رأي القدس كان يمكن ان يدخل السيد مصطفى ابو شاقور التاريخ كرئيس اول حكومة ليبية تتشكل بعد انتخاب المؤتمر الوطني العام، ولكنه اضاع هذه الفرصة، ليس لعدم الكفاءة، او سوء الاختيار، وانما لاصراره على موقفه في عدم الرضوخ لضغوط المحاصصة المناطقية، والسياسية التي تعرض لها منذ ان تم اختياره لهذه المهمة قبل اربعة اسابيع تقريبا.السيد ابو شاقور قدم حكومته الاولى التي اعتمدت’على الكفاءات، وابتعدت عن المحاصصة الطائفية فصوت ضدها اعضاء المؤتمر الوطني العام (البرلمان المؤقت) وطالبوه بتقديم حكومة جديدة تشمل توزيعا للحقائب حسب ثقل الكتل السياسية، والمناطق الجغرافية في ليبيا، فعاد الرجل بحكومة مكثفة من عشرة وزراء احتفظ فيها بوزارة الخارجية، ولكن هذه الحكومة لم تعجب اعضاء المؤتمر الوطني العام فقرروا اعفاءه من مهمة تشكيل الحكومة.النظام الداخلي ينص على ضرورة انتخاب المؤتمر الوطني العام شخصا آخر ليتولى مهمة تشكيل حكومة جديدة بعد تعثر مهمة ابو شاقور في غضون ايام مما يعني البحث عن مرشحين آخرين يصلحون لهذه المهمة.من غير المتوقع ان تكون مهمة اختيار رئيس وزراء جديد سهلة بالنظر الى حدة التنافس بين الكتل السياسية ذات التوجهات المتصادمة احيانا، خاصة بين الاسلاميين والليبراليين. ولهذا فان التمديد لحكومة عبد الرحيم الكيب لفترة من الوقت قد يكون هو الحل الامثل في هذه المرحلة ريثما يتم الاتفاق على الشخص المقبول من اغلبية النواب.السيد محمود جبريل رئيس اول مجلس تنفيذي في ليبيا بعد اطاحة نظام العقيد معمر القذافي، يمثل الجناح الليبرالي المدعوم من الغرب، وقد خاض انتخابات رئاسة المؤتمر العام في مواجهة رئيسه الحالي محمد المقريف وخسر بفارق صوتين، مثلما خاض معركة تشكيل الحكومة، ولكنه خسرها لصالح مصطفى ابو شاقور، ومن غير المستبعد ان يكرر محاولته في حال فتح باب الترشيح لرئاسة الحكومة من جديد من قبل البرلمان.ازمة تشكيل الحكومة تعكس ازمة اكبر تعيشها ليبيا وهي الانقسامات الحادة القائمة على اسس مناطقية وقبلية، علاوة على التناحر الواضح بين التيارين الليبرالي والاسلامي.ليبيا تخلصت من النظام الديكتاتوري الفاسد، ولكنها لم تقدم حتى الآن البديل الديمقراطي الذي يمكن ان يوحد الشعب خلفه، ويحقق المصالحة الوطنية، ويفرض الامن من خلال سحب السلاح وحل الميليشيات المناطقية القوية.لا شك ان نجاح العملية الانتخابية في انتخاب برلمان مؤقت من مئتي عضو شكل بارقة امل في قيام نظام سياسي تعددي يضع اسس التسامح والعدالة والتوزيع العادل للثروة والنهوض بالبلاد، ولكن الانتخاب شيء، والتطبيق العملي على الارض شيء آخر بسبب الصعوبات والعقبات الكبيرة.صحيح ان التجربة التعددية الليبية ما زالت في بداياتها ويجب عدم التسرع في اطلاق’تقييمات لها، وضرورة اعطائها الوقت الكافي قبل اصدار اي احكام مسبقة، ولكن الصحيح ايضا ان المؤشرات حول المستقبل تبدو غير مبشرة حتى الآن، لعدم وجود قيادات وزعامات قادرة على قيادة البلاد في الاتجاه الصحيح، وهذا لا يمكن ان يعني باي حال من الاحوال ان النظام السابق كان افضل لليبيا وشعبها الذي عانى لاكثر من اربعين عاما من الديكتاتورية وفسادها.Twitter: @abdelbariatwan