ازدواجية المعايير في التعامل مع القضايا العربية

حجم الخط
0

ازدواجية المعايير في التعامل مع القضايا العربية

د. يوسف نور عوض ازدواجية المعايير في التعامل مع القضايا العربيةحدثان شغلا الصحافة البريطانية خلال الأيام الماضية، الأول يتعلق برغبة الأمير هاري ـ الثالث في ولاية العهد ـ في الاشتراك مع قوات بلاده المنشورة في العراق، والثاني هو محاكمة عدد من الإسلاميين بتهمة المشاركة في التخطيط لعمليات ارهابية في بريطانيا، وبالنسبة للموضوع الأول فقد تباينت الآراء.إذ بينما لم تبد الأسرة اعتراضا علي سفر هاري فإن بعض المسؤولين في الحكومة وغيرها رأوا أن وجود هاري مع القوات في العراق ربما يضاعف من الأخطار التي يتعرض لها الجنود في ذلك البلد، ولكن هذا الرأي لم يثن الأمير أو الأسرة التي تري أن مشاركة هاري في عمل كهذا يؤكد أن أفراد الأسرة الملكية يقومون بالأعباء نفسها التي يقوم بها أفراد الشعب الآخرون، ولا شك أن متطلبات الأمن بالنسبة للأمير هاري ستكون متوافرة ولكن ستبقي المدلولات السياسية المتعلقة بحرب العراق ذاتها وما إذا كانت حربا مشروعة أم لا؟وهذه مسألة تثير خلافات كبيرة بين أفراد الشعب البريطاني، ودلت استطلاعات الرأي الأخيرة علي أنها كانت السبب في تدني شعبية رئيس الوزراء توني بلير. أما المسألة الثانية والمتعلقة بمحاكمة الإسلاميين بتهمة الإرهاب فربما أصبحت من المشاهد العامة في كثير من البلدان الغربية، ولا يتوقف الناس في العادة عند تفاصيلها إذ يكفي أن تلقي الاتهامات لتصبح مقبولة خاصة ونحن نري المئات من أبناء الشعوب العربية والإسلامية يخصص لهم معتقل في غوانتنامو لا يخضع لأي قوانين أمريكية أو دولية. ولا تعترض الدول العربية، علي اعتقال مواطنيها بل تساعد الإدارة الأمريكية في إجراءاتها غير المشروعة، ومن الغريب أنه عندما سئل أحد المعلقين في برنامج الصحافة في التلفزيون البريطاني عن المعاملة العنصرية التي يواجهها العرب والإسلاميون دافع بأن بلاده هي أفضل بلد في العالم يطبق القوانين، وهنا تبرز المفارقة حيث تطبق القوانين بصورة سليمة في بريطانيا علي المواطنين كما هو شأن معظم الدول الغربية ولكن المشكلة تنشأ عندما يستغل السياسيون هذا الواقع الداخلي في إقناع شعوبهم بأنهم يتبعون أسلوبا مماثلا عندما يتعاملون مع الدول الأجنبية. ولاشك أن الكثيرين من أفراد الشعوب الغربية يصدقون حكوماتهم في هذا الاتجاه وهو عكس الواقع في العالم العربي حيث فقد معظم المواطنين الثقة في صدقية النظم الغربية، وهذا بالطبع ليس موقف الحكومات التي لها مصالح مباشرة في قبول هذا الواقع وتنفيذ ما تطلبه منها الدول الغربية. وحتي نتفهم ما ذهبنا إليه في السياق العربي نحتاج إلي تلمس الدوافع التي حدت بالدول الغربية إلي توسيع دائرة المواجهة مع الشعوب العربية والإسلامية.وكما نعرف فإن الصراع الأساسي بين العالم العربي والعالم الغربي بعد الفترة الاستعمارية كان يتركز حول القضية الفلسطينية التي تقف منها الدول الغربية موقفا منحازا إلي جانب إسرائيل، ويبدو حل هذه المشكلة التي يعتبرها العرب قضيتهم الأولي بسيطا جدا إذا خلصت النوايا وظهر توجه حقيقي من أجل إيجاد حل عادل يأخذ في الاعتبار حقوق الشعب الفلسطيني. ولكن الدول الغربية ظلت تستخدم الأساليب التسويفية نفسها التي تعطل هذه القضية وذلك ما تفعله إسرائيل، كما ظهر أخيرا توجه جديد بتوسيع دائرة القضايا التي تتعامل معها الإدارة الأمريكية ومن ورائها الدول الغربية وقد ألقي ذلك بظلاله علي القضية الفلسطينية، ومن القضايا التي استقطبت الإهتمام وأعطيت حجما كبيرا الملف الإيراني الذي يرتبط بما يجري في العراق ارتباطا كبيرا، ذلك أنه بعد أن دخلت قوات الاحتلال إلي ذلك البلد وأحدثت ما أحدثت فيه من دمار وخراب علي المستويين البنيوي والإنساني بدأت تثير قضايا طائفية وعنصرية لا شك أن لها كثيرا من الأسس التي تقوم عليها في ظل الوضع السائد في العراق، ولكن الدول الغربية لم تشأ أن تتوقف عند أكثر من سبعمئة ألف قتيل في العراق أوعند المسؤول عن ضياع أرواحهم بل تجاوزت ذلك إلي إثارة قضية جديدة في ضوء ازدواج المعايير الذي تتبعه الدول الغربية. وتتكرر هذه الصورة في دارفور أيضا حيث نجد حربا ليست هناك وسيلة واضحة لحل أسبابها وهي حرب دارفور حيث تقف الدول الغربية وراء المتمردين وتحول دون التوصل إلي أي حل سلمي في الوقت الذي تتوجه فيه بالنقد والتهديد للحكومة السودانية، ولا نريد بذلك أن نعفي الحكومة السودانية من مسؤوليتها ولكننا فقط نشير إلي ازدواجية المعايير حيث تطالب الدول الغربية بإيجاد حل للمشكلة في الوقت الذي تعمل فيه من الجانب الآخر علي تعقيدها ومنع التوصل فيها إلي أي حل متفق عليه.ويتكرر هذا المشهد نفسه في الصومال الذي يخضع لأكبر مأساة إنسانية عرفها التاريخ الحديث، ونجد الولايات المتحدة في كل ذلك ترفع زيفا شعارا واحدا هو الحرب علي الإرهاب الذي لا يعني في نظرها شيئا سوي معارضة السياسات الأمريكية، بل يقف الرئيس الأمريكي بكل تبجح أمام المجتمع الدولي ليقول إن حربه علي الإرهاب تهدف إلي منع وصول الإرهابيين إلي بلاده ومنازلتهم في واقعهم المحلي، فهل العراق أو الصومال أو أفغانستان أو السودان أو إيران هي التي تمثل الإرهاب الذي يهدد الولايات المتحدة والدول الغربية؟وفي الوقت الذي تدعو فيه الولايات المتحدة لإقامة نظم ديمقراطية في البلاد التي تعارض سياساتها نراها تقف بقوة ضد كل اتجاه يدعو إلي ممارسة ديمقراطية حقيقية ويبدو ذلك واضحا في موقف الدول الغربية من حكومة حماس الفلسطينية كما يبدو من خلال الحرب التي شنت علي تركيا أخيرا من أجل منع وصول إسلامي إلي رئاسة الجمهورية فهل هناك ما يمنع من الناحية النظرية أن يصل الإسلامي إلي رئاسة الجمهورية إذا كان انتخابه بطريقة مشروعة وفقا لإرادة أغلبية المصوتين وكيف يكون النظام ديموقراطيا إذا كانت الأغلبية لا تستطيع أن تعبر عن رأيها بحرية، وهل الدول الغربية استطاعت أن تتخلي عن نزعتها الدينية بصورة كاملة؟ إذن كيف يمكن أن نفسر سلوك اليمين المتطرف في داخل الولايات المتحدة، بل كيف يمكن أن نفسر مواقف العالم الغربي في تأييد إسرائيل؟فهل ينطلق ذلك من رؤي سياسية خالصة أم أن العامل الديني هو الأساس في كل المواقف الغربية من العالم العربي والإسلامي؟وإذا نظرنا إلي هذا الواقع كله تبين أنه لا يتم في فراغ، ذلك أن توسيع دائرة المشكلات من منظور الإرهاب هو سياسة غربية مدروسة من أجل صرف النظر عن القضايا الملحة في المنطقة ويأتي في مقدمها قضايا الديمقراطية والحكم الرشيد والقضية الفلسطينية التي ضاعت في زحمة الاهتمامات الي يشغل بها العالم الغربي الحكومات العربية.وهكذا تبدو القضية الفلسطينية التي كانت ذات يوم عاملا يوحد العالم العربي لتغدو الآن وسيلة تستخدم من أجل أغراض مضادة، ومن المخجل أن نري أن معظم الحلول المطروحة لهذه القضية هي لصالح إسرائيل ولا يستفيد منها الفلسطينيون، وقد رأينا أخيرا أحد الحكام العرب يعلن صراحة أن المطالبة بعودة اللاجئين الفلسطينيين إلي بلادهم غير منطقي وهو يعلم أن الفلسطينيين يعاملون في بعض البلاد العربية كمواطنين من الدرجة الثانية كما أن معظم الدول العربية ترفض توطين الفلسطينيين علي أراضيها. ويؤكد هذا الوضع في مجمله أن الخيارات المطروحة قليلة جدا، فإما أن تقبل الدول العربية التوجهات الغربية وإما أن ترفض هذه التوجهات خدمة لمصالح شعوبها ولكن الحكومات العربية لا يبدو أنها علي استعداد للتخلي عن مصالح النخب الحاكمة حتي لو تم ذلك علي حساب المصالح الوطنية، وكل الدلائل في الوقت الحاضر تؤكد أن آخر ما تفكر فيه الحكومات العربية هو مصالح شعوبها، فهي مستعدة لأن تنفق مليارات الدولارات من أجل شراء أسلحة لا تحتاج إليها ولا تقدر علي استخدامها وهي علي استعداد لأن تعقد المؤتمرات تلو المؤتمرات لا لهدف سوي تبني القرارات والبيانات التي تملي عليها من الخارج.ويبدو أن العالم العربي سيقضي وقتا طويلا وهو يتبع هذا الأسلوب السياسي المريض وذلك بكل تأكيد أسلوب لن يحقق الأهداف التي يرجوها الغرب بصورة عاجلة ولكن الغرب يراهن في الوقت الحاضر علي عامل مؤثر في الدول العربية يؤدي إلي تفكيكها كأعراق وطوائف وملل ويظهر ذلك بشكل واضح في السودان والعراق وغدا سيظهر في كل البيئات العربية التي لا تختلف في تكويناتها الأساسية وهو ما تراهن عليه إسرائيل التي تعرف أن تفكك العالم العربي هو أملها في إقامة دولتها الكبري، ويلعب العالم الغربي الحاضر دور المساعد من أجل تحقيق هذه الهدف من خلال تذويب القضايا العربية الأساسية ومنها القضية الفلسطينية في إطار عالم عريض من المشكلات السياسة. 9

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية