ازمة الصراع الفلسطيني: من يبحث عن قابيل اخر؟

حجم الخط
0

ازمة الصراع الفلسطيني: من يبحث عن قابيل اخر؟

علي حسن الفوازازمة الصراع الفلسطيني: من يبحث عن قابيل اخر؟ يبدو ان المشكلة الفلسطينية في طريقها للتحول الي مشكلة عربية عربية جديدة ومشكلة اسلامية اسلامية جديدة، وان امريكا تسعي لتكريس صراع هذه الثنائيات وانتزاع المشكلة من نسقها الصراعي القديم القائم بين العرب واسرائيل او بين الفلسطينيين والاسرائلييين الي مخرجات صراعية اكثر تعقيدا!! اذ اخذت هذه الصراعات طابع مواجهات مكشوفة بين حركة حماس وجناحها العسكري وخطابها العقائدي وبين حركة فتح ومؤسساتها العسكرية والسياسية ومنظومتها الامنية القديمة، حتي بات مسلسل التصفيات الدموية حاضرا في المشهد الفلسطيني بقوة!! وتعطلت ازاءه لغة الحوار وغاب العقل والمنطق والمرجعيات النضالية المشتركة عن الحضور في اجندة المتحاورين او المتخاصمين!! وباتت لغة التهديد والوعيد هي اللغة الحاضرة التي تشد الاعصاب وتحرك النوايا وتهيج البنادق ومكامن الشارع الفلسطيني السري والعلني، وتحول الشجن الامني الي أمر مقلق بعد تصفية العديد من مريدي الطرفين ورموزها الامنية، ولعل الفشل الاولي علي الاتفاق علي وثيقة الاسري وعدم قدرة المتفاوضين علي الاتيان بشيء جديد وتصعيد الحملات والمداهمات والاغتيالات الاسرائيلية لقيادات وقواعد المنظمات الفلسطينية ومنع الحكومة الفلسطينية التي تقودها حماس من العمل وارباك مشروعها فضلا عن الفشل الاخطر في الاتفاق علي الاعلان عن حكومة وحدة وطنية، هو الذي اسهم في خلق اجواء اضطرابية اوغلت في تهييج الشارع الفلسطيني ضد حكومة حماس بسبب عدم قدرتها علي مسك زمام الامور اولا وعدم قدرتها الاجرائية علي تنفيذ مشروع واحد ثانيا! حدّ فشلها في دفع رواتب الموظفين ورجالات الامن والمؤسسات الاخري، كل هذا يحدث وسط صمت عربي غريب، وتبطين امريكي مناور يلزم الادارة الفلسطينية بالالتزام بقواعد وسياقات المجتمع الدولي والاتفاقات الدولية كما يسميها الرئيس محمد عباس في خطاباته السياسية المتكررة والتي تعني اصلا الاعتراف باسرائيل والتحاور معها علي اساس تنفيذ فكرة الدولة القادمة حسب الدعاوي الامريكية!!! بضرورة وجود دولتين متعايشتين بسلام!! ولكن اية دولتين!! ان خطاب السيد اسماعيل هنية الاخير يؤشر الي خطورة مرحلة ما بعد ازمة الشارع الفلسطيني وصمت العرب عن الضغط علي امريكا لحلحلة هذه الازمة في اطار معطياتها التي افرزتها الانتخابات او في اطار السعي لتشكيل حكومة وحدة وطنية تعترف بالدولة الفلسطينية القادمة ضمن حدود 1976 لكن دون الاعتراف باسرائيل والاكتفاء بما سماه هنية بهدنة بين الطرفين، وهو الامر الذي ترفضه امريكا واسرائيل اولا وترفضه حركة فتح ثانيا!!! وان الدول العربية تركته وحيدا دون دعم ودون مساعدات ترقي الي ايجاد حلول واقعية لازمة الشارع الفلسطيني!! كما ان اية دولة عربية لم تسع لدعوته لزيارتها باستثناء دولة واحدة!! طبعا لها حساباتها الستراتيجية في الصراع العربي ـ الاسرائيلي، وهذا بطبيعة الحال سيخلق ازمات داخل جماهير الدول العربية ذاتهـــــا بين مؤيد لهـــــذا الطرف او ذاك وبالتالي تكريس ازمة وعي شعبي وعقائدي، وربما خلـــق بؤر دعم سرية لها، والذي سيجعل هذه الدول امام استحقاقات امنية جديدة. ولكن اخطر ما في الموضوع كله هو لجوء اسماعيل هنية ولاول مرة! للحديث باسم حركة الاخوان المسلمين العالمية ودعوتها بضرورة تعبئة الجهود لمواجهة تداعيات الصراع القادم، اي ان الموضوع بدا وكأنه سعي لفتح جبهة عقائدية ساخنة ما بين المتدينين من حركة حماس والعلمانيين من حركة فتح!! ولا شك ان هذا سيخضع طبعا الي حسابات دقيقة والي صناعة خلايا ازمة تربك كل اجندة العمل الفلسطيني وتفرغه تماما من كل تاريخه العالق بذاكرة الاجيال العربية! وتجعل اسرائيل في موقع المتفرج الذي يشاهد (صراع الديكة المميت). فضلا عن طبيعة ما يمكن ان تحمله الجبهة!! من ازمات ضافية تنعكس علي مجمل الخطاب العربي خاصة في اطاره الثقافي الذي يقف ويصرح رسميا بدعم النضال الفلسطيني، اذ سيكون هذا الخطاب براغماتيا خالصا ازاء لعبة الخنادق القادمة!! وربما الي تكريس ثقافات العنف والتطرف للطبائع العقائدية التي تحملها هذه الخنادق ..ان الضغوط الامريكية المتزايدة علي الفلسطينيين وحواراتهم مع جانب واحد منهم ووفق اجندة وشروط معينين يسهم في زيادة الازمة وخلق بؤر توتر دائمة رغم ان الانتخابات الفلسطينية الاخيرة افرزت واقعا جديدا وبشهادة الرئيس الامريكي السابق جيمي كارتر الذي حضر الانتخابات وكان مراقبا عليها ووسمها بانها نزيهة وديمقراطية. فلماذا تقف امريكا بالضد من محاورة الطرف الفلسطيني الرسمي في الادارة الحكومية تحت اسباب تبدو في ظاهرها عقائدية وليست سياسية!! وتفرض شروطا مسبقة اولها الاعتراف باسرائيل وهو ما يتعارض والخطاب العقائدي لحركة حماس، رغم ان هناك رأيا عاما ضاغطا في امريكا يقول بوجوب واهمية التفاوض مع حركة حماس والاستماع الي وجهات نظرها في هذا الشأن. ولكن سياسة المحافظين الجدد في الادارة الامريكية تنطلق من سياسة اشعال الازمات وتفكيك المراكز في ضوء تنظيراتهم وتبشيراتهم بشرق اوسط جديد يقوم علي اساس الوحدات الصغيرة المفرغة من انتاج خطاب الرعب والمحكومة بنظام السوق والتجارة الحرة وشروط صندوق النقد الدولي والبنك الدولي!!!ان الموقف الامريكي ليس ساذجا وليس انفعاليا بقدر ما هو موقف يسعي الي تكريس الفرقة داخل المجتمع الفلسطيني والضغط علي جميع القوي السياسية بما فيها القوي ذات التاريخ الرومانسي في اجندة الثورة الفلسطينية مثل الجبهة الشعبية والجبهة الديمقراطية ومجمل قوي اليسار الفلسطيني لاعادة حساباتها في ضوء حسابات المصالح ذاتها، حدّ السعي الي تفكيك الموقف السياسي داخل حركة حماس بين الداخل الذي تقوده الحكومة ومنظومتها السياسية والعقائدية وبين الخارج الذي يقوده خالد مشعل بكل حساباته السورية والايرانية!ولا شك ان استمرار هذا الموقف وتأزيمه وخلق بؤر عسكرية تديم صناعة الازمة وتصطنع لها خطابا تصفويا يقوم علي الاغتيالات والخطف، حدّ ما اعلنته كتائب الاقصي التابعة لحركة فتح بانها ستقوم بتصفية جميع قادة حماس سيجعل المستقبل غامضا ومجهولا وربما سيؤدي به الي القبول بأهون الحلول فضلا عن ان اغلب الدول العربية تميل الي معالجة الازمة الفلسطينية باية طريقة كانت للتخلص من عقدة الذنب القديمة التي عاشها العقل العربي العسكري والسياسي مع مسلسل الهزائم الطويل منذ عام 1948 وصولا الي صدمة حرب لبنان التي وضعت اسرائيل امام امتحان حقيقي وفرغتها من غطرستها وفرضت عليها اعادة حسابات الحقل والبيدر في الصراعات القادمة، وربما كانت هذه النتائج الصادمة هي السبب الاهم في الاصرار علي ضرورة تفكيك المنظومات الصراعية وحرفها عن اتجاهها الصحيح الي اتجاهات ثانوية تكون ازاءها قوي ضعيفة لا يمكن ان تفرض شروطها في اية مرحلة تفاوضية.ان فرض سياسات القوي والضعيف في الصراع العربي ـ الاسرائيلي ينطلق في اكثر تصوراته من مفاهيم اشتراطية وضعها شمعون بيريز رئيس الوزراء الاسرائيلي السابق والانتهازي الاكبر في الحكومات الاسرائيلية المتعاقبة، اذ اكد بيريز في كتابه المعروف (الشرق الاوسط الجديد) علي اهمية تشكيل العلاقات السياسية في هذا الشرق علي اسس ومفاهيم وقواعد (لا مكان للدول المتخلفة في الساحة العالمية، ولا رأي لها في السياسة) اي ان الدولة الضعيفة في هذا الصراع لا تستشار حتي في امرها. وقد تكرس هذا الموضوع بعد تداعيات انهيار الحرب الباردة وتحول اجندة الصراع الي خلق اقطاب صراعية جديدة تمثل اسرائيل القطب الاكثر مركزية والمفتاح السحري لفك اشتباكات الصراعات التقليدية في المنطقة التي تعد الاغني في العالم والسيطرة عليها عبر خلق قوي ضعيفة فيها ويرتبط اقتصادها بعجلة الاقتصاد الامريكي ومفاهيمه!! وبالتالي خلق بؤر صراعية جديدة وداخلية بعيدا عن الصراع المركزي المعروف بذاكرته في الذات العربية والاسلامية.ومن هنا نجد ان اصرار الادارة الامريكية علي فرض منظورها للصراع في المنطقة العربية ينطلق من خلال هذه التصورات في فرض سياسة القوة والسيطرة خاصة بعد احتلال العراق وتفكيك منظومته العسكرية العتيدة والتحريض علي افتعال الازمات في المنطقة العربية مثل ازمات السودان وازمة لبنان وسورية وازمة الملف النووي الايراني وانعكاساته الخطيرة علي اليات الصراع واوضاع المنطقة خاصة محور دول الخليج العربي، ولا شك ان هذه الازمات هي جزء من خطاب الضغط الذي يسعي الي فرض استحقاقات سياسية في اعادة انتاج مفهوم الشرق الاوسط السياسي والاقتصادي والثقافي، اذ نجد ان الزيارات المتكررة لكوندوليزا رايس وزيرة الخارجية الامريكية الي الشرق الاوسط ولقاءاتها مع قادة دول المحور الشرق الاوسطي وتصريحاتها المعلنة تكشف عن ان الخارطة الامريكية للمنطقة وتوزيع الادوار فيها ينطلق اصلا من اعادة قراءة مشروع بيريز القديم لتكون اسرائيل هي القوة الفاعلة والمركز الاساسي في انتاج الرعب الاوحد! وفرض المهيمنات السياسية والاقتصادية مقابل وجود محيط سياسي وجغرافي يضم دولا ضعيفة ومشغولة باعادة ترتيب الدولة (السوبر حضارية) ذات النزعات الاصلاحية والديمقراطية ومكافحة الارهاب العقائدي!! والمكشوفة علي عولمة الاقتصاد والمتورطة حد العظم بشروط البنوك العالمية ومحاور اشتغالاتها المعقدة!!ان الازمة الفلسطينية الجديدة هي جزء في هذا الاتجاه الذي يفترض تفكيك كل المصادر التي تنتج الرعب العسكري والسياسي والفكري لاسرائيل ولمفهوم الشرق الاوسط الجديد!! اذ ان الحديث عن الديمقراطيات والاصلاح السياسي ومكافحة الارهاب يخضع لقياسات امريكية معروفة تنطلق من جوهر بناء الدولة الجديدة وصولا الي وضعها في سياق اشكالوي من الصراعات والارتباطات والمواثيق والشروط التي تفرض عليها اتفاقيات اطارية لازمة تحد من طموحها في بناء الدولة المستقلة خارج المتغيرات الستراتيجية والسياسية والاقتصادية التي تضعها الولايات المتحدة الامريكية كاطار لشكل العلاقات الدولية في المنطقة.ومن هنا فلا مناص امام الفلسطينيين الاّ اعادة قراءة ملفاتهم جيدا والبحث عن الحلول في اطار الشراكة الفلسطينية دون الدخول في متاهات الصراع واصطناع الازمات والبحث عن اطراف (ابوية) او عرابين ليسوا ابرياء، قد يضـــعون الكثير من العصي في الطريق المؤدي الي الحل الذي قد يتفق عليه الجميع!! واعتقد ان الحل الفلسطيني ـ الفلسطيني سيجنب المنطقة ازمة خطيرة قد تفتح الكثير من الملفات القديمة وتعيدنا الي المربع الاول او الازمة الاولي التي قد تطيح بالكثير من الوقائع والاطمئنانات المغشوشة، او ربما ستحرض البعض علي فك عقد واشتباكات (الاخوة) علي طريقة استحضار قابيل اخر.ہ كاتب من فلسطين8

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية