الدوحة: فيما حرص منظمو بطولة كأس العالم 2022 لكرة القدم منذ اللحظة الأولى على عنصري الإرث والاستدامة في جميع تحضيراتهم لاستضافة هذه النسخة في قطر، يمثل استاد “أحمد بن علي” أحد النماذج الواضحة والصريحة على الالتزام بعنصر الاستدامة كما يقدم هذا الاستاد إرثا مهما لقطر والأجيال المقبلة.
وكما كان الحال في افتتاح استادي “خليفة الدولي” و”الجنوب”، استغل المنظمون في قطر واحدا من أهم الأحداث في الرياضة القطرية لافتتاح هذا الاستاد رسميا.
وبحضور أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني وأمام آلاف المشجعين، افتتحت فعاليات الاستاد الجمعة من خلال المباراة النهائية لبطولة كأس أمير قطر، والتي فاز فيها السد على العربي 2 / 1 ليتوج بلقب البطولة التي تحظى باهتمام كبير في قطر.
وكان استادا “خليفة الدولي” و”الجنوب” افتتحا أيضا من خلال نهائي نفس البطولة في 2017 و2019 على الترتيب.
وانضم استاد “أحمد بن علي” إلى الخدمة رسميا حيث أكد المنظمون أمس رسميا وعمليا على جاهزية الاستاد لاستضافة أي فعاليات في الفترة المقبلة تمهيدا لمشاركته المقررة في استضافة فعاليات بطولة كأس العالم 2022 بقطر ، والتي ستكون أول نسخة من المونديال في العالم العربي ومنطقة الشرق الأوسط.
وأصبح استاد “أحمد بن علي” رابع استادات المونديال التي يتم تدشينها رسميا بعد كل من “خليفة الدولي” و”الجنوب” و”المدينة التعليمية” فيما تستعد الاستادات الأربعة الأخرى لافتتاحها تباعا في الفترة المقبلة خاصة وأن العد التنازلي لآخر عامين على استضافة المونديال لم يبدأ إلا قبل شهر واحد فقط.
وتستضيف قطر فعاليات هذه النسخة من المونديال على ثمانية استادات عالمية جميعها تتمتع بتقنية التبريد عالية المستوى ، وتقام فعاليات البطولة خلال الفترة من 21 تشرين ثان/نوفمبر إلى 18 كانون أول/ديسمبر 2022.
وأقيمت المباراة النهائية لكأس أمير قطر أمس على استاد “أحمد بن علي” المونديالي بحضور 50 % من الطاقة الجماهيرية للاستاد الجديد، ووسط تدابير احترازية لضمان سلامة الجميع في ظل الإجراءات الوقائية المتبعة للحد من تفشي الإصابات بفيروس “كورونا” المستجد.
ونجح السد في الفوز بالمباراة بعد أداء مميز من الفريقين ليحرز لقب البطولة للمرة السابعة عشر في تاريخه ويعزز تصدره لقائمة الأندية الفائزة باللقب.
وأشاد السويسري جياني إنفانتينو رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) بجهود الإعداد لمونديال 2022، وتدشين رابع استادات المونديال.
وأكد إنفانتينو : “استاد أحمد بن علي صرح معماري رائع، وقد شهد خلال نهائي كأس الأمير أجواء مبهرة، فمقاعد المشجعين قريبة جدا من أرضية الملعب حتى في ظل التباعد الاجتماعي بين أماكن جلوس الجمهور. وكان من الواضح مدى حماس الحضور، وأثق أن هذا الملعب سيكون صرحا مثاليا لكرة القدم عندما يستضيف مباريات مونديال 2022 بعد أقل من عامين.”
وأضاف : “أتقدم بالتهنئة إلى دولة قطر على إنجاز أحدث استادات المونديال. ومن الواضح للجميع أن التحضيرات لتنظيم النسخة المقبلة من كأس العالم تتواصل على قدم وساق لاستضافة بطولة لا تنسى في تاريخ كأس العالم، ولأول مرة في العالم العربي والشرق الأوسط، وللمرة الثانية في قارة آسيا”.
وتبلغ سعة استاد “أحمد بن علي” 40 ألف متفرج، وسيتحول بعد إسدال الستار على مونديال قطر 2022 إلى المقر الجديد لنادي الريان.
وبالتمعن في تفاصيله الإنشائية والمعمارية الفريدة، يأتي استاد “أحمد بن علي” بتصميمه المميز في صدارة المشهد لمميزاته العديدة، وخاصة على صعيد الاستدامة البيئية، فقد أنشئ الملعب ليحل محل استاد “أحمد بن علي” القديم حيث استخدمت 90 % من مواد المخلفات والهدم في تشييد تلك التحفة المونديالية الجديدة، حسبما أكد منظمو المونديال.
وجاءت تلك الخطوات المحسوبة ضمن خطط اللجنة العليا للمشاريع والإرث لضمان أعلى معايير الاستدامة البيئية خلال عمليات التشييد الضخمة للمشروع الجديد، والتي حرصت منذ بداية عمليات إزالة ما تبقى من الاستاد القديم أن تخضع لأعلى المعايير البيئية، مع الحرص الشديد في كل خطوة.
وقال المهندس عبد الله الفيحاني، مدير مشروع استاد أحمد بن علي إنه ومنذ انطلاق الأعمال في عام 2014 كانت التوجيهات صريحة بتجنب الهدم الكامل للاستاد القديم، ولكن تفكيكه إلى أجزاء يمكن الاستفادة منها.
وأضاف: “وشملت تلك العناصر أجزاء خرسانية وأسلاك وأعمدة فولاذية وحديدية، وأجزاء من هيكل الاستاد القديم ذاته، وعناصر متنوعة كالأبواب والمقاعد والإضاءة، أزيلت جميعها حتى آخر قطعة منها.”
وبلغ حجم أعمال الردم المعاد استخدامه في أعمال تشييد الصرح الجديد 250 ألف متر مربع، كما استغلت بعض المواد في تشييد البنى التحتية المؤقتة كأماكن إقامة العمال وأعمال فنية عامة، حتى أصغر التفاصيل المتمثلة في بطاقات أرقام الكراسي القديمة والتي وزعت على عشاق نادي الريان كهدايا تذكارية من استادهم القديم.
وكشفت المهندسة بدور المير، مديرة الاستدامة والبيئة في اللجنة العليا للمشاريع والإرث، عن إنشاء ملاعب تدريب مؤقتة لنادي الريان الرياضي في وقت لاحق من بداية العمل في المشروع، مشيرة إلى استخدام العديد من أعمدة الإضاءة من الاستاد القديم بعد تفكيكها بعناية فائقة، وإعادة استخدامها في ملاعب التدريب القريبة من الاستاد.
وأضافت: “الدروس المستفادة من مشروع تشييد ملعب الريان كانت مثيرة للانتباه، وأنه شجع القائمين على المشروع والسوق المحلية للتفكير بطريقة جديدة… نعد الآن وثيقة استرشادية لأفضل الممارسات حول هذا الشأن، وسنشاركها مع قطاع الإنشاءات المحلي بالكامل”.
وفي الوقت الذي انعكست فيه تفاصيل المواد القديمة بين حداثة مواد الملعب الجديد، تظل الأشجار والنباتات المرفوعة من محيط الاستاد القديم شاهدة على مدى حرص القائمين على المشروع بالحفاظ على البيئة، بعدما قاموا بزراعتها مجددا، حيث أشار الفيحاني إلى أن طواقم العمل قامت بنقل نحو 200 شجرة إلى مشتل بالقرب من الملعب، وأعيد الكثير منها إلى الموقع الجديد، كما تسلمت وزارة البلدية والبيئة عددا من تلك الأشجار.
كما شهد بناء الاستاد تطبيق إجراءات وتدابير كفاءة الطاقة والمياه لتقليل الانبعاثات الكربونية الضارة، كما يضم موقع الاستاد ساحة خضراء تقدر مساحتها بـ 125 ألف متر مربع وأعيد فيها استزراع الأشجار التي كانت تحيط بالاستاد القديم، بالإضافة إلى نباتات محلية تتميز باستهلاك منخفض للمياه، وبذلك يجسد الاستاد الماضي العريق بحلة عصرية مستدامة.
وتولت شركة “رامبول” الدنماركية تصميم استاد “أحمد بن علي”، واستلهمت أبرز عناصر تصميم هذا الاستاد من عبق مدينة الريان التاريخية وشغف أهلها بالثقافة العريقة وتمسكهم بالعادات الأصيلة.
ولعل أهم ما يميز هذا الصرح الرياضي المونديالي هو ارتباطه الوثيق بالثقافة القطرية، إذ يجسد تصميم الملعب أصالة التراث والبيئة القطرية بأشكاله الهندسية وزخارفه البديعة التي تعكس بعض ملامح ثقافة قطر ونمط الحياة فيها مثل الترابط الأسري ، وجمال الحياة الصحراوية، وما تزخر به من حياة برية، والتجارة المحلية والدولية، وتجتمع كل هذه العناصر في شكل درع يرمز إلى معاني الوحدة والقوة والترابط التي طالما عرف بها أهل قطر.
وقال آلان تويدي، مدير المشروع في شركة رامبول: “أمضى فريق العمل وقتا طويلا في استكشاف مدينة الريان للوصول إلى فهم أفضل لثقافة وتاريخ هذه المنطقة الزاخرة بالتراث العريق. وتطلب ذلك إجراء بحث دقيق لحصر أبرز الملامح الثقافية التي تتمتع بها المدينة. وتوصلنا في النهاية لتقديم أربعة مفاهيم ليتضمن التصميم النهائي مزيجا من عناصر عدة تجسد هذه المفاهيم في أبهى صورة”.
وأشار تويدي إلى أن أهم ما يميز التصميم النهائي لاستاد “أحمد بن علي” هو توثيقه تاريخ وثقافة مدينة الريان والمجتمع القطري بشكل عام، ويظهر ذلك جليا في خمسة أنماط أو أشكال زخرفية تزين واجهة الاستاد والمنطقة المحيطة به.
وأضاف: “يرى الناظر إلى واجهة استاد أحمد بن علي رموزا تشير للترابط الأسري في المجتمع القطري، وأخرى تجسد ملامح من جمال الحياة الصحراوية وطبيعة الحياة البرية فيها، وأشكالا تعكس جوانب من التجارة الدولية التي تقف وراء النجاح الاقتصادي لقطر على مر العقود. ويجمع كل هذه الأنماط والرموز درع يذكرنا بكل معاني القوة والوحدة والولاء والانتماء”.
وانطلاقا من حرصها على الإلمام بكافة العناصر التاريخية والثقافية لمجتمع مدينة الريان عند تصميم هذا الاستاد، تواصلت شركة “رامبول” مع القائمين على نادي الريان، والذي سيتخذ من الملعب الجديد مقرا له بعد إسدال الستار على مونديال 2022، وذلك لضمان التخطيط المثالي لإرث الملعب المونديالي الجديد.
وقال تويدي: “تمكنا من خلال لقاءاتنا مع المشرفين على نادي الريان من التوصل لفهم أعمق لآلية عملهم وتطلعاتهم المتعلقة بإرث استاد أحمد بن علي. وحظينا بفرصة حضور آخر مباراة لنادي الريان في استاد أحمد بن علي قبل إغلاقه تمهيدا للبدء في بناء الاستاد الجديد في موقعه، الأمر الذي أسهم في تذكير فريق التصميم في كل مرحلة من مراحل التصميم بأهمية ملاءمة التصميم ليكون المقر الرسمي لنادي الريان بعد انتهاء المونديال”.
ويمثل تدشين استاد “أحمد بن علي”، الذي يستضيف مباريات في المونديال حتى دور الستة عشر، محطة هامة في الطريق نحو استضافة الحدث الرياضي الأضخم في العالم، ويجسد جهود قطر في المضي قدما في مشوار الاستضافة متجاوزة كافة التحديات والعقبات.
(د ب أ)