رأي القدس مثلما توقعنا، وتوقع هو نفسه، انهالت سهام الحقد المسمومة طوال يوم امس على الاديب الالماني غونتر غراس الفائز بجائزة نوبل للسلام عام 1999 لانه تجرأ على كسر حاجز الصمت، ونشر قصيدة في صحيفة المانية شجب فيها ضربات ‘وقائية’ تستعد اسرائيل لشنها ضد ايران قد تؤدي الى القضاء على شعبها حسب وصفه. واتهم الغرب بالنفاق لانه يصمت على البرنامج النووي الاسرائيلي الذي ‘يجسد ترسانة نووية آخذة في الازدياد مع انها تبقى سرية دون اي اشراف او تدقيق دولي’ معاداة السامية كانت اقل التهم التي جرى توجيهها الى هذا الاديب الذي قال انه لن يصمت بعد اليوم، وطفحت الصحف الاسرائيلية بالمقالات البذيئة التي تتطاول عليه، وتنبش ماضيه، وتقول ان له موقفا عنصريا من اليهود. الاديب غراس لم يتطرق مطلقا لليهود في قصيدته من قريب او بعيد، بل لم يذكر اسرائيل بالاسم، ولكنه الابتزاز الاسرائيلي التاريخي، وحملات الترهيب التي يتعرض لها كل من يتجرأ على نقد الجرائم الاسرائيلية ويقترب من حقيقة ممارساتهم العنصرية وجرائم حربهم ضد الآخرين. من اغرب الردود التي استوقفتني تلك التي وردت في مقالة لـ’المؤرخ’ الاسرائيلي توم سيغيف كتبها في صحيفة ‘هاآرتس’ يوم امس حيث قال عنه، اي غراس، انه مثير للشفقة، اكثر مما هو معاد للسامية، واضاف ‘ان المقارنة بين اسرائيل وايران غير عادلة لان اسرائيل على عكس ايران لم تهدد بازالة دولة ما عن الخريطة’. استغرب ان يصدر مثل هذا الكلام عن ‘مؤرخ’ من المفترض انه يعرف التاريخ جيدا، فقد وضع العلمية والموضوعية جانبا عندما نسي او تناسى متعمدا، ان اسرائيل لم تزل دولة، وانما شعبا بأسره من الخريطة، وارتكبت المجازر في حقه وما زالت، ومارست التطهير العرقي ضد اكثر من 800 الف من ابنائه، ودفعت بهم الى المنافي دون اي ذنب اقترفوه، بل على العكس من ذلك تماما فتحوا ابواب بلدهم تعاطفا مع اليهود ضحايا افران الغاز النازية. نحن هنا لا ندافع عن الاديب غراس او غيره، ولا نشكك مطلقا بالمحرقة والجرائم النازية بل وندينها، ولكننا نريد تصحيح اكذوبة اسرائيلية، وكشف اساليب الارهاب الشرسة التي تستخدم بشكل تدميري ضد كل انسان ينتقد اسرائيل وليس اليهود، ويحاول تصحيح عملية تضليل تاريخية في حق شعبنا الفلسطيني. نعم اسرائيل تشكل تهديدا كبيرا للسلام والاستقرار العالميين بحروبها المتواصلة في المنطقة، وامتلاكها اسلحة نووية، وعدم توقيعها على المعاهدات الدولية التي تحظر الانتشار النووي، واستمرارها في احتلال اراض عربية في فلسطين وسورية ولبنان، ونسف عملية السلام بجرائمها الاستيطانية. ما الخطأ في ان يذكر الاديب غراس او غيره هذه الحقائق الواضحة وضوح الشمس، ولماذا تنبري الاقلام والتصريحات الاسرائيلية واليهودية لشن حملات تشويه ضد اي انسان يريد التعبير عن وجهة نظره وقناعاته بطريقة ادبية حضارية؟ ليت ‘المؤرخ’ الاسرائيلي توم سيغيف يقرأ كتاب نظيره الاسرائيلي ايضا ايلان بابيه الذي يحمل عنوان ‘التطهير العرقي للفلسطينيين’ والحقائق الدامغة التي تضمنها حول اقتلاع الحركة الصهيونية لمئات الآلاف من الفلسطينيين من ارضهم وقراهم وازالتها عن الخريطة وفق مخطط جرى اعداده بعناية فائقة قبل سنوات من النكبة، لعله بعدها يتراجع عن اقواله التي تنفي عن اسرائيل بطريقة ملتوية هذه الجرائم الموثقة في ارشيف المؤسسة العسكرية الاسرائيلية.Twitter: @abdelbariatwan