اردوغان يبحث عن إستراتيجية لمواجهة «النهج المحافظ الجديد» لـ«الشعب الجمهوري»

إسماعيل جمال
حجم الخط
0

إسطنبول ـ «القدس العربي»: يواجه الرئيس التركي، رجب طيب اردوغان، معضلة كبيرة في الوصول إلى إستراتيجية جديدة، وتأسيس خطاب جديد لمواجهة النهج المحافظ لحزب «الشعب الجمهوري»، الذي أسسه مصطفى كمال أتاتورك، وذلك عقب سنوات طويلة جدًا من التفوق عليه بالخطاب القائم على اتهام الحزب العلماني بمعاداة المحافظين الأتراك.
ومن خلال الخطاب المحافظ، ومهاجمة نهج حزب الشعب الجمهوري، واتهامه بالتضييق على المحافظين الأتراك، نجح اردوغان في اكتساح دورات عديدة من الانتخابات المحلية والبرلمانية والرئاسية والاستفتاءات الشعبية العامة، منذ وصوله لرئاسة بلدية إسطنبول عام 1994، وبشكل أكبر منذ وصول حزب «العدالة والتنمية» للحكم عام 2002.
لكن الخسارة التي تعرض لها حزب «العدالة والتنمية» في الانتخابات المحلية، التي جرت في آذار/مارس الماضي، في بعض البلديات الكبرى في البلاد، فتحت الباب واسعًا أمام المطالبة بمراجعات داخلية كبيرة لخطاب الحزب، وتصاعدت هذه الدعوات بشكل أكبر عقب الهزيمة الصادمة في انتخابات الإعادة في إسطنبول، في يونيو/حزيران الماضي، بفارق وصل إلى 9٪ من أصوات الناخبين.
ولسنوات طويلة جدًا، فشل حزب «الشعب الجمهوري» في تحقيق أي نصر انتخابي على حزب «العدالة والتنمية»، وعقب قرابة 17 سنة من الهزائم المتلاحقة ونقاشات وصراعات داخلية، توصل الحزب إلى قناعة راسخة بأن الشريحة المحافظة في المجتمع التركي تتفوق على شريحة العلمانيين المتشددين الذين يلتزمون بالتصويت للحزب الكمالي، وأن تصويت الكتلة الصلبة من السنة المحافظين في البلاد، هو السبب الرئيس في فوز اردوغان طوال هذه السنوات، وبدرجة أقل الأسباب الاقتصادية والخدماتية الأخرى.
ومنذ أشهر، اتبع الحزب إستراتيجية جديدة تمثلت في العمل الجاد من أجل تقليل مخاوف المحافظين من سياسات الحزب القديمة المتعلقة بتقييد الحريات الدينية. وشدد زعيم ومسؤولو الحزب مرارًا على أن حزبهم قد تغير، ولا يمكن أن يمارس أي ضغوط على الحريات الدينية.
لكن الخطوة الأبرز كانت عندما قدم كمال كليتشدار أوغلو، زعيم الحزب، عددًا من المرشحين لرئاسة البلديات الكبرى في البلاد من المحافظين، في خطوة قلبت موازين القوى، لا سيما في إسطنبول وأنقرة، حيث جرى ترشيح أكرم إمام أوغلو ومنصور يافاش، وهما شخصيتان محافظتان معروفتان في البلاد، قبل أن يتمكنا من الفوز بسهولة وبفارق مريح على مرشحي حزب «العدالة والتنمية».

تغير تاريخي في خطاب الحزب الكمالي يقلب التركيبة السياسية في البلاد

وواجه «العدالة والتنمية» صعوبات كبيرة في استخدام خطابه التقليدي ضدهما، الذي كان يتعلق في أغلب الأوقات بالحديث التاريخي عن سياسات منع النقاب والحجاب، ومنع المحجبات من دخول مؤسسات الدولة والجامعات، وتخويف المحافظات من أن عودة الشعب الجمهوري إلى الحكم سيؤدي إلى إعادة تطبيق هذه الإجراءات التي أنهاها حزب العدالة والتنمية.
فمنصور يافاش وأكرم إمام، أبرز وجوه الحزب في الأشهر الأخيرة، باتا يقومان بشكل ممنهج بتقديم رسائل تؤكد النهج المحافظ الجديد للحزب العلماني، وذلك من خلال مشاهد الصلاة والدعاء.
وتدور حاليًا نقاشات واسعة داخل أروقة حزب «العدالة والتنمية» من أجل الوصول إلى إستراتيجية جديدة يستطيع من خلالها الحزب مواجهة الصعود المفاجئ للشعب الجمهوري، وذلك من أجل وضع حد لتراجع شعبيته عبر التركيز على جانب آخر، بعيدًا عن معادلة الخطاب المحافظ والعلماني، التي بدأت تفقد قدرتها بالتأثير في الناخب التركي. وطالب الكثير من الكتاب المقربين من الحزب بضرورة العمل على بناء إستراتيجية جديدة واضحة لمواجهة «الشعب الجمهوري»، وتراجع شعبية الحزب الحاكم، وذلك من خلال الابتعاد عن جدل «العلماني والمحافظ»، وبعيدًا عن التغني بإنجازات الحزب السابقة، وتقديم وعود جديدة للشارع التركي. وكتبت عشرات المقالات تحت عناوين «الشعب الجمهور المحافظ»، و«حزب الشعب الجمهوري تغير»، و«على العدالة التنمية تدارك الأمر بسرعة»، و«يجب على العدالة والتنمية تغيير إستراتيجيته»، وغيرها من الكتابات التي أجمعت على حصول تحول في التركيبة السياسية في البلاد.
ويخشى الحزب أن يتمكن رئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو من بناء شعبية أوسع متصاعدة خلال السنوات المقبلة، وصولاإلى فوزه في الانتخابات الرئاسية عام 2023، ولتفادي ذلك يسعى الحزب إلى بناء إستراتيجية لمواجهته بطريقة مختلفة؛ كونه شخصية محافظة بدأ مهامه برئاسة البلدية بالدعاء وقراءة القرآن الكريم.
وفي مقابل التحدي المتصاعد للحزب الحاكم من الخطاب المحافظ لحزب الشعب الجمهوري، فإن الحزب العلماني يواجه تحديات داخلية وحالة رفض متنامية لخطابه الجديد، لا سيما من الكماليين المتشددين الذي يعتبرون أن الحزب يجب أن يبقى علمانيًا ومتمسكًا بالمبادئ التي أرساها أتاتورك. ويمثل هذا تحديًا آخر لإمام أوغلو، وبشكل عام لقيادة الحزب التي نجحت لأول مرة في رفع أصواتها في الشارع التركي بشكل عام؛ عقب اجتذاب أصوات شريحة من المحافظين، لكنها تخشى أن تفقد أصوات شريحة من العلمانيين المتشددين، وهو التحدي الذي يسعى الحزب إلى التغلب عليه مبكرًا، وقبل الاستحقاق الانتخابي المقبل، وصولاإلى خطاب وسطي يضمن له الحفاظ على الأصوات التي كسبها في الجولة الأخيرة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية