ارموا في وجوه المداحين التراب

حجم الخط
0

ارموا في وجوه المداحين التراب

د. عبدالوهاب الافنديارموا في وجوه المداحين التراب(1)طمأنتني افتتاحية القدس العربي يوم الثلاثاء الماضي بأنني لم أكن الوحيد الذي شعرت بالغثيان أثناء متابعة مراسيم الإعلان عن اتفاق مكة الأسبوع الماضي بسبب تباري القادة الفلسطينيين في مدح حكام السعودية كما كان يفعل شعراء البلاط في زمان غبر. فقد كانت المبالغة في المدح مذلة ومهينة، وأدت إلي عكس الغرض منها، لأنها بعثت علي التساؤل عن الحاجة إلي كل هذا المدح لأشخاص بلغوا الكمال كما أوحي المداحون!(2)لا نريد أن نقلل بأي حال من الجهود التي بذلت لاحتواء الصراع الفلسطيني ـ الفلسطيني وحقن دماء الأبرياء. ولكن كان الأولي بالقادة الفلسطينيين الاعتذار للشعب وللمسلمين والعالم عن الدخول في صراع ما كان ينبغي له أن يشتعل في الأساس، بدلاً من التباري في مدح الذات و أولياء النعمة التي لم تكن لها حاجة أصلاً لو كانت هناك عقول وقلوب. فالمقام كان مقام لوم وتقريع، لا مقام مدح وفخر.(3)مما يجعل الأمر أكثر مدعاة للأسف هو أن هذا السلوك يصدر من قادة من المفترض فيهم أن يكونوا قدوة في الالتزام بتعاليم الإسلام، ومنها التحريم القاطع لمدح الذات أو الآخرين. فالرسول صلي الله عليه وسلم نهي بشدة عن مدح الأشخاص في حضرتهم، وقال لمن فعل هذا قصمت ظهر أخيك ، بمعني أوردته مورد التهلكة، لأن المديح يغر من لا يغتر. وهناك حديث مماثل يقول: ارموا في وجوه المداحين التراب ، مبالغة في تقبيح مثل هذه الأفعال التي تكشف عن نقص ونقائص في المادح والممدوح.(4)في القرآن هناك تشديد أكثر علي النهي عن تزكية النفس، باعتبارها من الافتراء علي الله والإثم المبين. وقد نهي الرسول حتي عن وصف شخص بأنه تقي أو صالح حتي في غيابه، لأن هذه أمور علمها عند الله تعالي وحده، الذي هو أعلم بمن اتقي. والمبدأ نفسه موجود في العهد الجديد من الانجيل، حيث يعتبر الرياء وطلب المدح علي فعل الخير من الكبائر التي تورد صاحبها جهنم وبئس المصير.(5)القيادة السعودية تفتخر (وهو أيضاً من المكروهات) بأنها من أتباع المذهب السلفي المتشدد في حرصه علي الالتزام بالنصوص القاطعة في الشرع، ولكن هذا المقام لم يكن الوحيد الذي اجتهد فيه المجتهدون في مخالفة محكم النصوص. العلماء في السعودية يركزون علي مخالفات أخري (معروفة للقاصي والداني) في الإعلام السعودي، ولكنهم لا يتطرقون إلي المخالفات المتعلقة بما يطفح به الإعلام من مديح يثير الغثيان ويخالف روح التعاليم الدينية ونصوصها.(6)كنت قد وصفت في مقالة نشرت في مجلة العربي الكويتية منذ ثلاثة عقود الشعراء العرب بأنهم كانوا يقومون مقام أجهزة الإعلام الحديثة. ولكنني قد راجعت هذا الوصف، ورأيت الأقرب هو وصف أعمال الشعراء (خاصة شعراء البلاط) بأنها كانت أقرب إلي المادة الإعلانية مدفوعة الأجر. وقد كان تعامل المتلقين منها ينطلق من فهم كهذا. ولكن معظم الإعلام العربي الحديث (ولا أخص السعودي) قد انحط إلي درجة أدني بكثير من درجة المادة الإعلانية، لأن المادة الإعلانية هي فن في حد ذاته تماماً كما كان الشعر العربي التقليدي فناً رفيعاً. فما نقرأه ونشاهده اليوم يجمع بين الركاكة والإسفاف والاستخفاف بالعقول: عقول من يعتقدون أن ما يأتون به يجوز حتي علي الأطفال.(7)لقد أحزننا وحز في النفوس هبوط القيادات الفلسطينية إلي مستوي هذا الإعلام المتدني. وربما نلتمس بعض العذر لهذه القيادات في استخدامها بعض لغة المجاملة الدبلوماسية، ولكن بدون مبالغة. ذلك أن هذه القيادات في وضع صعب وتحتاج إلي أن تقلل من الأعداء وتستكثر من الأصدقاء، حتي علي حساب المبادئ والقيم. ولكن من الأفضل دائماً ألا يورط المرء نفسه في وضع يكون معه مضطراً لركوب المراكب الصعبة. وفوق كل شيء وقبل كل شيء، لا ينبغي أن يضع قائد نفسه في موضع القصر الذين يحتاجون للرعاية والدعم من الكبار الذين تصبح بعد ذلك لهم عليهم الدالة، فيكون الاضطرار للتذلل وإهانة النفس.9

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية