منذ مجيء حزب العدالة والتنمية الحاكم في عام 2003 وتركيا لم تعد تركيا المعزولة استراتيجيا والمنقسمة عرقيا واجتماعيا والمريضة اقتصاديا، فقد استطاع هذا الحزب بقيادة اردوغان تحويل دفة الامور على مختلف الصعد والجبهات، فحول تركيا من الدولة العبرة الى الدولة الاسوة، وصعد باقتصادها الى مصاف الاقتصادات الاكثر كفاءة وضاعف من ناتجها القومي الاجمالي اكثر من ثلاث مرات في اقل من عشرة اعوام. وعلى الصعيد الداخلي استطاع كذلك تطويق مشكلة الاكراد بتنازلات صعبة قدمها لهم لاقناعهم بالتخلي عن السلاح والجلوس الى طاولة المفاوضات، للخروج بحل يرضى به الجميع. وعلى المستوى الاستراتيجي فقد تمكن من فك العزلة التي كانت تعاني منها تركيا منذ عقود، باقناع الغرب بقبوله من خلال التوجه شرقا، ومن خلال تقديم تركيا على انها بوابة اوروبا للشرق الاوسط وبوابة الشرق الاوسط لاوروبا والجسر بين الشرق والغرب، فاصبحت تركيا الرقم الاصعب في المعادلة الاقليمية، والدولة المحورية التي تقبل بها اوروبا ولا تستطيع تجاهلها امريكا، ولا تريد معاداتها روسيا وتحتاجها دول الشرق الاوسط وتحاول استمالتها كل الاطراف. لكن هذه النجاحات لم تأت من دون ثمن، سواءً في الداخل التركي او في الخارج، ففي الداخل هناك من يرى في هذه الانجازات نجاحا لخصم سياسي بل وايديولوجي يضيف تعقيدا الى الصراع معه، وتجعل من هزيمته سياسيا في صناديق الاقتراع او ايديولوجيا في كسب قلوب وعقول الاتراك، امرا في غاية الصعوبة، فهناك حزب الشعب الجمهوري الاب الروحي للعلمانية في تركيا ووكيلها الشرعي الذي فقد الكثير من نفوذه الشعبي والمؤسسي نتيجة صعود حزب العدالة والتنمية، وخسر اكثر بتحييد الجيش التركي الذي كان يقدم نفسه ويقدمه العلمانيون ‘كحام’ للعلمانية، وهناك مؤسسات الدولة العميقة التي يسيطر عليها العلمانيون الاتاتورك، في القضاء والاكاديمية والجيش والاعلام، التي اضطرت الى التراجع والعـــمل تحت الارض بسبب سيطرة الحزب الحاكم وعمليات التطهير التي كان وما يزال يقودها، واخيرا هناك الخصم الجديد لاردوغان، وهم جماعة كولن التي استيقظ خلافها القديم مع حزب العدالة والتنمية، والمتعلق في الدرجة الاولى بعلاقة تركيا مع اسرائيل التي تردت بسبب احداث سفينة الحرية التي قتل فيها مواطنون اتراك على يد الكوماندوز الاسرائيلي، وقد كشفت الاحداث الاخيرة مدى قوة ونفوذ هذه الجماعة ومدى تغلغلها في مؤسسات الدولة المختلفة، خاصة المؤسسات الامنية. اما في الخارج فلا شك ان هناك الكثير ممن تسيئهم تركيا القوية المتقدمة والمستقلة، ويرون فيها خصما اقليميا او عدوا تاريخيا، او ندا استراتيجيا، فهناك اوروبا التي ما تزل تستحضر التاريخ الاستعماري العثماني الذي سيطرت فيه تركيا العثمانية على مساحات كبيرة من اوروبا، وهناك ايران التي ترى في تركيا عدوا تاريخيا منذ ايام الصراع بين الدولتين الصفوية والعثمانية، واليوم تعتبرها خصما اقليميا قويا يمكنه ان يحد من طموحاتها ونفوذها في المنطقة، وهناك ايضا روسيا العائدة الى ساحة النفوذ الدولي، التي تعتبر تركيا القوية عائقا وعثرة امام استعادة سيطرتها على منطقة اسيا الوسطى الغنية بالنفط والغاز، والتي ترتبط غالبية سكانها عرقيا بتركيا، وهناك الانظمة العربية التي ساءتها مواقف تركيا المؤيدة ‘للربيع العربي’ والداعمة لحراكات التحرر التي يقودها تنظيم الاخوان المسلمون، التي تضررت بسببها هذه الانظمة كثيرا، واخيرا هناك الولايات المتحدة التي كانت من اكبر المتضررين من صعود حزب العدالة والتنمية الى السلطة في تركيا، الذي دخل في مواجهة مبكرة مع الولايات المتحدة عندما صوت البرلمان التركي الذي يسيطر عليه ضد السماح للقوات الامريكية بالانطلاق من الاراضي التركية ابان الغزو الامريكي للعراق في 2003. لقد ادى ازدياد الخصومات وتراكم الخلافات التي لم يوفق اردوغان كثيرا في ادارتها او الحد منها في المحصلة الى حصره في زاوية ضيقة وتحويله الى ‘بطة عرجاء’، غير قادر على مقاومة الضربات من الخارج او الصفعات من الداخل، فقد تكاثرت عليه الازمات الداخلية والخلافات الخارجية وزادت حدتها في الآونة الاخيرة، نتيجة رفض اردوغان التراجع عن سياسته في الخارج او التهدئة مع خصومه في الداخل، وتوالت الضربات على اردوغان في الداخل والخارج ابتداءً من محاولات افشال محادثات السلام مع الاكراد التي قطعت شوطا كبيرا، مرورا بالاحداث الدامية التي صاحبت احتجاجات ميدان تقسيم وانتهاءً باحداث ما سمي بالتنظيم الموازي وقضايا الفساد التي اتهم فيها اعضاء متنفذون في حزب العدالة والتنمية التي طالت بلال اردوغان ابن رئيس الوزراء وزعيم الحزب. اما على الصعيد الخارجي فقد تعرض اردوغان الى انتقادات شديدة من قبل الولايات المتحدة والاتحاد الاوروبي، سواءً على خلفية تعامل قوات الامن ‘العنيف’ مع متظاهري ميدان تقسيم او سياسات التضييق على الصحافيين او حزمة القوانين التي اصدرها البرلمان، التي تؤسس حسب الاوروبيين الى خلق ديكتاتورية جديدة في تركيا، ومن ناحية اخرى فقد اعربت العديد من الانظمة العربية عن استيائها من مواقف تركيا من الاحداث التي مرت ببعض الدول العربية، خاصة في مصر وسوريا والتي استهدفت الاستقرار في هاتين الدولتين، الذي تحول من مجرد استياء محض في مرحلة لاحقة الى خصومة وعداء بيّن ساهم في الضغط على اردوغان وحكومته. اصابت هذه الاحداث خاصة في الستة اشهر الاخيرة اردوغان وحزبه بالشلل الكامل فقد توقفت مسيرة الاصلاحات في الداخل وتوقفت المشاريع التنموية وتوقف معها تدفق الاستثمارات، وعلى الصعيد الخارجي اصيبت السياسة الخارجية والدبلوماسية التركية التي كانت تتسم بالنشاط بالجمود التام نتيجة الضغوط الخارجية والقلاقل الداخلية، فلم يعد الدعم السياسي الذي كانت الحكومة التركية تقدمه للثورة السورية بنفس الزخم والحماس ولم تتمكن تركيا من اتخاذ مواقف حازمة من الانقلاب على الشرعية في مصرلانشغال اردوغان بالداخل. لكن يجب الاستدراك بالقول ان المستجدات على الساحتين التركية والاقليمية تشير الى قرب انتهاء حالة الركود والاضطراب هذه وتشي بان اردوغان سيخرج اكثر قوة من ذي قبل، فداخليا ورغم ما اثير حول حزب العدالة والتنمية من شبهات، وما وجه اليه من انتقادات من الداخل والخارج، ورغم ما واجهه من احتجاجات واضطرابات، الا ان معظم استطلاعات الرأي تشير الى انه سيحصل على40 الى 45 في المئة من الاصوات مقارنة بالـ38 في المئة التي حصل عليها في الانتخابات البلدية الماضية، ما يعني ان حزب العدالة والتنمية لن يتمكن من الحفاظ على شعبيته فحسب، بل انه سوف يتمكن من تعزيزها، ومن جانب اخر، وهو الاهم، فان احداث اوكرانيا وردة الفعل الروسية عليها ستصب حتما في صالح تركيا، التي قد تكون المستفيد الوحيد من هذا التصعيد الخطير في اوروبا، من خلال تعزيز موقفها واهميتها الاستراتيجية، فمن ناحية التصعيد الروسي غير المسبوق الذي ينذر بعودة الحرب الباردة مرة اخرى في اوروبا، سيدفع اوروبا الى السعي الى عدم خسارة تركيا، من خلال تعزيز التعاون معها وربما التخفيف من شروط انضمامها الى الاتحاد الاوروبي، لكسبها الى المعسكر الاوروبي، او على الاقل التأكيد على عدم الانضمام الى ‘المعسكر الروسي’. والولايات المتحدة من جانبها ستحاول تعزيز ارتباطها بتركيا التي ستكون حجر الزاوية بالنسبة لها في اي اجراءات تتخذها ضد روسيا، وهذ الاخيرة من جانبها ستحرص على عدم استعداء تركيا وستحاول استمالتها او على الاقل ابقاءها على الحياد في اي مواجهة اقتصادية او عسكرية مع الغرب، ومن جانبها ستحاول دول اسيا الوسطى التواصل مع تركيا في محاولة للافلات من النفوذ الروسي، الذي سيمارس ضغوطه على هذه الدول لضمها الى جانبه في المواجهة المرتقبة، وهذا الوضع لن ينعكس ايجابيا على تركيا سياسيا واستراتيجيا فحسب، بل سيدعم تركيا اقتصاديا كذلك، من خلال زيادة التدفقات المالية من كل من روسيا ودول وسط اسيا الباحثة عن ملاذ آمن بعيدا عن حالة عدم الاستقرار التي تشهدها هذه الدول، وكذلك سيدعم صادرات تركيا الى هذه الدول بالاضافة الى دول الاتحاد الاوروبي التي ستسعى جميعها الى فتح اسواقها للصادرات التركية ضمن المحاولات لاستمالتها وتعزيز التعاون معها.