استبصارات في تجارب بحثية حول المجتمع المغربي

ما يمكن تعلمه من تجارب بحثية ميدانية أكثر بكثير مما يمكن تعلمه من النظريات الفضفاضة؛ ذلك أن التجربة الميدانية تُعلمكَ الحِرفة أكثر مما تعلمك قواعدها، تماماً كما يتعلم المرء أي حرفة معينة. هذا هو الفرق بين الحِرفة والمِهنة.
سأقتصر هنا على ثلاث تجارب بحثية خصت المجتمع المغربي، أو مجال ما من مجالاته بالدراسة والتحليل، ارتأيْتُ وضعها موْضِع تفكر أو استبصار. لكن ينبغي أنْ لا يُفهم من عبارة تجارب ميدانية أننا بصدد الدعوة إلى إمبريقية ساذجة لا فكر فيها ولا نظر، لا نظرية فيها ولا مفهوم، بل العكس هو الصحيح، أي أننا نتعامل معها كتجارب بحثية تتضمن في طياتها مستوى معين من الوعي النظري، كما سيتبين للقارئ من خلال الاستبصارات التالية.

جاك بيرك المُعلم: المجتمع المغربي بوصفه نسيجاً متواصلاً

إن في تجربة باسكون شيئاً ما من تجربة بيرك، بل إن تجربة هذا الأخير تتضمن شيئاً ما من تجربة باسكون، لهذا هو مُعلم. لكن، ما هو هذا الشيء؟ لا أعرف بَعد، قد يقع بين النسيج المتواصل والتراكب الذي يسم المجتمع المغربي من وجهة نظر كل منهما. تكفي الإشارة إلى أن صاحب: «البنيات الاجتماعية للأطلس الكبير» طَلب من صاحب أطروحة «حوز مراكش» التي كانت بإشرافه، إعادة قراءة أطروحته المَعنية: العودة إلى سْكْسَاوَة. فليس لبيرك أدنى مشكل أو عقدة نقص في وصفه لباسكون بالبروفيسور. أَوَلاَ يجعل منه ذلك معلماً بحق؟ لقد قلب العلاقة السائدة بين الطالب والأستاذ. هذا المستوى الأول مما يمكن تعلمه من بيرك، لكن ما الذي يمكن تعلمه من تجربة «البنيات الاجتماعية للأطلس الكبير»؟ أي المستوى الثاني: أهمية دراسة البنيات الاجتماعية كالقبيلة لفهم تكوينها التاريخي والاجتماعي؛ التداخل الفعال بين ما هو سوسيولوجي وأنثروبولوجي في دراسة البنيات الاجتماعية كما هو شأن التوليف بين منهجيْن متعارضيْن في دراسته لقبائل سكساوة: المنهج المورفولوجي والمنهج الفينومينولوجي؛ أهمية استحضار الأنثروبولوجيا التاريخية لتحديد بنية المغرب الكبير وفهمها؛ استحضار الحس الشمولي في دراسة البنيات الاجتماعية، أيْ الوقوف عند امتداداتها المغاربية، مع التركيز على امتداداتها الأفقية: أيْ الآفاق. ماذا عن المستوى الثالث؟ المجتمع المغاربي: بين القبيلة واسمها. من هنا تستمد عبارة نسيج متواصل مشروعيتها الإبستيمولوجية: ضرورة كتابة تاريخ كلمة قبيلة، فليس هناك جد أول أو جذر/ أصل نهائي تنتمي إليه جماعة ما تدين له باسمها، إن القبيلة مجرد وهم أو لم تعد أكثر من ذلك؛ ضرورة الانتقال من الاستعارة النباتية إلى الفرضية التاريخية؛ إذا كان هناك تاريخ للقبيلة فهو تاريخ أسمائها وأعلامها، فاسم مجموعة اجتماعية ما هو ما يحدد هويتها أو شخصيتها الجماعية. إن المجتمع المغاربي ليس أكثر من نسيج متواصل، نسيج متواصل من عناصر عدة مجهولة، هذه العناصر ليست أكثر من أسماء تحيلنا إلى أسماء أخرى مماثلة: إن المجتمع المغربي نسيج متواصل من الأسماء، لهذا يجب الأخذ بعين الاعتبار مسألة تأويل اللغة، وإنْ كانت اللغة تبدو عاملاً سطحياً، فإنها تمثل أداة أساسية لفهم بنية المجتمعات المغاربية بوجه عام وبنية المجتمع المغربي بوجه خاص؛ ذلك أن تاريخ القبيلة هو تاريخ أسمائها. إن فهم منطق المجموعات الاجتماعية في المغرب رهين باستيعاب: لُعبة التسميات.

بول باسكون: تجربة مُكثفة

إن باسكون صاحب «دار إليغ: تاريخ اجتماعي لتَزروالتْ» ليس هو صاحب «ما يقوله 296 شابا قرويا»)بمَعية المكي بن الطاهر( وليس هو صاحب «حوز مراكش» أطروحتة المركزية عن «القايْدية» وما سماه بالمجتمع المُتراكِبLa société composite. ما يهمني في الأول هو بحثه في مقابر اليهود، أيْ التعامل «السوسيولوجي» مع المقبرة باعتبارها موضوعاً سوسيولوجياً، بل يمكن اعتبارها مدخلاً مهماً إلى كتابة تاريخ اجتماعي لقرية ما، كما هو شأن التاريخ الاجتماعي لقرية إليغ. أما ما يُمكن استخلاصه من الثاني فيكمن بشكل مركزي في الكيفية التي تعامل بها باسكون مع المقابلة في الميدان، باعتبارها منهجاً أكثر منها مجرد تقنية، أي إبداعه لشكل مغاير للمقابلة مع الشباب القروي في سياقات مختلفة، مقابلات شبه مباشرة – شبه جماعية – بأسئلة مفتوحة، حسب الوضْعيات التي يفرضها بحثه الميداني، فضلاً عن أهمية إجراء مقابلات استكشافية لتحديد ثيمات البحث. ما يجعل من تجارب باسكون البحثية تجارب مكثفة، يمكن للمرء أنْ يستخلص منها الشيء الكثير. لكن، ماذا عن باسكون الثالث؟

باسكون وعبد الودود ولد الشيخ: بين القايْدية وما يُفندها

يتعلق الأمر بأطروحته المركزية، التي تتمتع بأصالة علمية، خاصة في ما يتعلق بتحديد طبيعة المجتمع المغربي المتراكبة، انطلاقاً من تحديد طبيعة «مجتمع الحوز». يتعلق الأمر هنا بالقَايْدِية كبديل عن الأطروحة الفيودالية والإقطاعية، علاوة على التعامل الدقيق مع الوثائق التاريخية، بالاعتماد على قراءة سوسيولوجية تاريخية لها. وإنْ كانت تجربته البحثية في صياغة أطروحته هذه تتمتع بمشروعية علمية لا غُبار عليها، فإنها تستدعي مساءلة مدى المشروعية العلمية للتعميم الاستقرائي للقَاْيدِية كتشكيلة اجتماعية اقتصادية تطال المجتمع المغربي برمته، على الأقل في سياقها التاريخي والجغرافي. هل يمثل مجتمع الحوز تمثيلية دقيقة لتحديد طبيعة المجتمع المغربي، في أي سياق ووفقاً لأي وضعيات؟ هنا بالضبط تجيء أهمية المقال الموسوم بـ»القايْدية بلا قايْد» لعبد الودود ولد الشيخ، الذي حاول فيه، انطلاقاً من دراسته لإمارة الترارزة الموريتانية، حاول نقد أطروحة القَايْدِية بعامة ونقد فكرة نهاية القبلية بخاصة. ما يهمني من هذا النقد، هو مُساءلته للتعميم الذي توصل إليه باسكون، وإنْ لم يكن تعميماً على مجتمعات المغرب الكبير بشكل عام، أو على المجتمع الموريتاني بشكل خاص، فإنه يفتح لنا الباب أمام اختبار أطروحة باسكون ميدانياً.

بول رابيناو: تجربة مُضاعَفة

ما الذي يجعل من تجربة رابيناو مضاعَفة؟ لأنها تعبر عن وعي مضاعَف للباحث بذاته ضمن وضعيات ممارسته البحثية؛ أيْ موْضَعَة الذات العارِفة، ذات الإثنولوجي في هذا المقام، ضمن وضعيات إثنوغرافية معينة، انطلاقاً من استكشافه لميدان البحث بصفر وصولاً إلى الانغماس في الميدان: قرية سيدي لحسن اليوسي. ما الذي يمكن استخلاصه من هذه التجربة؟ إن الميدان، ليس مجرد معطى جاهز وسهل يقدم نفسه للإثنولوجي ويحتضنه بكل سذاجة، فهو ليس مجرد موضوع متخشب، وإنما هو في المقام الأول صيرورة بنائية تذاوتية بين الإثنولوجي ومخبريه. إنه مجال لنسج شبكات من المعاني والدلالات، فهو حقل لنسج علاقات صداقة وجلب عداوات، إنه علاقة متوترة وقلقة، بين الإثنولوجي ومخبريه، ليس باعتبارهم مصدراً للمعلومات أو البيانات وحسب، بل باعتبارهم مُؤَولين لها أيضاً، علاقة تتخللها صدَمات متوالية تدفع الإثنولوجي إلى إعادة تعريف وضعياته الإثنوغرافية باستمرار. علاوة على ضرورة تملك لغة الميدان: لغة الناس المعنيِين بالبحث.

مجمل القول

إننا أمام تجارب بحثية متنوعة، تنطلق من أسس نظرية مختلفة، وتنحو توجهات منهجية مختلفة، تتراوح بين ما هو سوسيولوجي وما هو أنثروبولوجي، تجعل من المجتمع المغربي بصفة عامة ومن «المجتمع القروي» المغربي بصفة خاصة موضوعاً لها. فضلاً عن سياقاتها المجالية والزمنية المختلفة، التي لم تكن موضعاً لهذه الاستبصارات، فما يهمني من هذه الأخيرة هو ما يمكن استخلاصه من هذه التجارب على مستوى الحِرفة. تجارب، يمكننا أن نستشف منها معاني مكثفة عن الميدان، إذ تُجيبنا بشكل أو بآخر عن سؤال: ما الميدان؟

كاتب مغربي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية