د. الياس عاقلة
بعد احداث 11 ايلول (سبتمبر) وُظفت وسائل الاعلام الامريكية الرئيسية للنقد وللتهجم علي انظمة التعليم العربية والاسلامية وتصويرها كمنابع للكراهية وللعنصرية وللعنف وللتعصب الديني وللارهاب. وقد توجهت باربارا والترز، مذيعة برنامج 20/20في محطة تلفزيون ABC الامريكية، الي السعودية العربية لانتقاد المدارس الاسلامية هناك. واختارت والترز نصوصاً قرآنية معادية لليهود، خارجة عن نصها التاريخي عندما قام اليهود بخرق معاهدات السلام مع النبي محمد وبخيانة المسلمين، ووصفتها بانها آيات تثير الكراهية ومعادية للسامية. ورغم ذلك استمع اليها المسؤولون السعوديون بوساعة صدر واعدين بتحديث المناهج الاسلامية. بسبب الاوضاع السياسية آنذاك تجاهل الناقدون الغربيون، وفيهم والترز، التعرف علي التعاليم الجيدة التي تقدمها هذه المدارس الدينية بما فيها الاعتراف وتقبل الديانتين اليهودية والمسيحية، تقبل المجتمعات غير الاسلامية، الاعتدال السلوكي والاخلاقي، القيم العائلية، الرحمة والرافة بالفقراء وبالمساكين، المساواة في الحقوق، الحرية وتحرير العبيد، ومفاهيم الديمقراطية المتمثلة في معاني الشوري، وغيرها من لائحةٍ طويلةٍ في الاخلاق الدينية والاجتماعية.
لم تتجرأ والترز وصحبتها من الناقدين الغربيين بتفحص مناهج التعاليم الاسرائيلية ومقارنتها بمناهج اخري. دراسةٌ متفحصةٌ للمناهج الاسرائيلية ستفضح تعصبها العرقي والديني، وتعاليها وعدم تقبلها للمجتمعات غير الاسرائيلية، وحقدها علي الاغيار، وعسكرتها وتمجيدها للعنف وللارهاب ضد الآخرين.
ادرك مؤسسو الصهيونية انه لن يتم تقبل وجود دولة اسرائيل في قلب العالم العربي علي اراضٍ فلسطينيةٍ مغتصبة، وانه لا بد من استخدام القوة العسكرية العاتية لفرض الوجود الاسرائيلي. وهذا تطلب عسكرة المجتمع الاسرائيلي كله. وقد اعرب عن هذه الحقيقة الرئيس الاسرائيلي الاول ديفيد بن غوريون حينما قال: اسرائيل عبارة عن مجتمعٍ عسكري.
تعكس العسكرة نفسها في جميع مجالات الحياة الاسرائيلية ابتداءً من عائلاتهم ثم انتقالاً الي مدنهم، وحضارتهم، واعمالهم، وجميع مؤسساتهم، وصناعاتهم، ومناهجهم التعليمية، وحتي الي فنونهم ورفاهيتهم. في الحقيقة كل اسرائيلي عبارة عن عسكري في حقل او في آخر. اذ تجد الجنود الاسرائيليين المسلحين اينما تذهب في ايٍ من التجمعات الاسرائيلية؛ في شوارعهم، في اسواقهم، في متاجرهم، في مطاعمهم، في حافلاتهم وفي قطاراتهم، وفي كل مكان قد تفكر به. الضباط الاسرائيليون الحاليون والسابقون هم الذين يحركون عجلة الحياة الاسرائيلية.
خلق مجتمع عسكري كهذا، يعيش ويموت للحرب، يتطلب تنشئه عسكريةً من الطفولة، ولا توجد وسيلةٌ افضل لتلقين ولبرمجة الاطفال عسكرياً الا من خلال المناهج التعليمية المدرسية عندما تكون عقول الاطفال لينة وقابلة للتشكيل. وقد لاحظت الباحثة الاسرائيلية ايرنا كازين ان مناهج المدارس الاسرائيلية قد تم تصميمها لاحاطة الطلاب منذ صغرهم ببيئة عسكرية تمجد الجيش وتهيئ الطلاب ليصبحوا جنوداً في الجيش الاسرائيلي. وتُعتبر الخدمة العسكرية في اسرائيل اعلي الواجبات الدينية التي يصبو الي تنفيذها كل مواطن اسرائيلي.
اول درس يتعلمه الطفل الاسرائيلي هو اكثر الدروس تعصباً وعنصرية وتمييزا وتطرفا دينيا وبغضا وخوفا مرضياً من الآخرين الذين يضطهدون الشعب المختار لالهٍ متعصبٍ في ارض الله الموعودة. ويكتشف الطفل الاسرائيلي انه يتمتع بحق ميلادٍ الهيٍ كونه خُلق يهودياً في شعب الله المختار، وان هذا الامتياز الالهي ياتي مصطحباً بحسد وكراهية واضطهاد الاغيار له. كما يتعلم ان هؤلاء الاغيار عبارة عن ارواح حيواناتٍ خُلقت في اجسادٍ بشريةٍ من اجل خدمة ومتعة شعب الله المختار. كما يتعلم ايضا ان ارض الله الموعودة قد سرقها لصوصٌ كافرون (العرب والمسلمون) وان واجبه الديني يتطلب منه تحقيق رغبة الله بتطهير الارض الموعودة من هؤلاء الكافرين وببناء هيكلٍ لهذا الاله. وقد عُجنت الكتب الدراسية الاسرائيلية بفكرٍ صهيوني عسكريٍ متعصبٍ ملوث بصبغةٍ دينيةٍ مشوهة. فقد نشر الباحث الاسرائيلي ايلي بوديا، من جامعة حيفا، دراسةً لكتب مناهج التاريخ في المدارس الاسرائيلية تحت عنوان الصراع الاسرائيلي في كتب التاريخ الدراسية العبرية، حيث استنتج بوديا ان هذه المناهج تساهم في استمرار الصراع العربي ـ الاسرائيلي وفي تعثر صنع معاهدات سلام مع الفلسطينيين. ويصف المناهج بانها مشوهةٌ بفكرٍ صهيونيٍ متطرف يربي كراهيةً ضد العرب بشكل عام وضد الفلسطينيين بشكل خاص، حيث يجردهم من انسانيتهم ويصفهم بالتوحش وبالعنف وبالارهاب وبالتاخر وبالاجرام وبالقذارة وبالحيونة. وقد اثني علي هذا الوصف الباحث الاسرائيلي سيجريد ليحمان بقوله: نحن كاسرائيليين نميل الي تصور العرب كاغيار، وكاوروبيين نتصورهم كعدوٍ آسيوي لطموحاتنا الوطنية، وكاشتراكيين نتصورهم كاسوأ انواع التخلف. ومن جهة اخري فان المناهج الدينية والاجتماعية الاسرائيلية مليئة بتعصبٍ دينيٍ متطرف، وبتعالٍ اجتماعي علي كل الاغيار. اذ تمتلئ كتبهم الدينية بقصص انبياء اليهود القدامي الذين، تبعاً لاوامرربٍ قاتلٍ، يرسلون اليهود لاقتراف جرائم حربٍ ضد الاغيار، ذابحين الجميع بدون استثناء؛ من الطفل الي الشيخ علي كلا الجنسين، ولاقتراف جرائم ضد الحيوانات الزراعية ذابحين جميع قطعان الماشية، ولاقتراف جرائم ضد الارض والبيئة حارقين المدن، قاطعين الاشجار المثمرة، وحارقين المحاصيل الزراعية. وما قصة النبي صموئيل مع الملك شاؤول الا قصةً واحدةً فقط من القصص الكثيرة المشابهة التي تملأ كتاب العهد القديم وكتاب التلمود. فقد امر النبي صموئيل الملك شاؤول بذبح اعداء اسرائيل عن بكرة ابيهم حسب اوامر رب اسرائيل. وفي احيان كثيرة هناك ذكر لهذا الرب القاتل يشارك في معارك اسرائيل حيث يسقط برداً وناراً علي اعداء اسرائيل. وهكذا يتعلم الطالب الاسرائيلي ان الله قد حلل قتل الاغيار وتدمير مدنهم وان قتل هؤلاء الاغيار واجبٌ ديني. وحتي الآن لا يزال هذا الرب يخاطب حاخامات اليهود ليقودوا اسرائيل في حروبها ضد العرب، حيث يقوم الحاخامات باصدار فتاواهم التي تحلل العدوان الاسرائيلي ضد الفلسطينيين. فمثلاً اصدر الحاخام مردخاي الياهو، كبير حاخامات اسرائيل السابق، فتوي دينية حلل فيها ابادة الفلسطينيين كواجبٍ ديني. اما الحاخام اليعازر ملميد فقد اصدر فتوي حلل فيها للاسرائيليين سرقة وحرق المحاصيل الزراعية الفلسطينية وقتل مواشيهم الزراعية وتسميم مياه آبارهم الي ان اصبحت هذه الجرائم مغامرات ليلية لشباب المستعمرات الاسرائيلية ضد القري الزراعية الفلسطينية المجاورة. اما اكثر الفتاوي تطرفاً فقد صدرت من الحاخام يوسف عباديا الرئيس الروحي لاسرائيل والذي وصف الفلسطينيين بالحشرات والصراصير التي يجب ان تُداس بالأقدام، كما امر بدفن جثث المقاومين الاسلاميين داخل جلود الخنازير لتنجيسها، وكذلك ادعي ان المسيح القادم سيلقي جميع الكفار العرب في جهنم. في شهر ايلول (سبتمبر) 2005 قام كبراء الحاخامات الاسرائيليين بقيادة الحاخام المتطرف دوف لينور بتقديم فتوي دينية لرئيس الوزراء الاسرائيلي الجزار آرييل شارون يحللون له فيها قتل المدنيين الفلسطينيين مستشهدين لذلك بملوك اسرائيل القدامي، مثل الملك شاؤول والملك داوود، اللذين ارسلهما رب اسرائيل لذبح جميع الاغيار بدون استثناء احد؛ اطفالاً وشيوخاً.
تصبح هذه الفتاوي الدينية المتطرفة قوانين تُدرس في المدارس الاسرائيلية جنباً الي جنبٍ مع كتب الدين الحديثة التي تمجد مجرمي الحرب الاسرائيليين واصفة اياهم بالابطال الوطنيين وبالقديسين لقتلهم الاغيار الفلسطينيين، مثل كتاب باروخ البطل الذي نشره الحاخام اسحق جينزبرغ. ويمجد هذا الكتاب الارهابي باروخ غولدشتاين الذي نفذ مذبحة الحرم الابراهيمي عام 1994 حين اغتال 29 فلسطينياً وجرح العشرات اثناء ركوعهم للصلاة قبل ان يقتله بقية المصلين. وقد رفع المستعمرون الاسرائيليون رتبة هذا الارهابي الي درجة القديس واقاموا له مزاراً دينياً في مستعمرة قرية اربع حيث يزوره المتطرفون الدينيون الاسرائيليون. تتصف العسكرة في المناهج المدرسية الاسرائيلية بثلاث صفاتٍ هامة:
اولاً: تمجد المناهج الاسرائيلية القوة العسكرية والحرب كنظامٍ حياتيٍ لاسرائيل، وتعزز فكرة القوةُ حقٌ، وان الخدمة العسكرية هي اسمي الواجبات الدينية التي يتطلبها الرب من الاسرائيليين حيث يحث هذا الرب العسكري الاسرائيليين علي تنظيف ارض الميعاد من الاغيار العرب وعلي بناء هيكلٍ له. وكان الرب بحاجة الي البشر ليخوضوا معاركه، وانه يرغب في ترك الكون الفسيح ليعيش في هيكلٍ ارضيٍ صغير. ولزرع (غسيل دماغ) الروح العسكرية في قلوب وعقول الاجيال الاسرائيلية الناشئة تقوم المدارس الاسرائيلية بتنظيم رحلات مدرسية الي القواعد العسكرية حيث يتعرض الطلاب الي الحياة العسكرية، وليتعرفوا علي جميع انواع الاسلحة، وليلتقطوا صوراً تذكارية مع الجنود، وليشاهدوا تدريبات عسكرية بالرصاص الحي. كما يتم تشجيعهم علي توقيع القذائف التي تطلقها المدافع العسكرية هديةً علي الاحياء العربية لقتل الاطفال كما تم بث ذلك تلفزيونياً خلال الاعتداء الاسرائيلي الاخير علي لبنان في الصيف الماضي (2006). كثير من الواجبات المدرسية تطلب من الطلاب الاسرائيليين كتابة رسائل الي الجنود الاسرائيليين شاكرينهم علي قتل اعداء شعب الله المختار. وكثيرا ما يزور جنرالات الجيش وجنوده المدارس ليحدثوا الطلاب عن الحروب مادحين الجيش الاسرائيلي الذي لا يُقهر بسبب حماية الهية، ويحدثونهم عن الفظائع التي يُنزلونها باعداء اسرائيل من اجل تقسية قلوبهم ضد هذه الفظائع وكانها اعمالٌ عادية. ثانياً: اكثر ما يميز المدارس الاسرائيلية صبغتها العسكرية، حيث اُستُؤمن العسكريون علي ادارة المؤسسات التعليمية وعلي تعليم الطلاب. فوقوف جنرالٍ عسكري امام الطلاب يتطلب اهتماماً جدياً ويكون مثلاً اعلي يحتذي به الطلاب. وقد تبنت وزارة التعليم الاسرائيلية برنامجاً باسم تسافتا لتاهيل العسكريين ورجال المخابرات المتقاعدين ليصبحوا معلمين ومدراء مدارس. واعرب مدير هذا البرنامج، موتي ساجي، ان هدف هذا البرنامج ليس البحث عن معلمين محترفين مؤهلين، بل البحث عن قادةٍ عسكريين ذوي خبراتٍ خاصة. وقد استطاع اليمين العسكري المتطرف احتلال المناصب العليا في وزارة التعليم جاعلين النظام التعليمي اكثر عسكرة خاصةً بعد ان تولت ليمور ليفنات وزارة التعليم عام 2000. ثالثاً: انشاء مؤسساتٍ عسكرية دينية تُعرف باسم يشيفوت هاهسادير التي جمعت التطرف الديني بالتطرف العسكري. ويدير هذه المؤسسات حاخاماتٌ متطرفون حيث يستقبلون خريجي المدارس الثانوية ليزرعوا في نفوسهم التعاليم الدينية الصهيونية العنصرية عدا عن التدريبات العسكرية. ورغم ان وزارة الدفاع تمول هذه المؤسسات الا انها لا تتحكم بها، بل يديرها الحاخامات انفسهم. وتوجد هذه المؤسسات بشكل رئيسي في المستعمرات علي الاراضي الفلسطينية وفي مدينة القدس المحتلة. والمناهج الدينية لهذه المؤسسات مبنية بشكل رئيسي علي الفتاوي الدينية الصهيونية المفعمة بالعنصرية والكراهية ضد الاغيار وخاصة العرب منهم. والمعروف عن الحاخامات، المعلمين في هذه المؤسسات، تهجمهم علي العرب ومعارضتهم لاي معاهدة سلام معهم. فمثلاً الحاخام الشرقي البارز ايلي الباز مشهور بتهجماته الشديدة علي الاسلام وعلي النبي محمد (ص). اما الحـاخام الياهو ريسـكين، من مسـتعمرة افرات المقامة علي اراضٍ مغتصبة من مدينة بيت لحم، فمشـهور بتهكماته عـلي محاولات الحوار الدينية التي تجمع ما بين حاخامات اليهود من جهة والقسس المسـيحيين وشيوخ الاسـلام العرب من جهة اخري. اذ ينادي بان اللغة الوحيدة التي يفهمها العرب هي لغة الرصاص.
هذه المؤسسات الدينية العسكرية لا تهدد العرب فقط بل السلام في منطقة الشرق الاوسط عامة ودولة اسرائيل نفسها خاصة. اذ يعتقد السياسيون، بما فيهم جنرالات اسرائيليون، ان هذه المؤسسات تُحضر للاطاحة بنظام الحكومة الاسرائيلي المدني وتحويله الي نظام ديني صهيوني. وحسب دراسة اجرتها جامعة بار الان الاسرائيلية فان 99% من طلاب تلك المؤسسات العسكرية الدينية و90% من الاسرائيليين المتدينين الاورثوذكس يميلون الي تجاهل القوانين الاسرائيلية المدنية والي تنفيذ فتاوي الحاخامات الدينية اذا تضارب الاثنان. وقد اكد هذه النتيجة استفتاء عام قام به مركز هرتسليا عام 2006 اظهر ان 95% من الجنود والضباط الاسرائيليين المتدينين يتصورون انفسهم ينفذون اوامر الفتاوي الدينية بدلاً من القوانين المدنية في حال تناقض الاثنان. وقد ظهر هذا واضحاً عام 2004 عندما طبق رئيس الوزراء السابق ارييل شارون خطة الانفصال بنقل المستعمرات الصهيونية خارج قطاع غزة. فقد اصدر الحاخام البارز ابراهام شابيرو اوامره الي طلابه والي اتباعه بان يهجروا الجيش الاسرائيلي في حال تطبيق خطة الانسحاب، بينما امر الحاخام حاييم دروكمان طلابه واتباعه باطلاق النار علي رجال الامن الاسرائيلي اذا حاولوا اخلاء المستعمرات بالقوة.
هذه عبارة عن بعض الحقائق عن ارهاب نظام التعليم الاسرائيلي. وانا ادعو الصحافيين ومراسلي الاذاعة والتلفزيون المهتمين بحقائق الانظمة الدراسية، بما فيهم باربارا والترز، ان يقوموا بالتحقيق بانفسهم وبدراسة نظام التعليم الاسرائيلي وبمقارنته بامانة مع انظمة التعليم العربية.