاذيته استطاع أن يستشرف المستقبل وأن يطور من تقنياته الفنية وأدوات ابداعه ليواكب متغيرات ومراحل ابداعه المختلفة، ولقد عاصر ابداع نجيب محفوظ ابداع روائي لمبدعين آخرين لا يقلون أهمية فكرية عن ابداع نجيب محفوظ ذاته، وتلك سنة خصب الحياة وعطاؤها المتجدد علي الدوام ومواكبة للتغيرات التي تحدث في المجتمع وفي الفن ذاته.لكن للحركة النقدية أن ترصد بعض المتغيرات الفنية العامة التي شكلت الرواية الحداثية وما بعد الحداثية المعاصرة، ومنها علي سبيل المثال:1 ـ التعامل مع التقنية الفنية اكتشافا للعالم والفن في ذات اللحظة، واستطيع ان افسر هذا التعبير علي ان المبدع يجدد ادراكنا لعالم الفعل من خلال توتر فني مرهق يحفز عنده الرغبة في التقاط نقطة وهمية، الواقع والخيال، الوجود والعدم، الشعور واللا شعور، يهدم الفنان ما هو كائن، من اجل ان يكتشف عالما آخر، يتمرد علي الاسلوب الروائي التقليدي السائد من أجل طموح لارتياد طرق وتقنيات جديدة، تعبر عن رؤية عالم منداح لا أسس أو ثوابت حكمه، وتأسيسا علي هذا اندياح آخر في التقنيات الروائية المتواترة والمتعارف عليها سابقا، نموذجا لذلك رواية ذات لصنع الله ابراهيم، فهي من خلال اسلوب سرد توثيقي تعرض مادة صحافية دون تعليق وتربط بينها وبين الشخصية الرئيسية في الرواية، وتغوص في احشاء مجتمع فاسد مفتت.2 ـ سيادة اللحظة الراهنة، فمفهوم الزمن أصبح ذاتيا، زمان الفرد الخاص المعبر عن حياة باطنية تتداخل فيها الأزمنة وتنساب وتختلط، لانقسام الذات نفسها لذوات متعددة ومتناقضة لكنها متعايشة ومتوازية في نفس الفرد، ولقد تخلت الرواية الحديثة عن الترتيب الزمني والتتابع التقليدي للزمان الموضوعي التاريخي، ومن هنا ينبع التخلي عن الحبكة الروائية المحكمة وعن البطل والاحاطة بتكوينه السيكولوجي، وظهر ما نسميه بتشظي الزمن في حركة تواصل مع قارئ مغترب يعي اغترابه، يعيش أزمة انكسار ويدخل في عوالم جديدة أخرجت الانسان من مواقعه الأليفة الي المجهول أو الي عدم معرفة أين يتجه. ان تشظي الزمن يخلق حركة من الجدل بين شروطها الشكلية وما خارج النص من حياة متغيرة.3 ـ الأماكن، الظلال، تظهر في الرواية المعاصرة الأماكن باعتبارها خلفية لحظية وغير دالة علي شيء سوي تفصيل منفرد، فلم يعد هناك التجانس والتلاؤم بين المكان والحدث والشخصيات، فالمكان لم يعد محملا بدلالة ما بل وجوده قائم من أجل وصف أشياء علي درجة متساوية من عدم الأهمية، مفهوم المكان أصبح يكتسب دلالة معزولة عن الفعل وعن حياة الشخصيات وذلك لأن الذات نفسها أصبحت مفهوما غير محدد، لم تعد ذاتا متماسكة بل ذاتا مغتربة في هذا العالم، اصابتها دروب من التحلل والتمزق، انه واقع يقلص من دور الفرد فاعليته، ومشاركته، فهي نزعة حيادية تجاه الاماكن ينصب وصفها علي الوجود اليومي لفرد عادي ولروتين هذا الوجود، وهي بذلك تعوق الانعكاس الشامل للواقع وتعبر عن فترة ركود ونواتج جاهزة مكتملة راكدة وتلاحظ ان الروائي يمد وصف المكان في نظام أوسع من المعني ولم يعد تبرير المكان ايديولوجيا وتاريخيا مهما، ذلك مثل أعمال ادوار الخراط وابراهيم أصلان وفي تقنية أخري لبعض الروايات الحداثية يعتمد المكان كأساس بدلا من الزمان، لكنه المكان الروائي وليس المكان الواقعي مثل رامة والتنين لادوار الخراط، و رائحة البرتقال لمحمود الورداني.4 ـ الشخصيات التي تتصف بالسيولة، أبرز علامات الشخصية في الرواية ما بعد الحداثية أن لها ماهية سيكولوجية خاصة للغاية تقلص دوائر الأفعال لأنها ذات هشة وغير فعالة، الشخصية الروائية الحديثة ليست قادرة علي فهم العالم، مغتربة، لذا حدث تخل عن مركزية الذات في الحداثة، وأقيمت المسافات – عمدا أو دون عمد – بين القارئ وشخصيات الرواية، وأصبح التركيز منصبا علي الصياغة اللغوية التي تعتمد الكنايات وليس المجازات التصويرية، ولم يعد هناك نموذج جميل و مأمول، في الرواية بل هناك دمامة وضياع وحيرة في نماذج ما بعد الحداثة فهي تحمل جوانب انفعالية وحسية وعقلية مضطربة، لا انسجام بينها، فكرا مناقضا للسلوك، ذوات منكفئة علي نفسها، خالقة لعالم ذاتي، مغاير للواقع الاجتماعي المرفوض، الذي تسوده الفوضي والتعددية والتناقض.5 ـ الحبكة ما بعد الحداثية فوضوية، فهي حبكة مفككة عرضية ليست ذات هدف ولا تقيم لعلاقة السببية وزنا، بل قد تبدو مسحا اجتماعيا أو نفسيا أو سياسيا سطحيا، فهي تحويل الوقائع المتناثرة العرضية التي قد تتجاور دون روابط محددة الي وصف خبري خالص، لكن الروائي مهما تمادي في فوضاه يظل العمل الروائي متطلبا لنــوعية من العــــلاقات لهذه اللقطــات أو اللمحات أو النظـرات، ولنا أن نتساءل ما طبيعـــة هذه العلاقـات، انها تشبه رموزا ذات دلالات متقاطعة، رواية تشريحية من الحياة المعاصرة في عريها القبح، لا تملك تنظيما محددا، فقد تلتقط الحبكة الروائية من خلال التداعي الحر الذي تقوم به كل شخصية من شخصيات الرواية علي حدة، مثال هكذا يعبثون لأمنية زيدان، وقد تلتقط من السرد الوصف الذي يعتمد التجاور والذي يتسم في بعض أحيانه بالتناقض القبيح لكنه المتعايش وقد تلتقط من استقصاء تراث السير والتاريخ والتصوف واساليب الحكي التراثية مثل تجليات جمال الغيطاني. انه لعب غير متناه يحمل كل نزق الطفولة الفوضوية.6 ـ لغة الرواية المعاصرة لغة متداخلة تفتقد العلاقات المنطقية، لغة متداخلة تتعرض لنفس مصير الذوات ما بعد الحداثية، لغة تقتل نفسها بكاتم الصوت، انها لغة استكشافية وكأنها تخلق لحظة الحكي أو السرد، تكني اكثر مما تفصح لا تأبه بالمجاز التصويري فهي كائنات مستقلة، وقد تبدو متناقضة يؤدي تجاورها الي تكون الرواية، فهي تقصد لذاتها وفي نفس اللحظة تعبر عن حالة شعورية منفصلة عن العالم، فهي لغة تبدو حيادية تشبه لغة السينما والفنون التشكيلية ويستلزم ذلك انقلابا في الأدوات التعبيرية والامكانات الجمالية، وهذه الامكانات قد قمت بوصفها من قبل، بأنها جماليات الفوضي والجوار والتناقض. الواقع الروائي المعاصر يحمل ايضا تنوعا هائلا بين كل الأشكال الفنية الروائية، تقليدية وحداثية ولذلك هذه الملامح قد تتحقق في بعض الانتاج دون غيره وتتحقق لنفس المبدع في بعض انتاجه وتعود لتتغير في ابداع آخر له في مراحله المختلفة. تلك هي الملامح الفنية للرواية المعاصرة والتي شارك ـ ريادة ـ نجيب محفوظ في بعض ملامحها في المراحل الأخيرة.معدة قديمة تلتهم الجميعيوسف أبو ريةكاتب حيرني نجيب محفوظ، لماذا كلما تابعت رحلته الابداعية الطويلة تذكرت هذه المقولة وما الأسد الا مجموع الخراف التي التهمها ؟! لقد كتب قبل، وكتب مع، وكتب بعد.أعني انه جاء ليؤسس ويرسخ، ثم يلاحق الصرعات الحديثة علي مستوي البناء الفني، من عبث، ولا معقول، وواقعية سحرية حتي لا يقال عنه أنه مجرد رحلة واحد وتجاوزه الآخرون.كانت الرواية قبل مجرد مقاربات، وعلي مستوي الموضوع هي اعادة انتاج لحقب من التاريخ العربي الاسلامي فتداخلت دائرته الأولي مع الدائرة الواسعة لكتابة جرجي زيدان والجارم والحكيم وطه حسين ثم أبو حديد وباكثير، وكان السرد القصصي معنيا بكتابة السيرة الذاتية الأيام، حياتي، حياة قلم، أنا، ابراهيم الكاتب وكثير من أعمال توفيق الحكيم وحقي، استلهم التاريخ الفرعوني وبث ذاته بقلقها الفكري والوجودي في كثير من شخصيات المرحلة الواقعية، ثم مراحله التالية الشحاذ، الطريق، السمان والخريف .ولكي نفهم دور محفوظ، ونتلمس رواية ما بعد محفوظ لا بد من الاعتراف بشجاعة، والاقرار بما يشبه الحسم أن قدرنا في الابداع الفني، قدر التابع، وأن اجتهادنا في التأصيل محاولات متناثرة غير كافية، ففي المرحلة المحفوظية كانت المركزية الأوروبية بما فيها الاسهامات الروسية تمثل محور العطاء الثقافي، فالمرجعية هنا أوروبية بالأساس، ومن هنا كان الربط بين أعمال محفوظ بابداعات ديكنز وبلزاك كما جاء في تقرير لجنة نوبل، وأضيف اليها ابداعات تولستوي وديستيوفسكي.بعد الحرب الثانية ومع صحوة العالم الثالث بما سمي حركة التحرر الوطني، اتسعت بقعة الخريطة الابداعية وراحت أوروبا تصدر أدب الأزمة والقلق الروحي والفكري، ورفع شعار انظر وراءك في غضب وهنا كانت الحلقة الثانية في تأثير المركز والمحيط.تصدرت المشهد الأدبي ابداعات كافكا، وجويس، وبروست، وفرجينيا وولف وآلان روب غرييه، وناتالي ساروت ونحن هنا نتأثر بأثر رجعي فجرت محاولات لاستلهام تيار الوعي والتشيؤ وأدب الاغتراب واللامعقول والعبث وغيرها من صراعات تناحرت في بلادنا مع عشرينيات القرن العشرين، وتضاعف تناحرها فيما بعد الحرب الثانية، وطالعناها في الخمسينيات والستينيات ومن هنا كانت دهشة محمود أمين العالم من شعر صلاح عبدالصبور حين أصدر ديوان أحلام الفارس القديم . لماذا البكاء والسد العالي يمسح دموع الصحراء؟ وظل محفوظ محدقا بعمق في ابداعات هذه الحقبة كما ظلت مسامه مفتوحة لتمثل أدب الأجيال الجديدة وتحضرني صورة بيكاسو فهو مبدع القرن العشرين، ومع ذلك كان عندما يزوره صديقه متيس يخفي لوحاته فسئل عن ذلك فقال ان عينه لصة وهو أشهر مني ، وظل محفوظ يكتب كتفا بكتف ولا يتنازل عن حقه في السبق مضيفا الي استلهامه الجديد نكهة معتقة من مخزون الخبرة فيحرق عليهم المراحل بوجوده الراسخ، فيواصل الهدم والبناء في أشكال فنية مبتكرة المرايا وميرامار مثلا ويكتب العبث بعد النكسة وكأنه سوريالي عريق كما في تحت المظلة وتندلع الدائرة لتتسع لجغرافيا جديدة تأتي هذه المرة من أمريكا اللاتينية وأفريقيا واليابان.حضور قوي باذخ لأدب يمنح من موروث اسطوري لشعوب تؤصل لبيئات انسانية وفنية جديدة تثير الدهشة بواقعيتها السحرية العجيبة، ويصرخ أحد كتاب الستينيات ماركيز كتبنا ، بعد مطالعته لـ مئة عام من العزلة ، أي ان ماركيز يعبر عن طموحنا، هناك وشائج أصيلة تربطنا به مصدرها الموروث الشعبي المستلهم من ألف ليلة وليلة ومن العهد القديم ومن تراث الشعوب الهندوسية والزنجية ويسبق محفوظ الجميع فيبدع ليالي ألف ليلة ثم يفاجئنا في منتصف السبعينيات بملحمته الرائعة الحرافيش .فماذا يفعل الستينيون والسبعينيون؟ وماذا يضيفون؟ يقولون انها حق أصيل لنا، هذه الكتابة هي وجعنا وآلامنا نعبر عنها بصدق عبر بلاغة مغايرة وأشكال فنية مبتكرة، أما محفوظ فانه يلتهــــم الجميع علي معدة قديمة فبلاغته غير موافقة لحداثة عطائنا الابداعي، انه يشبه ـ في هذه الحال ـ قصرا قديما ركبت علي نوافذه السامقة أجهزة التكييف وبرزت من أسطحه المزخرفة لاقطات فضائية لا تنتمي لزمانه، ولكن في النهاية هو فرد يبدع وحده ويتنقل من مرحلة الي مرحلة حتي أنجز كل شيء اما اللاحقون فقد عملوا كجماعة ليس فيهم المتفرد الذي يعبر عن زمانه مستقلا، ومن هنا النظام واللجوء الي فكرة الجيل مع أن الابداع عمل فردي ينسب لصاحبه لا لجيل أو لفريق عمل.هناك رواية ما بعد محفوظ ولكن منجزها جماعي، لا فردي لقد نجح كل كاتب في خلق فلك خاص به، بتشكيلاته الفنية وببلاغة مغايرة يمكن رصدها.كانت هذه الرواية صدي للمتغيرات علي كافة الأصعدة وللتـــــبدلات التي وقعت عالميا واقليمـــــيا ومحليا، فهي تعبر بحق عن زمانها ولكني لا أستطيع أن أنعي التجربة المحفوظية عن المشاركة في نفس الهم، وان أخلص لقناعته الفكرية والفنية القديمة.لن نتحدث عن حقائقشموليةسعيد نوحروائي وقاص أولا ان حقيقة وجود الرواية كان نتيجة انفصالها عن الأشكال التقليدية المتعارف عليها مثل الشعر، ورغم ذلك يمكن للشعر أن يدخل الرواية دون أن يفقد أيا من ثوابته، ثانيا ان الرواية هي الشيء الوحيد القادر علي الابتكار والتجديد من داخلها بدرجة تقترب من قلب الحركة كما في علم الميكانيكا، ثالثا: الرواية لها ملكة خاصة قادرة علي استيعاب الآخر داخلها مثل الفلسفة والوثائق والمقالات كما عند كونديرا مثلا لأنها في رأيي هي المادة الخام لكل الأنواع والأجناس الأدبية التي استقرت بثوابتها المتعارف عليها حسب تاريخها الطويل من الثبوت. رابعا: ان الرواية هي الجنس الأدبي الذي ولد منذ ما يقرب من الخمسة قرون وما زال في مرحلة التطور والنمو في ظل المتغيرات التي شملت كل العالم. خامسا: ان روح الرواية هي روح الاستمرار.