اسبانيا مرشحة الي احتلال موقع فرنسا كشريك سياسي واقتصادي للمغرب في المستقبل
بسبب الانقراض التدريجي للسياسيين الفرنسيين الذين كانوا يتعاطفون مع القضايا المغربيةاسبانيا مرشحة الي احتلال موقع فرنسا كشريك سياسي واقتصادي للمغرب في المستقبلمدريد ـ القدس العربي من حسين مجدوبي:يسود الاعتقاد في الأوساط السياسية والأكاديمية الاسبانية ونسبيا المغربية أن التحسن الحالي في العلاقات الثنائية بين مدريد والرباط وفي حالة استمرار الحوار البناء قد يجعل من اسبانيا المخاطب الرئيسي للمغرب أمام الاتحاد الأوروبي والشريك الاقتصادي الأول بدلا لفرنسا، وهو أمر قد يتحقق خلال المدي المتوسط لا سيما وأن العلاقات الفرنسية ـ المغربية مرشحة للتراجع لأسباب متعددة أبرزها الانقراض التدريجي للسياسيين الفرنسيين الذين كانوا يتعاطفون مع القضايا المغربية.وتاريخيا كانت اسبانيا المخاطب الرئيسي والشريك الاقتصادي الأول للمغرب منذ القرون الوسطي الي غاية منتصف القرن التاسع عشر بعدما بدأت فرنسا تحتل ذلك المركز تدريجيا نتيجة عاملين أساسيين، الأول التواجد الفرنسي في الجزائر منذ الثلاثينات من القرن التاسع عشر والرغبة الملحة لباريس في ضم المغرب، وثانيا التدهور الكبير للعلاقات المغربية ـ الاسبانية في أعقاب حرب تطوان في شمال المغرب سنة 1860.الاستعمار هو الذي جعل من فرنسا تتحول الي الشريك الاقتصادي والسياسي الأول، وكانت مرشحة لفقدان هذه الصفة في أعقاب الاستقلال سنة 1956 كما جري في الكثير من المستعمرات التي حصلت علي استقلالها وقطعت مع الدول التي استعمرتها مثل مصر وليبيا وسورية والجزائر، حيث أعادت بناء العلاقات من جديد مع القوي الاستعمارية السابقة علي أسس متكافئة وليس تبعية.وما زالت الجزائر الي يومنا هذا تمتنع عن التوقيع مع فرنسا علي اتفاقية الصداقة طالما لا تعترف باريس بجرائمها إبان الحقبة الاستعمارية.والواقع، ووفق الخبراء في العلاقات الفرنسية المغربية فان متانة هذه العلاقات لا تعود الي التواجد الاقتصادي والثقافي الفرنسي في المغرب بقدر ما تعود الي عوامل أخري، في المقام الأول ميل الملك الراحل الحسن الثاني الي الثقافة الفرنسية وبالتالي كان يري في ربط مصير بلاده بهذا البلد الأوروبي بمثابة ربط العربة بالحصان لتحقيق التقدم، وفي المقام الثاني أن الحسن الثاني كان يري في التواجد الفرنسي أداة للحفاظ علي العرش والمؤسسة الملكية في وقت كان فيه اليسار وجزء من المؤسسة العسكرية يرغبان في تحقيق حلم الجمهورية علي الطريقة الناصرية، ولهذا عزز علاقاته بمجموعة من السياسيين الفرنسيين.في غضون ذلك، هناك عوامل متعددة وإن كانت غير واضحة بالكامل لأنها ما زالت في التبلور تشير الي تغييرات قادمة ستحصل في العلاقات بين باريس والرباط ولكن نحو التراجع التدريجي، بعضها يلاحظ حاليا والآخر قد يلمس علي المستوي المتوسط والبعيد، وفق عدد من الدراسات التي نشرتها مجلات اسبانية متخصصة في البحث الأكاديمي مثل مجلة السياسة الخارجية الاسبانية .ومن ضمن هذه المؤشرات: أن نسبة ووزن السياسيين الفرنسيين الذين كانوا يتعاطفون مع المغرب منذ الخمسينات في تراجع مستمر سواء لأنهم رحلوا عن هذا العالم أو لأنهم انسحبوا من الساحة السياسية ولم يعد لهم تأثير وازن في مجري الأحداث كالذي كانوا يتمتعون به في الماضي. في الوقت نفسه، القصر الملكي المغربي لم يعد يعتني كثيرا بالعلاقات مع هؤلاء لولا يعمل علي تطويرها ولم يفكر في نسج علاقات مع مخاطبين جدد من السياسيين الفرنسيين الذين يعرفون عن المغرب سوي مدينة مراكش لقضاء عطلهم عكس السابقين الذين إما ولدوا أو عملوا في المغرب. ويذكر أن من ضمن السياسيين القلائل الذين لهم وزن في فرنسا ويتبني أفكار وأطروحة شيراك تجاه المغرب هو رئيس الحكومة الحالية دومنيك دو فيلبان المولود في المغرب. هذا الأخير الذي يعيش أزمة سياسية حقيقية بعد فشل مشروعه الخاص بقانون العمل وفضيحة التجسس علي الحسابات البنكية.ولا يستبعد المراقبون دورا رئيسيا للشركات الكبري، فهذه الشركات تعتبر الجزائر سوقا أكبر بكثير من المغرب نظرا للسيولة النقدية التي تتوفر عليها بسبب البترول والغاز ونظرا لحاجياتها لتطوير عدد من البني التحتية والقطاعات.ويري المراقبون أن الجزائر لن تسهل العلاقات الاقتصادية والسياسية لفرنسا إلا علي حساب المغرب وتدرك الطبقة الاقتصادية الفرنسية هذا جيدا، ولهذا فهي قد تضغط علي الاليزيه في هذا الشأن. ومثال علي ذلك ما حصل خلال الشهور القريبة الماضية عندما اضطرت شركة توتال الفرنسية للانسحاب من التنقيب عن البترول في الصحراء المغربية حتي تحصل علي رخص التنقيب في الجزائر.ويبقي هناك عامل لا يمكن التقليل من قيمته وأهميته وهو أن ملك البلاد، محمد السادس وعكس أبيه الملك الراحل الحسن الثاني ينجذب الي الثقافة الأنجلوسكسونية أكثر من الفرنكاوية.وتتزامن هذه التطورات في العلاقات المغربية ـ الفرنسية، أي التراجع التدريجي مع التقدم الحاصل في العلاقات المغربية ـ الاسبانية، ولا يعتبر وليد اليوم بل يعود الي قرار الملك الراحل في أعقاب توتر العلاقات مع الرئيس الفرنسي فرانسوا ميتران وصدور كتاب صديقنا الملك بإعطاء اسبانيا دورا أكبر في المغرب وهو ما استغله رئيس الحكومة الاسبانية فيلبي غونثالث وقتها للدفع بهذه العلاقات ووضع الأسس الحقيقية لعلاقات متينه بين البلدين، ولكن خليفته في المنصب خوسيه ماريا أثنار فشل في تطوير هذه العلاقات.ومع مجيء زعيم الحزب الاشتراكي خوسيه لويس رودريغيث سبتيرو الي الحكم تطورت هذه العلاقات بشكل كبير للغاية لأنه حصل تفاهم بينه وبين الملك محمد السادس. ويبدو هذا التطور في التفهم الكبير من طرف مدريد للقضايا والمشاكل المغربية، ويكفي أن سبتيرو يحاول منذ سنتين إيجاد حل لنزاع الصحراء الغربية ولا يخفي تأييده للحكم الذاتي، كما جاء في كتاب الصحافي إغناسيو سيمبريو الذي التقط تصريحا لهذا السياسي في صيف 2002 يقول فيه لا أعتقد أن مزيدا من تقرير المصير ومزيدا من القومية أو نواة دولة مستقلة ستكون ضمانة لتقدم الشعوب، يجب أن نكون متضامنين مع الصحراويين ولكن دون أن نبقي أسيري أخطاء الماضي .في الوقت نفسه، تحول وزير الخارجية المغربي الي أكبر مدافع عن مصالح المغرب في الاتحاد الأوروبي ووصل الأمر الي معارضة إصدار الاتحاد الأوروبي تنديدا بالتضييق علي الحريات في المغرب.مختلف الآراء تؤكد أن اسبانيا في الوقت الراهن تعتبر الشريك السياسي الأول للمغرب بحكم المواقف الأخيرة التي اتخذتها، وإذا نجح خوسي لويس رودريغيث سبتيرو في الانتخابات المقبلة لسنة 2008، وهو الأمر الذي لا يمكن استبعاده أبدا بحكم تقدمه في استطلاعات الرأي والشعبية الكبيرة التي يتمتع بها بعد نجاحه في إقناع إيتا الارهابية بالتخلي عن السلاح، ستكون العلاقات بين البلدين قد قطعت شوطا كبيرا، وينقصها فقط استثمار اسباني ليوازي الاستثمار الفرنسي ثم إيجاد حل مناسب لنزاع الصحراء .وهكذا، فالتطورات تصب في مصلحة اسبانيا أن تستعيد مكانتها كشريك اقتصادي وسياسي أول للمغرب، وهي المكانة التي فقدتها في أواسط القرن التاسع عشر.