ارهابي جون اوبدايك في رواية عن ظلال ما بعد هجمات ايلول: عشماوي المصري ـ الايرلندي يتآمر علي مدينته الفاسدة!
ابراهيم درويش ارهابي جون اوبدايك في رواية عن ظلال ما بعد هجمات ايلول: عشماوي المصري ـ الايرلندي يتآمر علي مدينته الفاسدة!منذ احداث ايلول (سبتمبر) 2001 يعمل الادب، رواية وسينما علي ادخال هذا الحادث الذي يعتبر اول اعتداء علي الاراضي الامريكية منذ بيرل هاربر الي بناء العمل الابداعي، الكاتب البريطاني مارتن ايميس مثلا ادخل رواية احداث ايلول (سبتمبر) في قصته القصيرة التي نشرتها مجلة نيويوركر في نيسان (ابريل) 2006 تحت عنوان الايام الاخيرة لمحمد عطا قائد المجموعة التي خططت ونفذت عمليات ايلول (سبتمبر)، وقبله حاول سلمان رشدي معالجة ما اسماه الارهاب الاسلامي في روايته الصادرة العام الماضي شاليمار المهرج ، واخيرا جاء الكاتب الامريكي المعروف جون اوبدايك، وهو روائي مكثر يصدر كل سنة راوية بالمعدل العام، اخر رواياته كانت العام الماضي قري .في الارهابي التي حظيت باهتمام نقدي واضح في امريكا وعلي الجانب الاخر من الاطلنطي في لندن، حيث بدأت بالتوزيع في طبعتها الانكليزية الاسبوع الماضي، تدور الرواية عن احمد عشماوي مولوي، وهو نتاج زواج امريكية ومصري جاء للدراسة في امريكا وبعد ان حصل علي جنسيته الامريكية او الكارت الاخضر، اختفي تاركا الام لتعيل الابن. اوبدايك يكتب وفي ذهنه تقديم بروفايل عن جهادي معاصر، فهو يبحث عن هذا الجهادي الذي ولد في داخل الميتروبوليس الغربي، علي شاكلة محمد عطا في مدينة هامبورغ، وجمال زوغام في مدريد ومحمد صديق خان في بيستون في ليدز. وهذه المجموعات تعيش علي هامش المدن الكبيرة وتخطط لاعمالها، فعندما سافرت مجموعة محمد عطا الي امريكا لوضع اللمسات النهائية للعملية سكنوا في باترسون قرب نيوجرسي، مدن متنوعة ثقافيا وعرقيا تعيش فيها اقليات تتحدث بلغات عدة ومعمار متداع في قلبها. وهو ما تمثله مدينة نيوبروسبكيت القريبة من نيوجيرسي، حيث تحل هذه المدينة الخيالية محل باترسون الحقيقية. المدينة جاءها عرب واتراك وسود من اجل العمل في طواحينها، وعمل العرب والاتراك تحديدا في صناعة الصبغ والنسيج، هذا كان في القرن التاسع عشر، ولكن المدينة الحالية تبدو غابة من الاسمنت تتوزع فيه الاقليات القديمة والمهاجرون الجدد من الهند والصين وكوريا. بالنسبة لاوبدايك فهذه المدينة التي تعاني من مشاكل اقتصادية وسكانية وتعيش علي هامش الحلم الامريكي تمثل ارضية خصبة لكي يمتحن الكاتب افكاره حول جذور التطرف الاسلامي ودوافع الجهاديين التي تربط عادة بالضيق الاقتصادي وغياب الفرص والقمع الابوي والسياسي.ومن هنا فاهتمام اوبدايك بالجهادي المعاصر هو ذلك الذي ينتمي الي الطبقة المتوسطة، فاذا حللنا جذور الجهادي احمد عشماوي فاننا نجدها في اب مصر اختفي وام من اصل ايرلندي كاثوليكية تعمل مساعدة ممرضة من اجل اعالة ابنها الوحيد وتمارس هوايتها الوحيدة في الدنيا وهي الرسم الذي تفضل منه التجريدي وتعلق ما ترسمه علي جدران بيتها المتداعي، اضافة لكونها مدخنة نهمة. الام التي لا تهتم كثيرا بهويتها الدينية تؤمن بخيار الابن في اعتناق الدين الذي يرغب فيه، ومن هنا عندما يكتشف الابن او الام مسجدا جانبيا كان في الاصل استديو للرقص في 2/2781 ويست مين سريت قامت باخذه كل مرة في الاسبوع للصلاة والدراسة حتي وصل سنا يؤهله للاعتماد علي نفسه. يقع المسجد في الطابق الثاني بين صالون لتجميل الاظافر ومحل بقالة. يتعرف احمد علي امام المسجد اليمني، شيخ رشيد احمد، الذي يصبح استاذه يعلمه العربية التي لا يستخدمها الا في المسجد ويعطيه دروسا عن الاسلام، وفي الولاء والانتماء للامة. يمثل المسجد الرابط الوحيد لاحمد مع جذوره العربية، فهو وبعد ان صار حدثا/ شابا علي ابواب انهاء دراسته الثانوية لم يخطر بباله المغامرة في احياء العرب والاتراك التي لا تبعد كثيرا عن شقته، حيث البضائع المرتبة علي الرفوف، علب الحمص والفول والفلافل التي تبدو غريبة في صورها وتغليفها لعين الناظر الامريكي. لكن احمد الذي كان اداؤه في المدرسة جيدا يبدو شبه معزول عن زملائه ويتعرض لتحرش من بعض الطلاب الذين يتطاولون عليه بسبب كونه عربيا. احمد ذو الثامنة عشرة من العمر، لا يختلف عن الكثير من شبان اوبدايك، وحتي اعتقاده، فهو يتعامل مع الدين او الله كجزء لا يتجزأ من نفسه، هو والخالق بمثابة التوأم السيامي، كما ان ايمانه هو ايمان رقيق، ولكنه في صراع ضد الاضداد والاشرار داخل نفسه. مشكلة ايمان احمد انه مصنوع ومتخيل وغير حقيقي، فهو يعكس بالضرورة ايمان الكاتب المسيحي البروتستانتي، فاحمد عندما يعتقد ان استاذه شيخ رشيد احمد ليس مسلما بما فيه الكفاية يعمل جاهدا علي التماهي مع الدين، ربما كان هذا الايمان مقبولا او مقنعا للكاتب الذي يفترض ان احمد هو مسلم جديد اي اعتنق الاسلام ولم يولد مسلما مع ان والده مسلم. اذا كان ايمان احمد قدرا مكتوبا فقدره مكتوب علي الجدار منذ اول سطر من الرواية، فهو ارهابي ومن هنا يقول احمد الي استاذه ومشرفه في المدرسة جاك ليفي، انه لا يريد مواصلة دراسته في الكلية بل يريد حسب نصحية شيخه رشيد احمد بان الكلية ليست مفيدة له وينصحه بتعلم سياقة الشاحنات والحصول علي رخصة. الاستاذ هذا يهودي غير ملتزم يبدو حريصا علي مستقبل الشاب ويقدم له النصح بان هناك امكانية لتأمين منحة حكومية له وفي حالة اختيار الشاب الانضمام للجيش فهذه المؤسسة التي تعتبر الملاذ الاخير لابناء الاقليات ستوفر له فرصة العمل والدراسة. لكن اوبدايك الذي احتفل بحرية الانسان وخياراته في اعماله الكثيرة يلاحق بطلا مجبرا علي القيام بالمهمة، فنهايته معروفة، وحتي عندما اشار لاهتمامه بتعلم سياقة الشاحنة او حتي الطائرة فالكاتب يشعرنا انه بطلنا سينتهي كما انتهي منفذو عمليات نيويورك وواشنطن، ومدريد ولندن، مفجرا نفسه. في حالة احمد يبدو الطريق ان صار واضحا للمحطة الاخيرة، في نفق لينكولن، حيث يقود احمد شاحنة محملة باربعة الاف كيلو من حمض النترات. اوبدايك يبدو مهتما في تصويره وتقديمه لرحلة احمد علي ان الايمان قد يقتل تماما كما يقتل الحب او المخدرات، فالايمان والتسليم لامام يعيش في الظل كاف في نظر اوبدايك لتحول بطله الي ارهابي باسم الدين. ولكن ماذا عن البطل هل كان فعلا مؤمنا حقا بايديولوجية تقوم علي رؤية الخير والشر ولا تؤمن بالاعتراف او التعاون مع الاخر، فاحمد يظل في رؤية اوبدايك شابا بريئا كان ضحية التزامه بالصراط المستقيم، فهو مثل غيره من المقاتلين الاسلاميين مطيع لا يناقش ولا يسأل، مقاتل جاهز للموت في سبيل الامة. سرد اوبدايك يضفي نوعا من الشك علي دوافع ابطال ارهابي من الشيخ رشيد احمد، الي احمد ولعائلة شهاب التي يعمل في محلها احمد، وفكرة الالتزام بالقضية الاسلامية تبدو في مواقف الابطال، اذ ان مواقفهم ليست محكومة بالبعد الايديولوجي او ثقافة الغضب، ولكن الكاتب يشير الي فكرة الفجوة بين الاجيال وذلك في المقابلة التي يجرها موريس شهاب وابنه تشارلي مع احمد، حيث نري الابن ناقدا للسياسة الامريكية في العراق وغوانتانامو، والغرب عامة الذي زرع اسرائيل في قلب الامة العربية، ولكن الاب يتحدث بحس نوستالجي عن الزمن الماضي الذي كان يتعايش فيه ابناء نيوبروسبكيت بانسجام ووئام، ومعيار العلاقة كان الخدمة، فامريكا هي ارض الفرص، ويبدو الاب ناقدا لسياسات القمع العربية، في مصر والسعودية وعراق صدام. وعندما يذكره الابن بان امريكا تحتوي علي اكبر معتقل في العالم، مليوني معتقل، يقول الاب ان هذه المعتقلات علي الاقل تحترم الانسان. وعندما يحاول احمد التدخل لكي يشير الي ان الكثير من طلاب مدرسته يتعاملون مع السجن كجزء من تكوينهم وطقس من طقوس الدخول في عالم الرجولة. هنا فان المتآمرون في عملية تفجير نفقد لينكولن يفتقدون البعد الايديولوجي المقنع، فهم يتعاملون مع المؤامرة ببرود، وكأنهم يخططون للسطو علي البنك. الارضية التي يستند عليها احمد في دخوله عالم الجهاديين او الارهابيين هو رفضه لاسلوب الحياة الامريكية، وهو سبب غير كاف، مع انه في جزء من الحوارات لم يكن ناقما اشد النقمة علي الحياة في امريكا، ما كان يؤرقه دائما هو الحصول علي رضي استاذه. اكتفاء اوبدايك باستعداد احمد للقيام بعمل ارهابي بناء علي دوافع غامضة، يقود لاكثر من تفسير، وهو ان الدين، مهما كان التزام الشاب به يظل العجلة التي تدفعه للقيام بالتضحية، وهنا فالاسلام في سياق سرد اوبدايك يبدو دين عنف، وكراهية، ودين يدفع الشاب للانتقام، وهذا مقارنة مع الدفء الذي تظهر فيه المسيحية في الرواية، احمد الذي يرفض دعوة زميلته في الدراسة جوريلين، الحضور للكنيسة والاستماع لمشاركتها في كورال الاحد، يذهب هناك ويلقي دفئا من المصلين في الكنيسة.رواية اوبدايك تقود القارئ الي نفق لينكولن، ولكن بالمصادفة او غيرها فليفي، الاستاذ الذي يعيش مشكلته الخاصة، زوج في خريف العمر، مع بيت الزوجة السمينة التي تعرف بحزن زوجها ولا تعمل شيئا من اجل ذلك. يجد ليفي نفسه متعلقا بام احمد، التي تجاوزت الاربعين من عمرها، ولان اوبدايك نزع الارادة وحرية الاختيار عن ابطاله فان سلسلة من الحوادث تقود ليفي ليكون في الشاحنة المحملة بالمتفجرات. ومن هنا فالحبكة لا تخلو من المفاجآت، فاخت زوجته مثلا تعمل سكرتيرة لوزير الامن القومي توم ريدج، وعندما اراد تشارلي شهاب احضار عاهرة لاحمد كيف يتخلص من عذريته قبل مغادرته لمقابلة الحوريات في الجنة، تكون الفتاة هي زميلته في المدرسة جوريلين، والمفاجآت لا تتوقف هنا، فالمدينة لديها مدخل مركزي واحد تتجمع فيه السيارات، وهذا المدخل يعطي ليفي الفرصة ليكون سيد الموقف عندما تتوقف الشاحنة. يبدو العالم الذي يقدمه لنا جون اوبدايك مفصل من اجل ان ينسجم كل الابطال مع ارادة الكاتب، الذي لا يختلف هنا عن الشيخ رشيد احمد، او حتي والد احمد المصري الذي كان وهو الغائب عاملا في تحولات الفتي هذا. في رواية اوبدايك، الجهادي الذي يحاول الوصول الي فم نهر هدسون وتفجير نفق لينكولن، يجد الوقت الكافي ليدخل في نقاش فكري مع استاذه ليفي عندما يحدثه عن المفكر الاسلامي سيد قطب، الذي زار امريكا في الاربعينيات من القرن الماضي، والذي توصل بعد عامين من الاقامة في امريكا ان الامريكيين هم ابعد خلق الله عنه ، ويضيف الانتحاري الذي لم يكن بينه وبين الموت الا دقائق ان حالة الجاهلية تمتد لتشمل المسلمين اليوم، وبهذا فهم هدف للقتل. ورد الاستاذ كان اكثر سذاجة عندما قال ان موضوع سيد قطب يبدو جيدا، وقد اقرره ككتاب قراءة اختياري .. اذا عشت ، وعندها يجيب احمد الذي لم يتخل عن ادبه ولباقته في الحديث سيدي، آسف انك لن تعيش، في لحظات سأري وجه ربي، وقلبي مفعم بالتوقعات . اوبدايك في كل ما يقدمه عن الاسلام والمسلمين، وقدرته المثيرة علي نقل استشهادات قرآنية يبدو انه قام بمهمة بحث جيدة، ولكن العثور علي المعلومات شيء، وتسييقها في اطار العمل الروائي شيء اخر. فرشيد احمد، الذي يغرس في ذهن الشاب كل المعلومات التي تنتقد الغرب، يجد وقتا لكي يحدث تلميذه عن جمع القرآن والبحث الجديد الذي يتحدث عن وجود اخطاء في بعض النسخ، مشيرا الي الجدل الذي اثاره باحث الماني في هذا الصدد، مما يشي ان اوبدايك اعتمد في قراءاته عن الاسلام علي الدراسات الجديدة التي بدأها وانزبري، وهوتينغ، وباتريشا كروني، ومايكل كوك عن القرآن، تاريخية نصه وغير ذلك من القضايا الجدلية. ويبدو لي ان الكاتب قرأ عددا من التقارير او الكتب الجديدة عن الانتحاريين، وقام بادخال او معالجة النصوص الصحافية هذه او الشعبية في عالم الرواية. مما يشكل خيبة امل للقارئ. اعترف ان هذه هي اول رواية اقرأها لاوبدايك، وهو كاتب ممسك بزمام اسلوبه، وقادر علي توليد الصور والخيالات ولكن قراره في اتخاذ مدخل جبري، وفرض رؤي علي ابطاله، بل حرمان بطله الرئيسي من ايمان يقنع القاريء ونفسه بعدالة ما يقوم به اثر علي هذه الرواية. فالبطل وحتي اللحظة الاخيرة لم يكن طالبا الشهادة، بل مقبلا علي الحياة مما يطرح اسئلة كثيرة حول هذا التناقض البارز بين حرص احمد الذي التزم بالصراط المستقيم علي الشهادة ، وحبه للحياة من جهة اخري. فهو في سذاجته المفرطة يعتقد ان مجرد سياقته الشاحنة، تعني تحرره من احراجات وتحرشات تايلينول، الطالب في مدرسته الذي يقود عصابة ويعترض علي حديث احمد مع جوريلين.الرواية بعيدا عن هذا الخلل الكبير، مكتوبة في زمن تحضر فيه العراق وكارثة الادارة الامريكية فيه. وفيه نقد للحرب علي الارهاب، خاصة عندما يشار الي اعلانات وزارة الامن القومي عن رفع درجة الاستعداد في امريكا من الاصفر للاحمر او البرتقالي، وذلك من اجل اشعار الناس ان اموالهم التي تصرف علي هذه الوزارة لا تذهب سدي.وهي عن امريكا المعاصرة، فان كان الشاب احمد يشعر ان تحلل وانحدار امريكا وفقدانها الطريق الصحيح تبرر قيامه بالانتحار، فان ليفي نفسه يشترك بالمفهوم هذا، وهو المدرس الذي يعرف حال المدارس واخلاقيات الطلاب بل يشعر بثقل التغييرات في مدينته التي يقول في حوار داخلي مع نفسه ان ما اقل ما تحتاجه المدينة هو قنبلة تنهيها. سواء انتصرت الحياة او انتصرت ارادة الموت، فان اوبدايك في تجريده البطل من نصه الاصلي، يتركنا نتساءل عن حالة الرواية الجديدة في مرحلة ما بعد ايلول سبتمبر ، حاول رشدي نفس الامر ولكن بالتأكيد علي الجنس في روايته شاليمار المهرج ، وحاول ايميس في الايام الاخيرة لمحمد عطا وتركيزه علي الموت، واخيرا اوبدايك في تركيزه علي الايمان والدين. ولكن ما يثير في كل هذا اننا امام ابطال هم نتاج ثقافة المكان او المحل يستخدمون الدين او الايديولوجيا للالتفاف علي مجتمعهم، نقضه وتدميره. واذا كانت السينما قد سبقت في تحليل فكرة واثر الهجمات فان ما يطبع الاعمال السينمائية انها لا تدخل في اعماق الابطال/ الفاعلين، وبالنسبة للمبني الروائي فالنتاج حتي الان لم يرق بعد الي الدخول في ابعاد واعماق الذين يريدون الموت، وقد لوحظ نفس الامر في بعض الاعمال التي صدرت عربيا.ہ ناقد من اسرة القدس العربي جون اوبدايك ولد عام 1932 في شيلينغتون، بنسلفانيا. تخرج من جامعة كلية هارفارد عام 1954، وقضي عاما في اوكسفورد. عمل في مجلة نيويوركر في الفترة ما بين 1955 ـ 1957. له العديد من الاعمال الشعرية والروائية والنقدية قري ، برازيل ، انقلاب ، زوجان وغيرها. ونال جائزة البوليتزر، وجائزة نقاد الكتب الامريكيين وغيرها.John UpdikeTerroristHamish HamiltonLondon/20060