دمشق ـ «القدس العربي»: لم تعد شوارع العاصمة السورية في معظمها، تتسع للعدد الكبير من السيارات التي وصلتها من إدلب وريفي حلب والرقة، التي يملكها عائدون إلى منازلهم ممن شتتهم النظام البائد طوال السنوات السابقة، فضلا عن سيارات جديدة بدأ سكان المدينة وريفها باقتنائها بعد عقود من الحرمان، وبعد وجود تسهيلات بينها انخفاض الرسوم الجمركية.
مشهد الازدحام المروري غير المسبوق بات مألوفا، وما زاد من هذه الأزمة الاختفاء شبه الكامل، لرجال شرطة المرور، منذ سقوط نظام الأسد في الثامن من كانون الأول/ ديسمبر الماضي، ما دفع بالعديد من النشطاء والشباب المتطوعين للنزول إلى الشوارع والمساعدة في تنظيم حركة السير، ولكن من دون تنظيم مخالفات مرورية، باعتبار أنهم لا يملكون الصلاحيات لتطبيق قانون المرور شبه المعطل حالياً.
ازدياد عدد السيارات
وحسب مصادر مرورية تحدثت لـ»القدس العربي» فإن سبب هذا الازدحام يعود إلى ازدياد عدد السيارات التي تدخل قلب المدينة يومياً مع عدم وجود بنية تحتية تساعد على استيعاب هذا العدد الكبير، مشيرة إلى أنه منذ سقوط النظام دخلت أعداد كبير من السيارات قادمة من إدلب وريفي حلب والرقة إلى مدينة دمشق.
ومن بين أبرز الأسباب أيضا، قلة عدد عناصر شرطة المرور، والذين لم يعد يتجاوز عددهم حاليا الـ100 شرطي ممن قدموا من إدلب لتنظيم حركة السير، إضافة إلى عودة بعض العناصر المنشقين منذ اندلاع الثورة، في وقت تحتاج فيه دمشق إلى أكثر من 3 آلاف عنصر لتنظيم حركة السير، مشيرة إلى أن مستقبل عناصر المرور الذي كانوا في عهد النظام السابق مازال مجهولاً، ولم يتم استدعاء أي منهم على الرغم من أن العديد قد راجعوا فرع مرور دمشق في منطقة باب مصلى وعبروا عن رغبتهم بالعودة لعملهم وتم تسجيل أسمائهم وإبلاغهم أنه سوف يتم الاتصال بهم في حال كانت هناك حاجة لهم. ووفق المصادر، فقد تم تخريج دفعة من شرطة المرور وسيتم فرزهم قريبا ومن الممكن أن يساهم هؤلاء في سد النقص الحاصل، مشيرة إلى أن راتب شرطي المرور يتراوح ما بين 150 إلى 180 دولارا، وهو قليل حالياً على أمل أن تتم زيادته خلال الفترة المقبلة.
وفيما يتعلق بتطبيق المخالفات المرورية بحق السيارات المخالفة، أوضحت المصادر أنه في حال تم ضبط أي سيارة مخالفة، فإنه يتم حجزها مباشرة بغض النظر عن المخالفة المرتكبة باعتبار أنه لا يتم حالياً تطبيق قانون السير بشكل كامل والذي ينص على دفع غرامات مالية من قبل المخالفين، لافتة إلى أنه يتم حجز السيارة لفترة قبل إعادتها إلى صاحبها.
شباب متطوعون
وجالت «القدس العربي» في شوارع دمشق وتحدثت إلى بعض الشباب المتطوعين في تنظيم حركة السير. وقال إياد، وهو في العشرين من عمره، إنه اتفق مع مجموعة من الشباب للمساعدة في تنظيم حركة السير مع شرطة المرور ومن دون أجر، مؤكداً أن دورهم يقتصر على تنظيم حركة السير من دون تنظيم مخالفات مرورية باعتبار أن هذا ليس من صلاحياتهم وإنما من صلاحيات شرطة المرور فقط، مشيراً إلى الازدحام الكبير في بعض الشوارع الرئيسية مثل البرامكة والثورة.
متطوعون يساعدون في تنظيم حركة السير… وأحدهم لـ«القدس العربي»: كثير من السائقين غير ملتزم
كما تحدث الشاب عبد الوهاب، وهو أيضاً من المتطوعين لتنظيم حركة السير، عن صعوبات في تنظيم حركة المرور باعتبار أن الكثير من السائقين لا يلتزمون بقواعد السير في ظل غياب تطبيق مخالفات المرور، ويتم التعامل مع هؤلاء من خلال الحديث معهم وتذكيرهم بضرورة الالتزام بقواعد السير.
وأكد أن هناك من قرر من الشباب المتطوعين من تلقاء أنفسهم النزول إلى الشارع لمساعدة شرطة المرور، كما أن هناك بعض الفعليات المدنية نظمت فعاليات لمساعدة الشرطة في تنظيم حركة السير.
وقال: إن من أهم أسباب أزمة المرور الخانقة هو قيام العديد من أصحاب صهاريج الغاز أو المازوت أو باعة البنزين، بالوقوف في الساحات الرئيسة في العاصمة مثل ساحة العباسيين والأمويين وحتى سبع بحرات وغيرها، وبيع منتجاتهم من دون مساءلة من أي جهة.
وتابع: أيضاً من أسباب الأزمة امتلاء العاصمة بالدراجات النارية والشاحنات الصغيرة غير المرخصة القادمة من الريف مستغلين عدم ملاحقتهم، وأيضا عودة جميع السرافيس للعمل بعد تحرير أسعار المازوت وعدم توزيع هذه المادة بأسعار مدعومة عليهم، كما كان في عهد النظام السابق، وهو الأمر الذي شكل بابا للفساد عبر بيع مخصصاتهم من دون العمل.
السيارات في المتناول
ولطالما ظل اقتناء سيارة خاصة حلماً يراود معظم السوريين خلال عقود حكم النظام السابق، حيث كانت أسعار السيارات تسجل أرقاماً فلكية لارتفاع الرسوم الجمركية عليها وتصل بالنسبة للسيارات الحديثة إلى المليارات من الليرات في بعض الأنواع، وإلى مئات الملايين من الليرات حتى بالنسبة للسيارات الصغيرة والمنتجة من سنوات طويلة، وهذه أرقام ضخمة جداً مقارنة بالوضع المعيشي والاقتصادي الذي شهدتها البلاد. وبعد سقوط النظام، تراجعت أسعار السيارات كثيراً بسبب الرسوم الجمركية المنخفضة إضافة إلى فتح باب الاستيراد.
وفي سوق لبيع السيارات تم افتتاحه أخيراً في حي الزاهرة، رصدت «القدس العربي» أن الأسعار باتت تتراوح بين 5 إلى 20 ألف دولار حسب نوع وموديل السيارة، وهذه تعتبر متراجعة بنسبة تصل إلى عشرة أضعاف تقريباً عن سعرها قبل شهر ونصف. وأكد أحد الباعة أنه يأتي بالسيارات من إدلب لبيعها في دمشق وفي حال تمت عملية البيع فإنه الشاري يتجه إلى إدلب لتسجيل السيارة باسمه باعتبار أن مديريات النقل لم تفعّل بعد عمليات تسجيل السيارات.
بائع آخر تحدث عن إقبال كبير من أهل دمشق لشراء السيارات في ظل انخفاض أسعارها، وقال: «أحسست وكأن هناك جوعاً شديداً للسيارات، وبتّ أبيع أسبوعياً أكثر من 10 سيارات، وهذا رقم كبير، مبيناً أنه بات يستورد السيارات حالياً من معبر نصيب الحدودي مع الأردن، بعد دفع الرسوم الجمركية المترتبة والتي تتراوح ما بين 1400 إلى 2500 دولار بالنسبة للسيارات الحديثة وأقل من ذلك للسيارات ذات الموديلات القديمة أي ما قبل 2010. وأكد أن الزبون وبمجرد شرائه السيارة يتسلم أوراقها من دون الحاجة إلى تسجيلها وتصبح ملكه باعتبارها مجمركة سابقاً.