من يأتي قبل من؟ العربة أم الحصان؟
هذا السؤال ليس اختباراً لما تبقى من عقولنا وليس امتحاناً لولوج وظيفة ما، وإنما هو سؤال من فيض الأسئلة التي تتراكم من حولنا لمحاولة استيعاب ما يحصل في منطقة خرج فيها العقل تاركاً خلفه الظلام والجنون.
هل التطرف سبب أم نتيجة؟ وهل ما تقوم به بعض التنظيمات «الإرهابية» و»المتطرفة» هو وليد لحظتها، أم هو نتيجة ماض تراكمت فيه كل عوامل الإرهاب الفكري والاجتماعي والسياسي، وكل عوامل التعصب والحقد والكراهية؟
في عام 2004 قامت إحدى الشبكات التلفزيونية بإنتاج مسلسل أطلقت عليه «الطريق إلى كابول»، وفي ذلك الزمن كانت «القاعدة» وحركة طالبان هما نجمي المسرح العالمي انطلاقاً من «قاعدة الجهاد» في أفغانستان، ورغم أنه لم يُتح لنا معرفة فحوى المسلسل، فإن الجميع تنبأ بأن أحداثه تدور حول ما أُطلق عليه «الأفغان العرب»، وكيف قامت بعض الدول بالتسهيلات المطلوبة لوصول هؤلاء إلى قاعدة للجهاد بعيدة المنال وبعيدة عن القضايا المحورية في العالم العربي. ولكن أمراً طارئاً (ومتوقعاً) في آن منع عرض المسلسل، فقد تلقت الشركة المنتجة تهديداً بأعمال انتقامية في حال عرضه، وهو ما أخذته الشركة على محمل الجد، وتم الاستسلام لمطالب «الإرهابيين» الذين يبدون أحياناً وكأنهم هبطوا من السماء، بدون داعم أو معين. في ذلك الحين كتبتُ مقالة سميتها «زمن الرعاع» نسبة إلى سيطرة فئة متعصبة موتورة على مقاليد الإبداع والفكر والفن، بل وانتصارها آنذاك على كل القوى الثقافية والفكرية والاجتماعية بفوهة بندقية. اعترض الكثيرون ممن قرأوا المقالة على تسمية «الرعاع»، رغم أن موقفي حينها كان واضحاً: «بقدر ما يقسم جورج بوش (الابن) العالم إلى أخيار وأشرار يقسم «المتعصبون» العالم إلى أهل الحق وأهل الباطل، ومثلما يطلق جورج بوش شعار: «من ليس معنا فهو ضدنا» يطلق الآخرون شعار: «من بدّل دينه فليس منا». كانت الفورة الدينية آنذاك لا تزال في أوجها وعزّ على الكثيرين المساواة بين أمريكا وحركة طالبان ومن وراءها، إلا أن الواقع يقول عكس ذلك تماماً.
وإذا قررنا البداية من المنطلقات النظرية التي تستند إليها كل التنظيمات التي تتخذ من الدين سنداً وقانوناً، فإننا نتوصل وببساطة إلى نتائج مذهلة، ترينا حجم النفاق الذي عاشت عليه الأنظمة العربية وأكلناه وشربناه وعلكناه وحشونا به أدمغة طلاب مدارسنا. تبتدئ المنطلقات النظرية لـ»داعش» وغيره بمسألة التوحيد، وهي مسألة لا تتوقف عند العبادة وحسب، فحينها لن يكون في الأمر إشكالية طالما يعبد كل فرد ما يريده، ولكن الأمر يتعداه إلى توحيد كل شيء، فلا صور ولا تماثيل ولا منحوتات ولا ما يمكن اتخاذه «إلهاً من دون الله»، وهم يبنون تفسيراتهم وبالتالي أفعالهم على فهمهم لهذا المعنى تحديداً، ولا معنى هنا للنقاشات «الفارغة» التي تدور هنا وهناك عن سبب ترك النبي العربي أو من خلفه من القادة أو الخلفاء لهذه «الأصنام»، رغم أنهم شاهدوها وكانوا قادرين على تدميرها، وهو نقاش فارغ المضمون، لأن المسألة ليست شرعية أو تاريخية، ولكنها المسوّغ النظري لتجريف التاريخ وتحطيم ما تبقى من تراث هذه المنطقة.
