لندن ـ ‘القدس العربي’: هل بات اليمين المتطرف اخطر من القاعدة وهل كان انشغال الامن الاوروبي واستخباراته بالارهاب الاسلامي وراء تصاعد اليمين المتطرف والدموي الطابع سببا في مجزرة اوتويا في النرويج؟ اسئلة تطرح على مائدة المحللين الاوروبيين الذين صاموا يوم الجمعة على القاعدة بعد الانفجار الذي استهدف مقر الحكومة النرويجية وافطروا على اندريس بريفيك الذي فتح النار على شباب كانوا في معسكر صيفي في الجزيرة النرويجية الهادئة. وبعيدا عن الاسئلة التي تطرحها المجزرة وان كان المنفذ للعملية قد خطط لها وحده ام مع خلايا اخرى كما قال يميني بريطاني متطرف من مجلس الدفاع الانكليزي الذي نشأ من داخل الطبقات العاملة ويقوم بتظاهرات مستفزة لمشاعر المسلمين ويتهجم عليهم ويتهمهم بمحاولة تطبيق الشريعة الاسلامية وفرض الاسلام على بريطانيا.
ولم يرد اسم هذه الجماعة فقط فالمانفستو الذي وضعه بريفيك على الانترنت وجاء في 1500 صفحة تحدث عن علاقاته بجماعة اليمين الروسية والامريكية، مما يطرح اسئلة حول اثر ادبيات هذه الجماعات على اليمين المتطرف الصاعد في اوروبا منذ العقد الاخير من القرن الماضي والذي تغذى احيانا من دعم السياسين وما جرى في هولندا من تحديات صارخة لمشاعر المسلمين من السياسي المتطرف غيرت ويلدر، ومنع الحجاب في فرنسا ومنع المنارات في سويسرا، والصور الكاريكاتيرية في الدنمارك، والعنصرية ضد المسلمين والمهاجرين ما هي الا صورة عن تطور افكار اليمين التي تستخدم احيانا من الاحزاب السياسية التي تستخدم التخويف من المهاجرين والاسلام وسيلة للحصول على اصوات في صناديق الاقتراع. ومن هنا يلحظ ان الكثير من المعلقين والمحللين في بريطانيا وحتى في النرويج استفاقوا للخطر المحدق بهم من داخل مجتمعاتهم والناجم الان ليس من المسلمين والمتطرفين المسلمين بل المتطرفين البيض من سكان البلاد الاصليين، والذين يجدون دعما من مثقفين يحذرون من اسلمة اوروبا ويمين محافظ جديد في امريكا متورط معهم. ومن هنا فان الحلقة البريطانية في الارهاب النرويجي باتت محلا للتركيز حيث قال احد ناشطي مجلس الدفاع الانكليزي ان بريفيك زار بريطانيا في العام الماضي في اذار/مارس حيث جاء لمشاهدة المتطرف الهولندي غيرت ويلدر، واثناء الزيارة التقى مع قادة المجلس المتطرف، حسب مسؤول في الجماعة داريل دوبسون على الرغم من انكار زعيم المجلس ستيفن لينون ليلة الاثنين في مقابلة مع بي بي سي ـ 2 اية علاقة ببريفيك. وحذر لينون من ان سيناريو مثل النرويج قد يحدث في بريطانيا، لكن دوبسون قال ان السفاح النرويجي كان على اتصال مع 600 من اعضاء المجلس وانه ترك عليهم اثرا سحريا. وتقوم الشرطة البريطانية بالتحقيق ان كان بريفيك قد بدأ حملته والتخطيط لها عندما جندته جمعية سرية في بريطانيا وان مرشدا بريطانيا ارشده اسمه ريتشارد ‘على اسم ريتشارد قلب الاسد’ وكان وراء ما عمله، وهو ما ادى برئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون للتصريح ان بريطانيا ستعيد النظر وتراقب نشاط الجماعات اليمينية المتطرفة. ونقلت صحيفة ‘ديلي تلغراف’ عن مسؤول اخر قوله ان بريفيك قابل اعضاء في مجلس الدفاع البريطاني اثناء زيارة ويلدر، وقال انه تحدث الى بريفيك مرات من خلال ‘فيسبوك’، ووصفه بالذكاء والفصاحة والدماثة. وقارن المسؤول من مجلس الدفاع بريفيك سحره بسحر هتلر. وتقول مصادر في المجلس ان بريفيك بدأ يدعو اعضاء المجلس للتسجيل في موقعه على الفيسبوك منذ عام 2009. واضاف ان زيارة ويلدر كانت مهمة لليمين خاصة ان الهولندي كان شخصية بارزة في العداء للاسلام وكان كل عضو يتحدث عنها ويفترض انه في حالة مجيء بريفيك من النرويج وهو المعروف على صفحات فيسبوك فان قادة مجلس الدفاع كانوا سيقابلونه، خاصة ان شخصا في ذكاء بريفيك كان سينورهم حول اسلمة اوروبا وطرق مقاومتها. وذكر اندريس بريفيك في المانفستو المكتوب بالانكليزية تحت اسمه الانكليزي ‘اندرو برويك’ اكثر من مرة علاقته مع اليمين المتطرف البريطاني، حيث ذكر انه قدم الى المجلس موادا ايديولوجية، واقترح امكانية ان يكون شخصان من فرسان المعبد في لندن عام 2002 من مؤسسي المجلس. ومع ان المانفستو موقع بتاريخ العام الحالي ويقترح انه مكتوب في لندن الا ان التحقيقات الاولية لم تشر بعد الى ان هذا حقيقة، ومن هنا فقد تم انشاء وحدة تحقيق اوروبية مكونة من 50 ضابطا، مركزها لاهاي الهولندية وطلبت مساعدة من عدد من الدول منها بريطانيا وذلك لتحليل مواد كثيرة على الانترنت تتعلق بناشطين متطرفين. ونقل عن مسؤولة في الوحدة قولها ان المواد المتوفرة على الانترنت تقترح ان المتطرفين كانوا ناشطين وقادرين جيدا على استخدام الانترنت والشبكات الاجتماعية. فالوثيقة او المانفستو تظهر او كما يزعم بريفيك انه كان ناشطا في حركات اليمين منذ فترة مبكرة ففي الثالثة والعشرين من عمره، كان عضوا في فرسان المعبد التي وصفها بانها جماعة تضم متعلمين ورجال اعمال من كافة انحاء اوروبا ويقودها قائد صربي. ويزعم انه حظر على من حضر اللقاء التواصل عبر الانترنت والهواتف خوفا من اكتشاف امرهم.
لا مقارنة مع القاعدةوعن المقاربة بين خطر اليمين المتطرف وخطر القاعدة كتب اندرو غيليغان مقالا في ‘ديلي تلغراف’ حيث قال ان خطر اليمين المتطرف ليس الا فعلا غوغائيا مقارنة مع الخطر الاسلامي وعلق على ما قاله روبرت لامبريت من مركز الابحاث الاسلامي الاوروبي في اكستر، من ان المتطرفين الاوروبيين يمثلون خطرا اكبر من القاعدة وما قاله ابراهيم هيويت من انتربال الخيرية من ان التطرف اليميني في تصاعد وهذا بسبب تورط السياسيين ودعمهم غير المباشر. ومع اعتراف الكاتب ان من قتلهم بريفيك يزيد عما قتله اي اعتداء اسلامي بمرات، ومع ان القاتل معاد للاسلام الا ان الكره ليس الدافع الاساسي له، فلو كان لحمل بندقيته وذهب الى اي مسجد في اوسلو وقتل. ويرى الكاتب ان اقتراح المساواة بين عنف اليمين والتطرف الاسلامي بناء على عمل واحد خطير وبعيد عن الصواب. ويواصل قائلا ان بوب لامبريت لم يقرن بين الخطرين فقط بل نشر في العام الماضي تقريرا حول تصاعد العنف ضد المسلمين من الجماعات المتطرفة، وخلافا لما يقوله يرى غيليغان ان المشاعر المعادية للمسلمين في تراجع، مشيرا الى ان نسبة الجرائم بدافع عنصري تراجعت في انكلترا وويلز الى 11.4 بالمئة. ويحاول الكاتب تقديم ادلة اخرى عن تراجع الجريمة المدفوعة بدافع عنصري ديني في لندن ومناطقها التي تعيش فيها غالبيات مسلمة. ويرى ان مجلس الدفاع البريطاني، يعتبرعامل ضعف وليس عامل قوة بالنسبة لليمين المتطرف خاصة ان الحزب القومي البريطاني خسر كل مقاعده في المجالس المحلية وهو حزب اكثر تطرفا من مجلس الدفاع. وعلى خلاف التطرف الاسلامي يرى غيليغان ان كل الجرائم التي ارتكبها المتطرفون البيض هي افعال فردية وليست منظمة وهو ما يبدو في جريمة بريفيك. ويشير الى ان عدد الذين قبض عليهم من المسلمين الذي يخططون لعمليات ارهابية زاد عن 138 مقارنة مع العدد القليل من خطط المتطرفين البيض. ويذهب بعيدا للقول الى ان هؤلاء قتلوا في بريطانيا