استباحة الفلسطيني قانونياً

عديدة هي الإجراءات التي يتخذها نظام الأبرتهايد الكولونيالي الصهيوني في فلسطين المستعمرة، ضد الشعب الفلسطيني، وغالبا ما تستند هذه الإجراءات والسياسات وتنطلق من أسس ومنطلقات عنصرية وإقصائية. مغلفة بتشريعات ومجموعة جمل أخلاقية وقانونية، الهدف منها تحميل عملية نزع إنسانية الفلسطيني بحمولة أخلاقية تكفل للمستعمر الصهيوني تفريغ ممارساته من العبء الأخلاقي.
غير أن بداية تشريع الإقصاء واستخدام سياسات القتل والإبادة والإقصاء، التي لطالما تبلورت وانطلقت من البناء القانوني والتشريعي الصهيوني، التي تتباهى به «دولة إسرائيل»، يمكن تتبعها منذ عهد الاستعمار البريطاني لفلسطين، ومنذ البداية كدأب أي قوة استعمارية شيدت بريطانيا الاستعمارية مبناها القانوني المتمثل، بما كان يسمى قوانين، أو أوامر الطوارئ، لكي تستطيع من خلال هذه القوانين إطلاق العنان لآلتها العسكرية والأمنية الاستعمارية، ما تمثل بسياسات الإعدام ومصادرة الأرض والاعتقال الإداري والإبعاد القسري، والإقامة الجبرية ومنع التجوال، وغيرها من الإجراءات التي تمت من خلالها استباحة الفلسطيني بطريقة قانونية، سمحت للمستعمر بالإمعان أكثر في قمع وإنهاء أي حالة مقاومة ضده، دون أدنى تأنيب ضمير.
ومنذ العهود الأولى والنكبة الكولونيالية، التي أوقعتها الحركة الصهيونية بالشعب الفلسطيني، شرعت منظومة الحكم الخاصة بها بتأسيس السياق التشريعي والقانوني الخاص باستباحة شاملة لكل تجليات الفلسطيني، انطلاقاً من الأرض والجسد والهوية، والثقافة والتاريخ، وغيرها من عوامل ومحددات الصمود والمقاومة، حيث استدخل الاستعمار الصهيوني آليات وقوانين الطوارئ البريطانية، التي جرى تنفيذها للمرة الأولى صهيونياً ضد فلسطينيي الداخل المستعمر منذ عام 1948، من خلال تطبيق نظام الحكم العسكري، بين عامي 1949 و1966، ومن ثم جرى دعم هذه الإجراءات المغلفة قانونياً بتشريعات أخرى لقوانين سنها الكنيست، البناء التشريعي الذي انطلقت وتنطلق منه سياسات استباحة الفلسطيني.
ولم يكتفِ الصهيوني بالتشريع فحسب، وإنما قام بتدعيم ذلك قانونيا، من خلال منظومة المحاكم الخاصة به، بدءاً من المحاكم العادية والمركزية، وصولاً إلى درة تاج القانون الصهيوني، ألا وهي المحكمة العليا التي تعد الصمغ اللاصق لمكونات الدولة الصهيونية، وتأتي المصادقة على قانون إعدام الأسرى في سياق هذه الاستباحة.
وليس غريباً أو مصادفة، أن تتم المصادقة على هذا القانون عبر أشد الحكومات الصهيونية يمينية وتطرفا، لأن هذا هو النهج المعهود، نهج الوحشية والعنصرية والإقصاء، التي تسعى الدولة الصهيونية إلى إخفائه، عبر ادعائها بأن نظامها القضائي والتشريعي هو الأكثر إنسانية وعدالة في الشرق الأوسط، وعليه ليس ثمة تفاجئ أو ذهول من سن الكنيست لقانون إعدام الأسرى، والمصادقة عليه تشريعياً، بحيث تتم إحاطة الفلسطيني هذه المرة، بقانون واضح، قانون يجهز موته تشريعياً ويستبيحه قانونياً، بعد ان كانت تجري عملية استباحته بلا قوانين وشرائع على مرأى ومسمع العالم.
وهنا يجب تسليط الضوء على دور المحكمة العليا الصهيونية في مسار استباحة الفلسطيني، حيث إنها تعتبر الجهة الأخلاقية الصهيونية الأعلى والأهم، التي عبر دعمها لإجراءات وسياسات الاستباحة، أسست لما يمكن ان نطلق عليه هنا قانون الأمن، وأمن القانون، لتغدو هذه المعادلة الوحشية مقولة أخلاقية صهيونية باردة في عقلانيتها ومنطق إبادتها بلا عوائق، أو تحديات ذاتية موضوعية، حيث قامت المحكمة العليا بتغطية وحماية ممارسات أمنية رهيبة ضد الفلسطينيين، ومن الأمثلة على ذلك استخدام الفلسطينيين المدنيين دروعا بشرية في مناطق الصراع والاشتباك مع المقاومة الفلسطينية، واستخدام إجراء التحقيق العسكري والتعذيب الجسدي ضد الأسرى الفلسطينيين في سجون الاستعمار الصهيوني، وفلسفتها اللاأخلاقية في تأكيد تشريع مصادرة الأراضي والاعتقالات، والإبعاد وكل ما يكفل القضاء على إمكانيات المقاومة ومحافظة الفلسطيني على وجهه الإنساني.
إن قانون إعدام الأسرى يأتي أيضاً في سياق سعي دولة الاستعمار الصهيوني نحو الدفاع عن ممارساتها الأمنية والعسكرية ضد الشعب الفلسطيني، التي تفجرت في غزة إبادة جماعية، حيث إنه عبر هذا القانون يعتقد المستعمر الصهيوني أنه سينجو من الملاحقة القضائية الدولية، والأهم أنه يعتقد أن ضميره الإنساني المدّعى، لن يتعذب من حجم وفظاعة القتل المشرعن، الذي يمارسه بحق الفلسطيني المعذب. وهذا ما يدعو أيضاً إلى فهم الآليات والمستويات التي من خلالها يشرع الصهيوني بالاغتيال والقتل والنسف والقصف، دون أدنى وازع أخلاقي ما قبل قانون إعدام الأسرى، هذه الآليات التي تبدأ من إجراء جمل ضميرية وعقلانية معينة داخل الوعي الصهيوني الجمعي، مفادها أن الفلسطيني ليس إنساناً، وإنما هو كائن معين بلا ملامح ووجه وهوية، ويجب أن يتم أقصاؤه بكل الطرق المتاحة، لتبدأ هنا عملية التصنيف، أي حشر الفلسطيني في خانة المخرب والإرهابي والعنيف والدموي والمتوحش، وبهذا تغيب الملامح والتمايز والتباين والأسماء الخاصة بالفلسطينيين، ليصبحوا فلسطينياً واحداً، كلهم متشابهون والتشابه هنا في هذه الحالة يغدو مخيفا لأنه يسهل من عملية الإقصاء والإبادة عبر حشر كل الفلسطينيين في تصنيف واحد. هذا التصنيف الذي أسس عليه قانون إعدام الأسرى والإبادة الجماعية، التي مورست بحق الشعب الفلسطيني في غزة.
إن تشريع القتل وقوننة سياسات الاستباحة، يسهم في كشف الوجه الحقيقي لدولة الاستعمار الصهيوني، هذا الوجه البشع والمشوه يمينيةً وتطرفاً وعنصرية، وهذا ما يجب استغلاله اليوم أكثر فأكثر، ليس في المحافل القضائية الدولية فحسب، وإنما في خطاب الحق الفلسطيني، الذي يتوجب نقله إلى العالم لعل الفلسطيني اليوم، من خلال تشكيل خطاب الحق المستند لمفاهيم المقاومة الشاملة يقوى على استعادة ملامحه وإنسانيته.

كاتب فلسطيني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية