استخدام الدين في صناعة الترفيه ليست قصة جديدة، فالدين «سلعة رائجة» وتوظيف الترفيه في تقديمها سلعة بياعة بلا شك.
تاريخيا، تخصصت محطات تلفزيونية أمريكية وبريطانية وفرنسية في برامج دينية يتم تقديمها بشكل ترفيهي ومشوق، ومما أذكره من حقبة ما قبل الفضائيات أيام البث الأنالوغ «أنتين جيد فوق السطح» محطة ظهرت في حقبة الثمانينيات واختفت فجأة مع ظهور عصر الستلايت، كان اسمها محطة «الشرق الأوسط» قيل إنها كانت تبث من قبرص، وقيل أيضا في سياق نظرية المؤامرة إنها كانت تبث من على ظهر حاملة أمريكية في البحر المتوسط، موجهة للعالم العربي.
كانت محطة تدمج بين الترفيه «الأمريكي» والتبشير الكنسي «الإنجيلي»، ومن بين برامجها كان برنامج أذكر اسم مقدمه اللبناني حتى اليوم، (إيلي مالكي)، وكان يقدم برنامجه التبشيري «الإنجيلي» بطريقة مشوقة تجذب المشاهد لما يملكه الرجل من خفة دم أثناء سيطرته على الكاميرا التي تصوره، وكان يطرح المواضيع بلهجته اللبنانية المحكية وبلغة بسيطة، وكثيرا ما يثير الانتباه بنزوات عصبيته المتعمدة والكوميدية.
في مرحلة لاحقة بكثير عشتها في أمريكا، كانت المحطات «المجنونة» كما كنت أسميها تجذبني بطريقة العرض الذي تقدمه، حتى أن هناك محطات محلية جدا في بعض المدن كانت متخصصة في التصوف الإسلامي ولها «ولي» صوفي له مريدوه ويبثون زاراتهم الدينية على تلك المحطات، ويجذبون كمية لا بأس بها من المشاهدين، والدليل كمية الدعايات التي كانت تتخلل الزار التلفزيوني، فكنا نضحك من فكرة دعاية لمعرض سيارات تقطع بث الزار والناس يتقافزون، أو دعاية لدواء صداع تتخلل بثا لكنيسة أمريكان من أصل أفريقي، وقد تعرض أحدهم أمام الكاهن لنوبة صرع أمام الكاميرات والكاهن وأتباعه يتقافزون حوله بغناء وإيقاع أفريقي.
على «أم بي سي مصر»، ومن مصر تأتيك المدهشات غالبا، هناك مهرج لطيف يحمل دوما ضمة ورود اسمه مبروك عطية، يحمل لقب دكتور، ويقال إنه أزهري.
هذا المبروك، يلبس بذلة، ويتحدث بطريقة الترفيه في أمور الدين ذاتها، ويجيب على أسئلة المتصلين من مريديه وهم كثر، بطريقة عجيبة وكوميدية وتهريجية ويدرك بلا شك فاعلية تلك الحركات التهريجية، التي تجذب إليه اليائسين المقهورين، والباحثين عن حلول لمشكلاتهم الحياتية، حتى لو من رجل دين حول الاستوديو الديني إلى سيرك أجوبة فقهية.
لطالما كان هناك في بلاد الخبز والحشيش والقمر أناس مقهورون ويائسون، فتلك الصناعة الدينية الترفيهية ستبقى مزدهرة، ومبروك على مبروك كل هذا القهر.
«ما في متلو» و«هيدا حكي»
لسبب ما.. نستظرف عادل كرم ونستمتع بذكائه في عرض كل هرطقات برنامجه «هيدا حكي».
حقيقة، الرجل وبرنامجه لا يقدم وجبة ثقافية ولا هو يدعي ذلك، ولا في ما يقدمه أي قيمة فنية عن المسرح أو الدراما أو الموسيقى، بل برنامج حواري يتسيد فيه الممثل الكوميدي بكامل وسامته صدر مكتب، في استوديو يضج بالفرح والبهجة، ويعلق على أخبار العالم بشكل كوميدي، ثم يلتقي بنجوم في عالم الفن والرياضة والسياسة أحيانا، ويعمل على إجراء حوار فيه إسقاطات جنسية أحيانا، لكنه يخلق جوا من التسلية لا تملك إلا أن تنجذب إليها.
عادل كرم، له مسلسل مع فريق لا يقل تميزا عنه اسمه «ما في متلو» سارت مواسمه تعد بالسنوات، و هو مسلسل على طريقة السكتشات الكوميدية القصيرة، وقد طور المسلسل من خلالها شخصيات صارت علامة تلفزيونية فارقة وبسقف عال من حرية النقد الساخر.
في «هيدا حكي» أخرج بكثير من التسلية والضحك، ولم يدع أحد في البرنامج أنه ثقافي أو سياسي، فقط حسب اسمه «هيدا حكي» لا أكثر ولا أقل.
اللبنانيون على اختلاف مشاربهم وانتماءاتهم مجبولون على الترفيه وصناعة البهجة، ولذا فإن أسوأ محطة تلفزيون لبنانية قادرة على جذب نسبة مشاهدين ولو بالحد الأدنى، وهذا كما أعتقد يعود إلى حرية اجتماعية وسياسية دفع لبنان أثمانا باهظة للحفاظ عليها.
في عالم التلفزيون: قد تكون لديك أفكار تافهة.. ومعالجة ذكية لتسويقها! والعكس صحيح كذلك، قد تكون لديك أفكار جيدة ومعالجة تافهة تقتلها.
الفترة الصباحية وربات البيوت
وبينما نحن في بودابست نقضي وقتا في بيت «حماتي» المجرية، والتي تتحدث العربية بشكل جيد يكفي لأن تترجم لنا أحيانا الفترة الصباحية على التلفزيونات المجرية.
تدهش هنا أولوية الاهتمامات في المحطات الغربية «مثل المجرية» في برامج الصباح المبكر، والتي تعنى أكثر شيء باستهداف ربات البيوت، وهن المشاهدات الأكثر افتراضا في تلك الفترة، حيث أن معظم المحتوى البرامجي يتعلق بتقارير ميدانية عن الأطفال، وطرق تعليمهم وتربيتهم وتغذيتهم.
الأخبار في الصباح، تتم معالجتها بشكل ذكي، فلا يتم إفراد مساحة طويلة لتقارير النكد اليومي من أحداث العالم، بل أخبار محلية أغلبها ذو فائدة معرفية محلية.
برامج الصباح متخمة بالموسيقى والفرح والغناء، والأخبار الصباحية يتم تقديمها بشكل يجعلك تسعد بفنجان قهوتك الصباحي، وبدء يومك بتفاؤل ونشاط، دون تعكير.
الإعلام فن، وطريقة تقديمه علم وهندسة اجتماعية أيضا.
إعلامي أردني يقيم في بروكسل
مالك العثامنة