واشنطن- «القدس العربي»: يأمل الأردن في الحصول على نصيب الأسد من صفقات إعادة إعمار سوريا المستقبلية، خاصة في منطقة الجنوب، وخلق ظروف إيجابية في تلك المنطقة قد تشجع مئات الآلاف من اللاجئين السوريين الذين تستضيفهم المملكة على العودة طواعية، والتوصل إلى تفاهم بخصوص نقل الكهرباء الأردنية إلى لبنان عبر سوريا، ناهيك عن هدف أوسع يتمثل في التوصل إلى إنهاء الأزمة السياسية في سوريا، وإبعاد أي مخاطر أمنية قد تشكلها جماعات أو ميليشيات غير مرغوبة على الحدود، بما في ذلك الميليشيات المدعومة من إيران. وباختصار، يحاول العاهل الأردني الملك عبدالله الثاني خلق فهم جديد للأزمة السورية من شأنه أن يمهد الطريق لإنهاء الحرب المستمرة منذ عقود ويفتح الطريق لفصل جديد، من أهم ملامحه «إعادة تأهيل» النظام السوري وليس التخلص منه.
هذه الطموحات قد تفسر الجهود الدبلوماسية الكثيفة التي يقودها ملك الأردن في واشنطن وموسكو إضافة إلى تحول العاصمة الأردنية عمان إلى مركز للنشاط الدبلوماسي العربي في الأسابيع الأخيرة، ناهيك عن محاولة إنشاء تكتل اقتصادي عربي جديد يتألف من الأردن والعراق ومصر، مع آمال في أن تنظم سوريا في المستقبل.
وبالنسبة للأردن، فإن زيارة الملك عبدالله الثاني، أول زعيم عربي يلتقي بايدن في البيت الأبيض، هي امتداد للشراكة الراسخة والاستراتيجية بين الأردن والولايات المتحدة.
وأشارت وسائل إعلام أردنية ناطقة باللغة الإنكليزية إلى أن محادثات البيت البيضاوي قد تناولت الشراكة الاستراتيجية بين عمان وواشنطن والتطورات الإقليمية والدولية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، وعززت مرة أخرى دور الأردن الإقليمي كضامن للسلامة والأمن في منطقة مضطربة، وقالت إنه من المؤكد أن دعم الولايات المتحدة للوصاية الهاشمية على الأماكن المقدسة الإسلامية والمسيحية في القدس يؤكد الدور التاريخي والديني المهم للأردن في المدينة المقدسة.
وأشارت صحف أمريكية، من بينها «نيويورك تايمز» إلى أن بايدن أشاد بالعاهل الأردني خلال الزيارة ووصفه بأنه صديق مخلص ومحترم، وقالت إن رؤساء أمريكا كانوا ينظرون إلى الملك عبدالله الثاني خلال 22 عاماً في السلطة على أنه حليف معتدل وموثوق به في الشرق الأوسط، وغالباً من يلعب دور المبعوث من العالم العربي إلى واشنطن.
ولاحظت الصحف الأمريكية أن العاهل الأردني كان قلقاً من أجندة الرئيس السابق دونالد ترامب وكان قلقاً أيضاً من أن المساعدات الأمريكية للأردن ستكون في خطر، ولكن مشاعر القلق اختفت مع إدارة بايدن وكان رحيل ترامب مصدر ارتياح.
ووفقاً لمنصات إخبارية أردنية باللغة الإنكليزية، فقد احتلت القضية الفلسطينية مركز الصدارة خلال الاجتماع حيث شدد ملك الأردن على ضرورة استئناف المحادثات الجادة والفعالة بين الفلسطينيين والإسرائيليين من أجل تحقيق السلام الشامل والعادل على أساس حل الدولتين، وفي السياق ذاته، أعرب بايدن عن دعمه القوي لحل الدولتين.
تطورات المنطقة
وبحسب ما ورد، فقد تطرق الملك عبدالله الثاني إلى تطورات المنطقة وشدد على ضرورة دعم جهود العراق في تعزيز أمنه واستقراره، في حين أشاد بايدن بجهود المملكة من أجل السلام في المنطقة، كما تمت مناقشة جهود مكافحة الإرهاب في إطار شامل خلال المحادثات المكثفة، ولا سيما مبادرة عملية العقبة التي أطلقها العاهل الأردني لتعزيز التنسيق والتعاون بين مختلف أصحاب المصلحة في المنطقة.
ووصفت صحيفة «جوردان تايمز» اللقاءات بأنها شهادة على دور العاهل الأردني كقائد معتدل في المنطقة وعملي يمكن للولايات المتحدة الاعتماد عليه وسط الرمال المتحركة في الشرق الأوسط، وقالت إن «لقاء العقول» في البيت الأبيض يرسم مساراً واعداً في العلاقات بين عمان وواشنطن لن يؤدي إلى إلا إلى تهدئة التوترات الإقليمية.
وفي الواقع، تناولت محادثات العاهل الأردني مع الرئيس الأمريكي الشأن السوري بمساحة تتجاوز ما تحدثت عنه عمان، ومن الواضح أن الملك عبدالله قد ضاعف من جهوده الدبلوماسية لإنهاء الأزمة في سوريا، من خلال السعي إلى تشكيل فريق عمل لإشراك النظام السوري في محاولة لتغيير سلوكه، وليس من قبيل المصادفة أن يسافر الملك إلى موسكو لمناقشة الأزمة بعد شهر تقريباً من كونه أول زعيم يلتقي بايدن.
وقال العاهل الأردني لشبكة «سي إن إن» أثناء تواجده في الولايات المتحدة إن اللاجئين السوريين لن يعودوا إلي أي وقت قريب، مما يقودنا إلى التحدي الذي نناقشه مع الولايات المتحدة والأوروبيين، وأضاف أن «بشار الأسد يتمتع بالشرعية» وبالتالي فإن النظام موجود وعلينا أن نكون ناضجين في تفكيرنا، هل هو تغيير النظام أم تغيير السلوك؟
ومن الواضح أن هناك مراهنة أردنية على تغيير السلوك السوري، ولذلك ظهرت المبادرة الأردنية في خلق خطة بهذا الاتجاه ، وقال الملك إن «على الغرب التحدث مع الروس في هذا الشأن».
ومن المعتقد أن العاهل الأردني قد طلب من بايدن التنازل عن العقوبات بموجب قانون قيصر، وبالنسبة لعمان، فإن إعادة فتح طريق التجارة إلى الشمال هو أمر حيوي للاقتصاد المتعثر.
وقد حافظ العاهل الأردني على علاقة خاصة مع بوتين على مر السنين، وكان زائراً منتظماً للعاصمة الروسية، وكانت آخر زيارة في تشرين الأول/أكتوبر 2019 في سوتشي، كما تحدثا عبر الهاتف، ووفقاً لوجهة نظر أردنية، فإن روسيا والأردن لديهما وجهة نظر مشتركة فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية وقضايا إقليمية أخرى.
وقد حصلت عمان على تعهد روسي، بفضل هذه العلاقات، على إبعاد الميليشيات الموالية لإيران عن الحدود الأردنية مع جنوب سوريا، كما دعم الأردن الجهود الروسية لإطلاق عملية سلام في سوريا عام 2015 وحضر عدداً من الاجتماعات كمراقب.
وقد غطت الأزمة في درعا، على المحادثات بين الزعيمين، حيث يحاصر جيش النظام السوري المدعوم من الجيش الروسي البلدة القديمة حيث يتحصن رجال المعارضة، علماً بأن سقوط درعا في الشهر الماضي على يد المعارضة قد أدى إلى إغلاق المعبر الحدودي بعد آمال بإحياء التجارة بين الأردن وجارته الشمالية.
وقد كان الأردن مركزاً للنشاط الدبلوماسي مؤخراً بزيارات إلى عمان قام بها وزراء خارجية قطر والسعودية وتركيا في الأسابيع الأخيرة.
وناقش العاهل الأردني مع بوتين العرض الأمريكي بتزويد لبنان بالكهرباء الأردنية عبر سوريا في محاولة لتخفيف النقص الحاد في الطاقة الذي يواجهه لبنان، وقد جاءت اللفتة الأمريكية استجابة لطلبات أردنية سابقة رفضتها الإدارات الأمريكية السابقة، ولحل هذه المشكلة لوجستياً، يتعين على الأردن التنسيق مع النظام السوري، كما ستدعم هذه الخطوة مصر التي ستزود عمان بكميات إضافية من الغاز الطبيعي، وفقاً لتحليل قدمه أسامة الشريف.
وتحظى مبادرات الأردن بدعم من دول الخليج، التي ترغب في رؤية نهاية للأزمة السورية على أمل الحد من النفوذ الإيراني.
وفقاً لصحف أمريكية وإسرائيلية وعالمية، فإن روسيا تريد توسيع علاقاتها مع الأردن، واللقاء مع الملك عبدالله هو جزء من هذه الرغبة، وقد أكد بوتين أنه على الرغم من جائحة كورونا إلا أن العلاقات بين روسيا والأردن تتطور في جميع المجالات، بما في ذلك العلاقات التجارية والاقتصادية والحوار السياسي.
وأشار بوتين إلى أن اللجنة الحكومية برئاسة وزير الزراعة الروسي، ديميتري باتروشيف، تعمل بنشاط بشكل مشترك لمكافحة الوباء والتغلب على آثاره.
وفي نهاية المطاف، تؤمن إدارة بايدن بأن للأردن دور أساسي في الحفاظ على الاستقرار في الشرق الأوسط، وهو دور تم تجاوزه في السنوات القليلة الماضية في عهد ترامب، ومن الواضح أن واشنطن استجابت بشكل إيجابي للغاية لأفكار العاهل الأردني بشأن الاستقرار في الشرق الأوسط، على الرغم من عدم إصدار أي تعليقات بشأن الخطط المستقبلية.