اردوغان يقود تحولات سياسية واقتصادية تعزز فرصه في الاستمرار في قيادة تركيا

حجم الخط
0

المؤشرات الاقتصادية فتحت شهية الرئيس التركي لمزيد من الإصلاحات لاستعادة ثقة أعضاء وأنصار الحزب ما من شأنه أن يمنع حصول انشقاقات جديدة داخله ويعيد الأصوات التي فقدها.

 

أنقرة-“القدس العربي”: يقود الرئيس التركي رجب طيب اردوغان حزمة كبيرة من التحولات السياسية والاقتصادية على الصعيدين الداخلي والخارجي بعثت الأمل مجدداً في قلوب قيادات وأعضاء الحزب الذين أصابهم الإحباط في السنوات الأخيرة، وعززت فرصه في الاستمرار بقيادة تركيا بقوة خلال السنوات المقبلة وصولاً للانتخابات المقررة عام 2023 بعد أن خلصت التقديرات والتكهنات في الأشهر الأخيرة إلى صعوبة حزب العدالة والتنمية الحاكم الاحتفاظ بالحكم حتى ذلك العام بسبب الاشكالات السياسية والاقتصادية التي مرت بها البلاد مؤخراً.

وفي السنوات الأخيرة، تصاعدت مطالبات واسعة من داخل وخارج حزب العدالة والتنمية الحاكم للرئيس اردوغان بضرورة القيام بإصلاحات على الصعيد الداخلي للحزب الحاكم، والسياسة الخارجية والعلاقات مع دول الجوار وإصلاح الإدارة الاقتصادية للبلاد وغيرها الكثير من الملفات التي شهدت مشاكل في السنوات الأخيرة ما خلق حالة من اليأس والإحباط في صفوف أنصار الحزب وحتى قيادات كبيرة فيه وسط تزايد المؤشرات على تراجع شعبية الحزب والتحذيرات من حصول مزيد من الانشقاقات داخل صفوفه.

فقد انشق عدد من قيادات الحزب بالفعل وشكل بعضهم أحزاباً سياسية جديدة وباتوا من أشرس المعارضين للحزب واردوغان، وعلى رأسهم علي باباجان وزير الاقتصاد السابق الذي شكل حزب “دواء” وأحمد داود أوغلو رئيس الوزراء السابق الذي أسس حزب “المستقبل” كما ابتعد الرئيس السابق عبد الله غًل وقيادات أخرى عن الحزب ووجهت انتقادات لاذعة له، لكن الأخطر كان الحديث عن تلويح عدد كبير من نواب الحزب الحاليين بالانشقاق في حال عدم إجراء إصلاحات.

وفي هذا الإطار، بدأ اردوغان في حملة إصلاحات مهمة داخل أطر حزب العدالة والتنمية بدون ضجة إعلامية وذلك في إطار التحضيرات للمؤتمر العام المقبل للحزب والمتوقع عقده في الشهر الثاني أو الثالث من العام المقبل، حيث تجري منذ أسابيع المؤتمرات الفرعية في المحافظات التركية الـ81 والتي ستشكل الانتخابات فيها تدريجياً القيادة العليا للحزب في المؤتمر العام والمتوقع أن يشهد التغيير الحقيقي على المستويات العليا.

وتقول مصادر قيادية في الحزب لـ”القدس العربي”: “الإصلاح الحقيقي بدأ من المؤتمرات الفرعية في المحافظات، تجري تحولات حقيقية تعيد ثقة أعضاء الحزب وأنصاره بالقيادة. في السابق كانت أطراف متنفذة تدفع رجال الأعمال ودائرة المصالح للهيئات القيادية للمناطق، في الانتخابات الحالية يتم الدفع بالقيادات الميدانية والشبابية وهو ما يجعل من هذه القيادات ممثلا حقيقيا للأعضاء والأنصار وهي الطريقة الأمثل للإصلاح والوصفة السحرية لكسب أي انتخابات مقبلة”. ويضيف المصدر: “العدالة والتنمية ما زال الحزب الأكبر والأكثر شعبية في تركيا رغم الصعوبات والتحديات التي مر بها في السنوات الأخيرة، وتنفيذ هذه الإصلاحات من شأنه أن يجدد ثقة الشعب به ويفتح الطريق أمامه للفوز بأي انتخابات مقبلة”.

وعلى الرغم من أن استقالة وزير الخزانة والمالية بيرءات البيرق كانت مفاجئة للكثيرين، وفي ظل وجود غموض كبير حول كواليس ما جرى وأسباب تفجر الخلاف بين اردوغان وصهره الوزير القوي، إلا أن مصادر من داخل الحزب تربط بين التغييرات في مؤتمرات المحافظات للحزب وبين الخلاف بين اردوغان والبيرق، حيث يجري الحديث عن استبعاد جزء مهم من تكتل البيرق داخل الحزب من التركيبة القيادية الجديدة على مستوى المحافظات، وهو ما كان سيقود بطبيعة الحال إلى تغييرات في القيادة العليا لهذا التكتل القوي داخل الحزب.

في الأثناء، كان الرئيس التركي يعلن تعيين ناجي آغبال رئيساً جديداً للبنك المركزي، قبل يوم واحد فقط من تقديم البيرق استقالته بطريقة ما زال يلفها الكثير من الغموض، حيث قبلها اردوغان بعد قرابة 30 ساعة معلناً تعيين لطفي علوان مكانه، وهي ما اعتبرت أبرز تغييرات في القطاع الاقتصادي بتركيا منذ سنوات طويلة.

ولم تبق هذه التغييرات في إطار المناصب والأسماء، حيث أطلق اردوغان وعوداً اقتصادية غير مسبوقة معلناً “حقبة جديدة في الاقتصاد التركي” ووعد بتقديم كافة التسهيلات والدعم للوزير الجديد ورئيس البنك المركزي للقيام بكل ما يلزم من أجل تحسين الاقتصاد والنهوض به، وسط توقعات بأن يمنح اردوغان مساحة أكبر للتعامل مع الأزمة الاقتصادية لا سيما فيما يتعلق برفع سعر الفائدة والمتوقع في الاجتماع المقبل للبنك المركزي في التاسع عشر من الشهر الجاري، وهو المؤشر العملي الأهم على نية التحول في إدارة اردوغان الجديدة للاقتصاد.

العملة التركية وأسواق المال تلقفت هذه الخطوات بتعطش كبير جداَ فاجأ اردوغان نفسه، حيث استعادت الليرة التركية قرابة 10 في المئة من قيمتها خلال أيام قليلة فقط، وسط توقعات بان تساهم قرارات البنك المركزي المقبلة برفع الفائدة ولقاءات اردوغان مع كبار المستثمرين، وخطاب الرئيس التصالحي والايجابي -غير المسبوق- اتجاه الاقتصاد، إلى مزيد من التحسن في قيمة العملة التركية والاقتصاد بشكل عام.

هذه المؤشرات الاقتصادية التي جاءت عقب تغييرات ولو محدودة، فتحت شهية الرئيس التركي وطاقمه المقرب على القيام بمزيد من الإصلاحات والخطوات على كافة الصعد وذلك من أجل استعادة ثقة أعضاء وأنصار الحزب وذلك ما من شأنه أن يمنع حصول انشقاقات جديدة في أطر الحزب بل على العكس ربما يساهم في استعادة جانب مهم من الأصوات التي فقدها في السنوات الأخيرة وهو ما يعني إنعاش آمال الحزب بقدرته على حسم أي انتخابات مقبلة بشكل مضمون بعد أن كان ذلك محل شك كبير في الأشهر الأخيرة.

ولدعم التوجهات الاقتصادية على الصعيد الداخلي، كان لا بد من دعم توجهات الاستقرار السياسي والعسكري وإجراء تغييرات على صعيد السياسة الخارجية، وهو ما قد يظهر بشكل تدريجي خلال الفترة المقبلة وذلك بالتزامن مع وصول بايدن إلى الحكم في أمريكا حيث تضع أنقرة خططها للتعامل مع الإدارة الجديدة وتجنب الصدام معها لتجنب الوقوع في فخ العقوبات الأمريكية حول الملفات الكبرى العالقة وأبرزها ملف منظومة الدفاع الروسية إس 400.

وإلى جانب ذلك، تبدو أنقرة وقد انتهت لتوها من الاستحقاقات العسكرية في كثير من الملفات ووصلت إلى الاستحقاقات السياسية، وذلك مع انتهاء المعارك العسكرية في قره باغ والانتقال للمسار السياسي، وتوقف المعارك في ليبيا والحديث عن مرحلة الانتخابات، ومع الهدوء العسكري في سوريا، وتراجع خطر المواجهة في شرق المتوسط، تجد أنقرة فرصة حقيقية لحصد مكاسب تدخلها العسكري في الملفات السابقة وتجنب الدخول في اشتباكات جديدة واستغلال ذلك في تحسين العلاقات مع الكثير من الدول واتباع سياسة خارجية جديدة تنعكس بمجملها على مسار الاستقرار الداخلي، وبالتالي المسار الاقتصادي وهو ما يعني بدوره تعزيز مكانة وقيادة اردوغان وحزبه داخلياً.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية