إلى أين وصلنا؟ وصلنا إلى وضع يقوم فيه أحد بـ “عملية تأثير” على مواطني الدولة باستخدام ما تم عرضه وتقديمه كوثائق “مزيفة ومشوهة” أخرجت عن سياقها. في كانون الثاني، ثمة بطاقة كتبت بخط اليد ووجدت الطريق إلى عميت سيغل. تم عرضها في نشرة “أخبار 12” باعتبارها وثيقة غنيمة عثر عليها في نفق قرب المكان الذي كما يبدو كان فيه السنوار. في الأسبوع الماضي، جاء دور صحيفة “بيلد” الألمانية وصحيفة “جويش كرونيكال” البريطانية لوضع اليد على وثائق من حاسوب السنوار الشخصي وحاشيته القريبة. الحديث يدور في الحادثين عن هراءات. هذا أمر سخيف وربما يكون مضحكاً، هذا إذا لم يكن مزعجاً ومخيفاً جداً.
الخبراء في اللغة العربية، الذين سارعوا في حينه إلى فحص البطاقة التي لوح بها سيغل، لم يسيطروا على أنفسهم بسبب حجم هذه الفضيحة (الخط والصياغة وما شابه). من يعرف القليل عن صحيفة “بيلد” لن يتفاجأ؛ فهي صحيفة ألمانية شعبية متخصصة في العناوين اللامعة والفضائح والشائعات، وصحيفة “جويش كرونيكال” صحيفة معروفة نسبياً في أوساط يهود بريطانيا. هاتان الصحيفتان تتمتعان بود ودفء في بلاط نتنياهو.
للدهشة، كحال سيغل في كانون الثاني، فإن هذا النشر ردد بدقة صفحات رسائل رئيس حكومة إسرائيل. لقد نسبوا للسنوار رغبته في زيادة الضغط على غالنت وعائلات المخطوفين والمتظاهرين في الشوارع من أجل التوصل إلى صفقة التبادل وإنهاء الحرب. ما هو بين السطور خطير. من بادر ونفذ عملية التأثير أراد خلق علاقة ووحدة مصالح بين حماس ووزير الدفاع الإسرائيلي وعائلات المخطوفين ومعظم الجمهور المؤيد الصفقة. خطوتان، ليس أكثر، من نفث ماكينة الوحل سمها على المتظاهرين (“يجب إقالة غالنت”، “مذبحة كابلان”، “نخبة أخوة السلاح”)، وتهديد عيناف تسنغكاوكر بالقتل.
هذه ممارسات شائعة في الأنظمة الدكتاتورية، ودعاية وتلاعب بالرأي العام، مع نشر أخبار كاذبة وزرعها في جهة ثالثة. هذه الجهة قد تكون “شخصاً هستيرياً”، أي أنه مستغل ومتعاون رغم أنفه، أو على الأقل ساذج في نواياه. هذا لا يهم. مع مرور السنين، تراكمت في إسرائيل معرفة غنية لهذه التقنية، سواء في جهاز الاستخبارات أو الشركات الخاصة، التي تبيع خدمات الاستشارة وكسب التأييد لحملات سياسية ودكتاتوريين في أرجاء العالم.
حتى الآن، لا نشهد مثل هكذا نشاطات استخدمت ضد مواطني الدولة نفسها. يصعب شرح خطورة ذلك وعمق إهانته، أثناء الحرب أو بشكل عام، لأن المعنى العميق هو أن مواطني الدولة الذين لا تروق الحكومة مواقفهم ولا أفعالهم، يعتبرون أعداء، حتى وزير الدفاع الذي لا يتساوق مع رئيس الحكومة ومساعديه.
ليس غريباً أن فتح جهاز الأمن تحقيقاً مستعجلاً هذه المرة، فالمواد المشوهة (أو غير الموجودة على الإطلاق) التي تم تسريبها للبريطانيين أو الألمان جُمعت بعمل استخباري. هذه جريمة أمن معلومات خطيرة جداً. يجب توصية المحققين بالبدء في فحص زيارة باول روزنهايمر الأخيرة إلى إسرائيل، وهو مراسل صحيفة “بيلد”، الذي وقع على النبأ هو ونائب محرر الصحيفة. كان هنا قبل شهر فقط، ومن المهم معرفة من دعاه ومن رافقه ومن الذي التقى معه. حتى قبل ذلك، يجب إجراء تحقيق وانتقاد ذاتي عميق في وسائل الإعلام الإسرائيلية التي سارعت إلى ترديد هذه الهراءات. تذكير: دورهم خدمة الحقيقة والمشاهدين والقراء، وليس نتنياهو.
أوري مسغاف
هآرتس 12/9/2024