والتوحيد لا يقف عند هذا الحد، فاللباس واحد واللون واحد والفكر واحد والكتاب واحد والخليفة واحد والمذهب واحد والطريقة واحدة وكل شيء واحد، وهكذا يتم تبرير تكفير «الآخرين»، بل قتلهم وحرقهم، بينما يرد عليهم «مشايخ التنوير» بأنه يجب «أن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنْ الأَرْضِ»، وكأننا في سباق لسفك الدم بين أناس يدّعون «هداية البشر»!
لم يعد خافياً أن كل القوى التي تدّعي محاربة «التطرف» تقوم بتدريسه في مدارسها وتعليمه في جامعاتها وتربيته داخل بيوتها ونشره في قنواتها التلفزيونية على كافة المستويات. هل يضيف «داعش» جديداً بتكفيره للشيعة أو المسيحيين؟ هذا الفكر موجود في معظم كتب الدين والشريعة، التي يتم تدريسها في مدارس وجامعات معظم الدول المنضمّة إلى «تحالف دولي» لمحاربة التطرف، بل ان هذا الفكر تعيشه الشعوب في بيوتها وتطعمه أولادَها ليل نهار. وعلى النقيض من ذلك، تنضمّ بلاد أخرى لمثل هذا التحالف وهي تحمل الفكر المتعصب ذاته حتى في دساتيرها، ليتم استبدال تطرف بآخر وتعصب بآخر أشد منه.
إن التطرف الذي تحمله الأرض العربية في أعماق تاريخها يبدو بلا حدود، وبالابتعاد قليلاً عن خرافة «خير أمة» وعن الشوفينية القومية الكاذبة التي كانت فرساً امتطيناه كالعميان صائحين: «أعزّ بني الدنيا وأعلى ذوي العلى» كما قال أبو فراس الحمداني، نقول بالابتعاد قليلاً عن كل هذه الضوضاء الفكرية والدينية، نجد القمع قرين التطرف في كل مراحل التاريخ. في أول رد فعل على تولي أبي بكر الصديق للخلافة بدأت بذور تطرف جديد في النمو بتؤدة رافعة شعار «آل بيت النبي أولى بخلافته»، رغم أن الخلافة يفترض أن تكون نظام حكم لدولة وليست «خلافة» بالمعنى الحرفي، وهو الوراثة. وكان أن بدأت الأمور بالتعقد والانفجار بعد مقتل عثمان على يد مجموعة من الغاضبين، تم تشريع القتل كوسيلة للتغيير في رد مباشر على الديكتاتورية والقمع بعدما استشعر الناس بذور الاستبداد الأموي تتبرعم في الأرض العربية، خلال خلافة عثمان وصار القتل والاغتيال سيدَي الموقف لقرون طويلة بعد ذلك.
إن التطرف ليس دينياً وحسب، بل يتعداه ليكون قومياً وعرقياً وجنسياً ووطنياً واجتماعياً أيضاً، والأمثلة لا حصر لها في المجتمعات العربية التي تعجّ بكمّ هائل من المعادلات والتشابكات القومية والعرقية التي تزيد من تعقيد حياتنا بإشراف وتوجيه وتنفيذ من ثلاثي العسكر والدين والمال وهو ثلاثي شيطاني استطاع استباحة وعينا وانتهاك حرمة عقولنا عبر أساطير وخرافات تم إقحامها في الدين، وعبر شراء العقول بالمال وآخرها سحق هذه العقول تحت نعال العسكر على اختلاف مشاربهم وألوانهم. ولعل أبرز تطرف في العصر الحديث كان قيام «دولة إسرائيل» وهي كيان متطرف قائم على مبدأ متعصب أعمى يرى في اليهود «شعباً مختاراً» ويتم التفاضل بين مواطنيه على أسس دينية بحتة، ليس آخرها المحاولات المستميتة لبنيامين نتنياهو لشرعنة يهودية الدولة وبالتالي استبعاد غير اليهود من كل مفاصل الحياة. ورداً على ذلك لم يكن غريباً نشوء حركات دينية تتعامل بالمنطق نفسه لأنه لا يمكن الرد على الجنون بالعقل ولا على التطرف بالتسامح، هذه القيم موجودة في المدن الفاضلة فقط، وأحسب أن عددها أقل من أن يحصى.
يقوم «داعش» اليوم بتجريف التاريخ في أهم منطقتين في العالم العربي هما العراق وسوريا، ولكنه لا يقوم بذلك بمفرده، فمن يعتقد أن هذه الحركات تصعد فجأة وتنمو بهذا الشكل السرطاني بدون حاضن محلي وبدون دعم خارجي واهم تماماً، وستمرّ عدة أعوام (كما صرح بذلك وزير الدفاع الأمريكي) قبل القضاء تماماً على داعش، وستكون هذه الأعوام كفيلة بتطبيق الخطة بحذافيرها: مسح التاريخ وتبديل الجغرافيا وإعادة توزيع الديمغرافية الإقليمية لإفراز كيانات جديدة ممسوحة الشخصية وعديمة الهوية ومنقطعة عن الماضي، وبهذا تبقى إسرائيل الرمز الوحيد في المنطقة للتاريخ والحضارة والديمقراطية، وما حولها مجموعة من الرعاع وقطاع الطرق وزعماء الميليشيات الذين يعملون وفقاً لمصالح محددة وضمن أهداف قصيرة الأمد.
هذه ليست نظرية مؤامرة، فالأجدى أن نبدأ بتصديق فكرة أن الأمم قسمان: تابعة ومتبوعة، أمم تعيش على اتباع الخطط وأمم تصنع هذه الخطط، والأمر لا يحتاج إلى مؤامرات، فنحن لا نتقن الدور وحسب، بل نتفنن في تنفيذه، وما أسهل من حمل السلاح من عربي ضد عربي، لا يحتاج قتل العربي إلى مؤامرات وتدبير، فالإشارة تكفي، والدم هو أرخص السلع على الأرض العربية التي فاضت بدماء أبنائها عبر التاريخ، إما في سبيل منصب أو ليعيش زعيم.
إن زمن الرعاع لا يزال مستمراً وبصورة أكثر دموية وتبشر بمستقبل أكثر قتامة، وإذا أردنا التفاؤل ودفع الأمل في عروقنا من جديد، فإن الواقعية تصدمنا بشكل جارف يفوق قوة بلدوزرات «داعش» التي لا تجرف التاريخ وحسب، بل تجرف عقول من بقي على هذه الأرض من العاقلين. يحزّ في نفوسنا أن أعمارنا ضاعت في المكان الخطأ، ولأن حروفنا لم تجد من يقرأها وأصواتنا لم تجد من يسمعها بعد عقود من الأمل الزائف بأي تغيير في هذه المنطقة من العالم، بعد أن طالت التغييرات كل بلاد الدنيا، بينما ماتت على التراب العربي ذليلة مهزومة في سبيل بقاء الوضع على ما هو عليه. لم تنته معارك الجمل وصفين بعد، فنحن لا نزال حاملي الخطيئة الأولى ولا نزال نحاكم بعضنا بعضاً على ما لم تقترفه يدانا، وسيتداول أبناؤنا إرث الدم فيما بينهم إلى أجل غير مسمى ما بين قاتل ومقتول ولا طريق ثالث بينهما.
٭ كاتب سوري
يوسف مزاحم
