ازدادت بعد اعلان الملك عبد الله الثاني مؤخرا عن اقامة مئذنة خامسة داخل الحرم تحمل اسم والده
قبل عشرات السنين خطط رامي زايت، وهو أديب من كريات اربع، ومهندس العمارة المقدسي جدعون حرلاب، خطة مفني نيغفوو (مبني نقب). أرادت الخطة ان تفتح الباب المثلث في جنوب الحرم القدسي (أبواب الخُلد)، وجعل الأبهاء تحت الارض في اسطبلات سليمان في جنوب شرقي الحرم القدسي مكانا لصلاة اليهود.
الخطة هدفت الي الالتفاف علي مشكلات صعود اليهود للصلاة في الحرم. القصد الي المشكلات السياسية ـ التوتر بين اليهود والعرب، وبين الاسلام واليهودية حول مكان المسجد الأقصي وقبة الصخرة في الحرم ـ ومشكلات شرعية، تتصل بقدسية الحرم وبمنع اليهود من ناحية شرعية من الدخول اليه.
بعد مضي وقت فقط تبنت حركات جبل الهيكل المعتدلة هذه الفكرة. معلوم اليوم ان التغيير الأكثر أهمية في الوضع الراهن منذ 1967 ـ اعداد اسطبلات سليمان كمسجد ثالث في الحرم، يزيد في مساحته علي مساحة الأقصي وقبة الصخرة معا ـ كان نتاجا مباشرا تقريبا لهذه الخطط. الحركة الاسلامية الاسرائيلية التي بادرت الي اقامة المسجد في اسطبلات سليمان، بحث في الحقيقة عن موطيء قدم في الحرم من اجل ان تُحسن مكانتها هناك، لكن الموضع الذي اختير، أي اسطبلات سليمان، كان نتاجا مباشرا للخطة اليهودية لاقامة كنيس هناك.
منافسة لتشكيل المئذنةبعد نحو عشر سنين من اقامة المسجد المرواني (المسجد تحت الارض في اسطبلات سليمان) في منتصف التسعينيات، تتعرض الزاوية الجنوبية الشرقية من الحرم القدسي مرة اخري الي الخطط، مما قد يثير جدلا. أعلن العاهل الاردني الملك عبد الله الثاني قبل بضعة اسابيع بما لا يرضي اسرائيل عن اقامة مئذنة خامسة داخل الحرم. خُطط لأن تُسمي المئذنة باسم الملك حسين والد عبد الله. أحد الاماكن المخصصة للمئذنة هو الزاوية الجنوبية الشرقية للحرم القدسي، وهي منطقة غير مبنية، تلك التي يوجد في أسفلها المسجد في اسطبلات سليمان. بل إن عبد الله الثاني أمر باقامة منافسة لاختيار المصمم الذي يخطط المئذنة، والتي يفترض أن تنضم الي مثيلاتها في باب الاسباط، وفي باب الغوانم، وفي باب السلسلة وفي باب المغاربة.
يستقبل اليمين المتدين محاولات الطمأنة غير الرسمية من قبل دار الحكومة بارتياب. في كل ما يتصل بالحرم القدسي، شبع من الانكارات التي ظهر عدم صحتها ـ سواء بالنسبة للمسجد الثالث في اسطبلات سليمان، أو المسجد الرابع في الأقصي القديم، أو الضرر الكثير الأثري الذي لا يُعد بالآثار القديمة في جبل الهيكل في زمن اعمال بناء الاوقاف علي امتداد السنين.
ربما بسبب ذلك يعرض الآن علي التخصيص عضو الكنيست اوري اريئيل (الاتحاد الوطني ـ المفدال) خطة منه لاقامة كنيس في الحرم القدسي. هو ايضا يشغل نفسه بالزاوية الجنوبية الشرقية من الحرم، وليس هذا عرضيا كما يبدو. يبحث اريئيل في هذه الايام عن مهندس عمارة، وهو ينوي أن يُقدم الخطة لتجيزها لجنة تخطيط بلدية القدس. لا يعني هذا ان لها احتمالا، لكن قد تثور ضجة. إن عملا كهذا سيُقوم مظلمة تاريخية أكثر من المجيء بعظام أبناء هرتسل، يقول اريئيل، علي امتداد العصور كلها طُردنا من المكان. هذه فرصة للعالم الاسلامي ليبرهن علي أنه متسامح بما يكفي ليستوعب اعتقادات تخالفه ايضا.
تدل الظروف علي ان الحصص الاردنية في الحرم في ارتفاع، أما حصص السلطة الفلسطينية ففي انخفاض. بعد سنين طويلة استعمل بها الاردنيون جهاز الأوقاف، طرد أفراد السلطة بالقوة المفتي الاردني من الحرم القدسي (الشيخ عبد القادر عابدين)، وعينوا بدلا منه مفتيا من قبلهم هو الشيخ عكرمة صبري.
تم كل هذا في بدء التسعينيات، بموازاة اتفاقات اوسلو، بعد سنين من تبرع الملك حسين بالمال لطلاء قبة الصخرة بالذهب. ابتدأت السلطة تدفع ايضا أجور أفراد الأوقاف التي جاءت من الاردن لسنين، علي نحو جزئي علي الأقل. ان حقيقة ان أفراد السلطة في الحرم قد أخذوا بسياسة مواجهة اسرائيل، أفضت في السنين الأخيرة الي تحول في التوجه الاسرائيلي.
في اتفاق السلام الذي وقع مع الاردن حصلت المملكة الهاشمية علي المكانة الرفيعة في المستقبل في كل ما يتصل بشؤون الحرم القدسي، لكن لم يكن هناك تعبير لسنين عن هذا الالتزام. تغير الوضع في السنين الأخيرة. أصبح الاردن مشاركا في افتتاح الحرم من جديد لزيارات السياح واليهود، بعد ثلاث سنين كان الحرم فيها مغلقا في وجه غير المسلمين. أُغلق الحرم في نهاية 2000، علي إثر زيارة رئيس المعارضة آنذاك، عضو الكنيست ارييل شارون للمكان. كان الاردن مشاركا ايضا بالتنسيق مع سلطة الآثار، والشرطة، وديوان رئيس الحكومة وجهاز الأوقاف، في اعادة بناء الجدار الجنوبي وترميم السور الشرقي، الذي ظهرت فيه صدوع وشقوق. هددت هذه، بحسب رأي المتخصصين، بالتسبب بانهيار أجزاء من الأسوار.
يُقدر المحامي الدكتور شموئيل باركوفيتش (مؤلف كتاب حروب الاماكن المقدسة )، ذو الخبرة الجيدة بدقائق العلاقات بين الجهات المختلفة في الحرم، ان الاردن يحاول الحصول علي موافقة اسرائيلية علي بناء المئذنة الخامسة، صدورا عن افتراض ان الأمر يندمج في التوجه الاسرائيلي الذي يري الاردن عامل تهدئة في الحرم بازاء الفلسطينيين والحركة الاسلامية الاسرائيلية. هذا التوجه الذي لا تخفيه اسرائيل، هو بالضبط ما يخيف حركات جبل الهيكل، التي تتخوف من تفاهم هاديء بين اسرائيل والاردن علي بناء المئذنة.
علي هذه الخلفية يلمس ثوران عند حركات جبل الهيكل، التي يُعد اريئيل واقتراحه طرف الجبل الجليدي فيها فقط. يخطط غرشون سلمون من مخلصي جبل الهيكل مثلا، لحملة تُضاد حائط البراق، الذي يصرف الانتباه في رأيه عن الشيء الحقيقي ـ الحرم القدسي ـ الذي يُعد الحائط ممرا ومدخلا فيه في الأكثر. إن الحائط ليس من بقايا الهيكل، كما يميلون الي التشويش، بل هو حائط الدعم الغربي للمكان، يذكر سلمون.
الخطاب عند نشطاء آخرين غير مختلف. يذكر باركوفيتش ان المنظمات اليمينية تري ان مئذنة اخري في الحرم القدسي ستُخلد السيطرة الاجنبية عليه. انه يرتقب معارضة شديدة من قبلهم للخطة، اذا تبين أن الحديث عن خطة عملية حقا. مسابقة رُسل الأجيال ان من يفضل في هذه الاثناء الحفاظ علي الصمت هو هيئة الحاخامات الرئيسة، ومع اعتبار هوية الحاخامين الرئيسين لا يفاجئنا الأمر. ينتمي الحاخام يونا متسغر والحاخام شلومو عمار الي المدرسة الحاخامية المحافظة، التي تري الحرم القدسي قضية لايام المسيح المخلص لا لأيامنا. يعارض متسغر وعمار، مثل وكيليهما الحاخامين اليشيف ويوسيف، دخول اليهود الحرم القدسي، لسببين شرعيين: انعدام امكانية الطهارة من دنس الميت قبل دخول الحرم باستعمال رماد البقرة الحمراء، وانعدام معرفة موضع قدس الأقداس الدقيق الذي لا يجوز دخوله، لمن عدا الكاهن الأكبر في ايام الغفران.
في ايام ولاية الحاخام الياهو بكشي دورون والحاخام اسرائيل مئير لاو، اللذين تمسكا هما ايضا بالحظر نفسه، تدخلت الحاخامية الرئيسة في قضية اقامة كنيس في الحرم القدسي، رغما عنها تقريبا. لم تكن اذا منظمات اليمين أو حركات جبل الهيكل هي التي أثارت الفكرة آنذاك. في تلك الفترة، في زمن محادثات كامب ديفيد في 2000، لم يكن ذلك سوي رئيس الحكومة ايهود باراك، الذي أثار امكانية اقامة كنيس في الحرم، مقابل التخلي عن نصيب جليل من السيادة.
حدد مجلس الحاخامات الرئيس آنذاك ان الحرم القدسي يجب ان يظل تحت سيادة اسرائيل، لكن احدي النتائج المفارقة لاجراءات باراك كانت أنه بعد 33 سنة، رفضت فيها الحاخامية كل امكانية لصلاة اليهود في الحرم لاسباب شرعية، أُقيمت لجنة من قبل الحاخامية، مهمتها أن تفحص علي نحو شكلي علي الأقل، امكانية اقامة كنيس في الحرم أو علي أسواره.
عُين رئيسا للجنة الحاخام شار يشوف كوهين، الحاخام الرئيسي لحيفا. اجتمعت اللجنة برئاسته عدة مرات وبحثت في عدد من المواقع البديلة لاقامة كنيس، لكنها لم تصل الي قرار البتة. كانت اقامتها بمنزلة دعوة توجيه الي المستوي السياسي، أو كما صاغ ذلك الحاخام لاو: نحن في سباق رُسل الأجيال، وكل حقنا في ارض اسرائيل ينبع في واقع الأمر من حقنا الأساسي في جبل الهيكل. ان طلب المسلمين المكانة الرفيعة في الجبل لا أساس له. وُلد الاسلام بعد 550 سنة من خراب الهيكل الثاني.
كان لدي الطرف الاسلامي تفسير آخر لاقامة اللجنة. اتهم الخطيب في الحرم القدسي، الشيخ حيان الادريسي قائلا: انهم يتحدثون عن كنيس من اجل ألا يثيروا الجو، لكنهم ينوون بناء هيكلهم في الأقصي. المسلمون مستعدون للتضحية بحياتهم وبدمائهم للحفاظ علي الطابع الاسلامي للقدس وللأقصي.
عرضت خطتان أخريان لبناء كنيس في الحرم القدسي في السنين الأخيرة. احداهما للحاخام موردخاي الياهو، الذي كان هو ايضا حاخاما رئيسيا في الماضي. زعم الياهو قبل سنين: يجب طرد الاجانب من جبل الهيكل وبناء كنيس هناك. نحن نري بأعيننا كيف تسير الثعالب فيه، والمكان الذي قيل فيه الاجنبي الذي يقترب يموت، يسير فيه الاجانب ويدنسونه، كتب الياهو في مجلة تحومين. لا ينبغي الخوف مما سيقولون. اقتراحي هو بناء كنيس ومكان للتوراة وللصلاة في المكان الذي يجوز دخوله، وأن يكون الدخول والخروج مراقبين.
في كونه حاخاما رئيسا حصر الياهو اقتراحه أكثر واقترح بناء كنيس في الزاوية الجنوبية الشرقية من الحرم، وراء المسجد الأقصي، بشرط أن يكون المبني الذي سيقام أعلي من المسجد. وأثار الياهو ايضا امكانية أن يُبني أحد حيطان الكنيس، ذاك الذي يتجه الي المكان المقدس من الزجاج.
هناك اقتراح آخر لاقامة كنيس في الحرم القدسي هو اقتراح مهندس العمارة جدعون حرلاب، الذي أثاره علي خرائط تخطيط مدني كـ تغيير للخطة الهيكلية 62 للقدس، من قبل جمعية طالبي الهيكل برئاسة البروفيسور هيلل فايس. نشرت في مجموع كومو فنعليه (تعالوا نصعد)، بتحرير الحاخامين يهودا شفيف واسرائيل روزان. عرض حرلاب للتفصيلات، بل أعد تقديرا ماليا للاقتراح. ستبلغ كلفة التخطيط والتنفيذ بحسب حسابه نحوا من 8 ملايين دولار. هذا التقرير، بيّن حرلاب هناك، جاء ليُعلم السلطات المخولة انه من ناحية هندسية، وعمارية وتخطيطية، يوجد مجال حلول واسع يُمكّن من مكان لصلاة اليهود في جبل الهيكل، مطلوب منذ ايام بعيدة، وعلي أية حال توجد حلول لسبل وصول المصلين من الديانات المختلفة، بلا تشويش متبادل، وبحسب الشرع اليهودي. ذكر المبادر الي الاقتراح، الذي نشرت في اطاره خطة حرلاب، الحاخام اسرائيل روزان، رئيس معهد تسوميت في غوش عصيون، أن الصهيونية العلمانية ابتعدت عن الجبل وعن توراته، في حين أنه هو ورفاقه يريدون إضاءة مواقف توراتية، طموحة ترفع المعنويات.
نداف شرغايمراسل شؤون القدس والاستيطان(هآرتس) 31/10/2006