وغيرها ما لا يزيد عن 200 مقارنة مع 4 الاف قتلتهم القاعدة. ويختم بالقول ان التطرف الابيض عادة ما ينظر اليه بالشجب مقارنة مع التطرف الاسلامي الذي يجد دعما من سياسيين من مثل كين ليفنجستون، عمدة لندن السابق. النازيون الجددوخلافا لتحليل غيليغان المتحيز يرى الكاتب النرويجي اسلاك سيرا ميهري، في مقال في ‘الغارديان’ ان جريمة بريفيك هي الاكبر في النرويج منذ الحرب العالمية الثانية. ويقول ان الارهاب في النرويج لم يات من المتطرفين الاسلاميين ولا من اليسار المتطرف، على الرغم من ان كلا الجماعتين عادة ما تتهمان بانهما خطر على ‘طريقة حياتنا’. واضاف ان العنف في النرويج ولعقود طويلة كان تخصصا من تخصصات النازيين الجدد، ففي سبعينات القرن الماضي مكتبات وتظاهرات عيد العمال العالمي، وفي الثمانينات من القرن الماضي اعدمت الجماعة اثنين منها لشكها في ولائهما. وفي العقد الماضي تم قتل صبيين من اصول غير نرويجية في هجمات عنصرية. وقال: ان جماعة اجنبية لم تقم بقتل نرويجيين خلال العقود الماضية باستثناء قتل الموساد الاسرائيلي شابا اعتقد انه مسؤولا فلسطينيا 1973 في ليليهامر. وعلى الرغم من هذا التاريخ فانه عندما حدث التفجير سارعنا في اتهام الجهاديين. وتم شجب الهجوم باعتباره هجوما على حياتنا وطريقتها وتم الهجوم على سيدة محجبة في اوسلو العاصمة. ويضيف انه ولعشرة اعوام مضت والنرويجيون يلقنون ان الخطر قادم من الشرق، حيث يتم فحص من هم من لون اخر في الغرف الخاصة في المطارات ويتم النقاش في الاعلام حول حدود التسامح. وقال ان العالم الاسلامي اصبح ‘الاخر’ لدرجة ان النرويجيين باتوا يفكرون ان ما يفرق ‘بيننا’ و ‘بينهم’ هو ان تقتل بدم بارد. ويرى ان هناك اسبابا تدعو للشك في الخطر الاسلامي وهي مشاركة النرويج في افغانستان والعراق واستعدادها لقصف طرابلس. ومع ذلك فان الحرب لم تذكر عندما حدث التفجير بل كان رد الفعل لا عقلاني لان الفاعل يجب ان يكون ‘هم’ وهو ‘ما شعرت به نفسي’ فقد ‘خفت ان الحرب التي شاركنا فيها جاءت الى عقر دارنا’. وتبين فيما بعد انهم ليسوا من فعلها بل الخطر ‘كامن في قلب الظلمات المدفون فينا’، الارهابي ابيض نوردي وليس مسلما بل كاره للمسلمين. وعندما تم التعرف على القاتل فان العنف نسب اليه وحده ‘ارهابي’ ولم ينسب للجميع ‘ارهابيون’ ويتساءل ان كان الوضع مقلوبا وان الفاعل ‘مجنون جاء من خلفية اسلامية’. فماذا سيكون رد الفعل. ويتحدث عن الجو الخانق من الاسلاموفوبيا التي تنتشر في الاعلام وعلى صفحات الانترنت التي تسهم في الجنون الذي قام به اندريس بريفيك، فالاخير كان عضوا في اكبر الاحزاب السياسية النرويجية وهو الحزب اليميني الشعبي، وترك الحزب واخذ يكون ايديولوجيته المعادية للاسلام. ويختم بسخرية قائلا: انه عندما اعتقد البعض ان فاعل التفجير هو ارهاب دولي اسلامي سارع كل من باراك اوباما وديفيد كاميرون للقول انهما سيقفان الى جانب النرويج في كفاحها ضد الارهاب الاسلامي والان ما هو الكفاح الذي سيقفان ضده؟ ويضيف ان تصريح رئيس الوزراء النرويجي جين ستولنبيرغ بعد الهجوم الاول كان ان النرويج ستكافح الارهاب بالديمقراطية وهو امر يختلف عن موقف جورج بوش في مرحلة ما بعد 9/11 حيث باشر بحملة انتقامية من العالم الاسلامي. ومع ان كلا م جين ستولنبيرغ جيد الا ان ما بعد الجريمة يجب ان لا يهز النرويج فقط بل اوروبا، ‘نريد ان نستخدم هذا الحادث لان نتخلص من اللاتسامح والعنصرية والكراهية التي تتزايد، ليس في النرويج او اسكندنافيا بل في كل اوروبا’.