مر علي وجودي بالحياة ما يقرب من أربعين عاما، عرفت فيها الأدب سنوات كثيرة، وكان أكثر سؤال تردد طوال السنوات الماضية هو هل كان نجيب محفوظ عقبة في تطور الرواية العربية؟ هذا السؤال الخبيث طرح، ولم يقتصر أبدا علي جيل معين، فلقد استمعت اليه من الأجيال اللاحقة حتي جيل التسعينيات، ولعلي أتذكر كلمة المفكر والسياسي الروسي الكبير لينين: لقد عرفت فرنسا من خلال روايات بلزاك أكثر مما عرفتها من كتب التاريخ، وأنا بدوري أقول بناء علي ما قاله لينين: من يريد أن يعرف مصر فلابد له من عدة مصادر أولها كتابات نجيب محفوظ، وأتذكر كلمة رجاء النقاش الذي قال في كتابه: ان حب نجيب محفوظ معناه حب مصر، ولهذا سيعيش نجيب محفوظ الي الأبد، لأنه لم يتجمد وقدم ثقافة أدبية وفنية ممتعة، وأعمال هذا الرجل وأدبه هي التي جعلت من الرواية المصرية والعربية فنا حقيقيا له شهرة عالمية ودوي كبير.أما عن مدي ارتباط الرواية بالواقع فأقول لك ان أي عمل فني يستمد طاقته من الوجود لا من الواقع، والوجود الذي أعنيه هو بالأحري ما جري، هو حقل الامكانيات الانسانية، كل ما يمكن للانسان أن يصيره، كما أن الحياة الاجتماعية تدخل في علاقات الأدب قبل كل شيء عبر جانبها اللفظي. اذن ليس هناك واقع ومتخيل، بل هناك تكوين اجتماعي واقعي يؤثر في تكوين اجتماعي متخيل، فالعالم هو الشيء القائم علي الحقيقة الشمولية أما الكتابة أو عالم الكتابة فهو عالم النسبي والمتخيل والغامض والحقيقة الشمولية ترفض النسبية والشك في حين أن أهم ما يميز العمل الفني هو الشك، ولنأخذ مثلا من عمنا وتاج رأسنا نجيب محفوظ الذي صرح أكثر من مرة انه حين كان يكتب شخصية كمال عبد الجواد في الثلاثية كان يكتب نفسه.ولكن بالنظر الي ما آل اليه كمال وما آل اليه نجيب سوف يفاجئنا الواقع الذي وصل الي حد التضاد أو الي عكس الحركة كما يقول علماء الميكانيكا، ومع ذلك يظل كمال شخصية تقف امام أعيننا أكثر من شخصيات كثيرة عشنا معها، فمن فيهم الواقع ومن فيهم المتخيل؟ أما عن الأجيال التي تلت عمنا نجيب محفوظ فمما لا شك فيه أن جيل الستينيات هو الجيل الوحيد الذي أضاف اضافات نوعية الي حركة الرواية العربية، فقارئ الزيني بركات للمبدع جمال الغيطاني سوف يكتشف مدي اختلاف تلك الكتابة عن كتابات محفوظ، وكذلك الحال بالنسبة لخيري شلبي وبهاء طاهر والبساطي وسعد مكاوي والكفراوي ومحمد ناجي، أما عن جيل التسعينيات الذي لا يمكن الحكم – بعد – علي تجربته البعض نشر رواية أو اثنتين علي الأكثر فأظن أن الأيام كفيلة بالحكم عليه وكيف استفاد الي أبعد حد من تجربة محفوظ.0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية