باريس ـ “القدس العربي” من شوقي امين:
قبل ثمانية اشهر من الانتخابات الرئاسية في فرنسا، اختار الرئيس جاك شيراك أن ينشط أكثر في الساحة السياسية الوطنية والدولية، التي هجرها نسبيا في فترة معينة، قادت الخصوم والأصدقاء الي انتقاد العجوز الديغولي بشكل لافت، فضلا عن استطلاعات الرأي التي قدمته في كثير من الأحيان، كشخصية قديمة، لم يعد الفرنسيون اجمالا يثقون في قدراتها لقيادة البلاد، خاصة بعد الوعكة الصحية التي تعرض لها فجأة في الشهور الماضية.
وهكذا، استفاق الوحش السياسي، كما يسمي، من سباته وعاد الي الواجهة علي غير العادة، مسجلا حضورا قويا علي كافة الأصعدة، فلقد فضل هذا العام، أن يقضي عطلته الصيفية في فرنسا وبالتحديد في قصر بريغونسون (جنوب)، وليس في كندا أو جزر موريس كما جرت العادة، وكان أول السباقين الي تقديم التعازي لأسرة رجال الحماية المدنية، علي اثر هلاك ثلاثة من أعضائها في ظروف غامضة، قبل وزير الداخلية ساركوزي، المسؤول المباشر علي القطاع، وأحد أكبر خصومه في الحزب الحاكم.
في هذا السياق، بدأ الرأي العام الفرنسي، يلحظ عودة شيراك من خلال تدخلاته وتحركاته علي أكثر من جبهة، فلم تثنه عطلته من الخوض في أهم القضايا الوطنية والدولية بدءا بمسألة البطالة التي أبدي حيالها ارادة قوية لاحتوائها، معلنا عن تنظيم اجتماع طارئ بشأنها في قصر الاليزيه للرئاسة في شهر أيلول/سبتمبر المقبل، وللمرة الأولي فتح شيراك الباب علي مصراعيه للمصورين والصحافيين سانحا لهم الدخول الي مكتبه في بريونسون الذي كان يتابع منه تطورات الأزمة اللبنانية.
ويجمع المراقبون علي أن أزمة الشرق الأوسط أتاحت لشيراك الفرصة ليبرهن علي حنكته الدبلوماسية، وقوته السياسية، في مواجهة الموقف الأمريكي وموقف الدول التي تدور في فلكها، وتمكنه من فرض الرؤية الفرنسية علي المجتمع الدولي التي أفضت الي القرار الأممي 1701 القاضي بوقف اطلاق النار بين حزب الله واسرائيل، وارسال قوات دولية لحفظ السلام تقودها بلاده، حتي وان كان الاعلان عن ارسال 200 جندي فرنسي كمرحلة أولي، عدد ضئيل لا يستجيب في الوقت الراهن لتطلعات اللبنانيين الذين يراهنون علي القوات الفرنسية لحمايتهم من الاعتداءات الاسرائيلية.
وأمام هذا الحضور المتجدد والقوي للرئيس شيراك، بدأت وسائل الاعلام تتساءل فيما اذا لم يكن ذلك ايذانا بدخول المعركة الانتخابية قبل أوانها، خاصة وأن شيراك كان قد أعلن في خطابه التقليدي في 14 تموز/يوليو أن نشاطه ليس محدودا في الزمن، في اشارة ربما الي ترشيح نفسه لعهدة ثالثة بعدما ترك الساحة شاغرة لوزير الداخلية ساركوزي لفترة طويلة، فيما بدأت وسائل الاعلام تتحدث عن منافسة بين شيراك وساركوزي، خاصة وأن معسكر شيراك، حسب مصادر متطابقة، شرع في تنفيذ حملته، بدءا برئيس الحكومة نفسه دومنيك دوفيلبان، أحد أكبر المساندين لشيراك، وأحد تلامذته، حيث أوضح في أحد تصريحاته مؤخرا من أجل الظفر بالاستحقاق الرئاسي، ينبغي علي مرشح اليمين، أن يكون قادرا علي حمل أفكار توحد كل الفرنسيين، و يجيب علي المسائل الكبري التي تهمهم، علي رأسها مكانة فرنسا في أوروبا، ودور الدولة، وقانون العمل وخاصة أن لا يكون مرشحا لدائرة معينة، قبل أن يؤكد بأن الرئيس شيراك لا يعتقد بأن ساركوزي سيفوز في الاستحقاق الرئاسي القادم.
ومهما يكن من أمر، فان اسم الرئيس المقبل لفرنسا، سيحدد بداهة قبل كل شيء الوجهة الدولية التي ستأخذها فرنسا، فاما أن تنساق طواعية للسياسة الامريكية كما هو الشأن لدي ساركوزي الذي يعتبر شخصية سياسية امريكية بامتياز، واما أن تحدث طفرة جديدة في سياستها الدولية كما يريد شيراك، لكي تنهي سياسة التبعية التلقائية للولايات المتحدة.
وبين هذا وذاك، يسود الاعتقاد أن السواد الأعظم من الفرنسيين يميل أكثر لسياسة دولية، تلعب فيها فرنسا دورا محوريا، خاصة بعد الفشل الذريع الذي منيت به السياسة الامريكية في العراق، وبعد الجرائم التي ارتكبها الجيش الاسرائيلي ضد المدنيين في لبنان، صديق فرنسا الدائم، وفوق هذا وذاك، تداعيات ذلك كله علي أمنهم وسلامتهم، من مخططات ارهابية انتقامية تجعل الغرب كله في سلة واحدة، دون أي استثناء أو تمييز.