استجداء السلام… ومحاولة تقليد فيتنام

حجم الخط
0

د. فايز رشيد

آخر (تقليعات) السلطة الفلسطينية والأدق تعبيرا ً(فريق أوسلو) أو من يطلقون على أنفسهم (معسكر السلام الفلسطيني)، دعوة مئة شخصية إسرائيلية مختلفة الاتجاهات، من اليسار والوسط واليمين، بما في ذلك حزب الليكود ومن حركة شاس اليمينية المتطرفة، ومن بينهم أيضاً عسكريون وضباط مخابرات، إلى مقر الرئاسة الفلسطينية للحوار معهم حول السلام، ولإطلاع هذه الشخصيات على (العشق) و(التعطش) الفلسطيني للسلام، ولكي يتأكد هؤلاء كم هم مخلصون وجادون، أعضاء معسكر السلام الفلسطيني، للعملية السلمية. جرى ذلك (الأحد 19 كانون الاول/ديسمبر الحالي). هذه (المبادرة) الفلسطينية التي تزعمها كل من ياسر عبد ربه أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، وصائب عريقات كبير المفاوضين الفلسطينيين، تُذّكر بالإعلانات المدفوعة الأجر في الصحف الإسرائيلية، التي قامت بها السلطة الفلسطينية لــ(إقناع)الإسرائيليين بــ(فائدة) و(جدوى) السلام، والإعلانات تحدثت أيضاً عما يسمى بـ(مبادرة السلام العربية). الدعوة تمت وفقاً لبعض الحاضرين من الإسرائيليين وكما كتبت عن ذلك الصحف الإسرائيلية في أجواء وُدية حارة، تخللها تناول الطعام من الأكلات الشعبية الفلسطينية الفاخرة من بينها (ورق العنب) والحلوى وتمثلت في (الكنافة النابلسية) الشهيرة. على ما يبدو فإن هذا الفريق الفلسطيني، الذي يجهل حقيقة الشارع الإسرائيلي، والذي (يغّرد) خارج الزمان والمكان بكل ما فيهما من مرارة قاسية، ويقفز عن حقائق الواقع بكل (عجره وبجره)، ويحلّق في أجواء من (الرومانسية التسووية) التي تسبح فوق الغيم، بمحاولة إقناع الذات بـ(أهمية) هذه اللقاءات، والاعتقاد (بالحصيلة الإيجابية لها) والتصور بــ(إمكانية) جنوح الإسرائيليين لــ(السلام) العادل، على الرغم من أن المعطيات الملموسة وغير الملموسة، تثبت العكس تماماً، فالإسرائيليون جانحون نحو اليمين، والأحزاب اليمينية الفاشية الصهيونية تمتد طولاً وعرضاً في إسرائيل، وازدادت تأثيراتها على السلطة السياسية -العسكرية فيها. هذا ما لا نقوله نحن، وإنما تعكسه النتائج المتصاعدة لنفوذ هذه الأحزاب في كل انتخابات كنيست مقارنة مع الانتخابات السابقة لها، وما تعكسه نتائج الاستطلاعات التي تجرى في داخل هذا الكيان.

هذا الفريق الفلسطيني، يحاول تقليد المعركة السياسية التي خاضتها جبهة التحرير الفيتنامية في ستينيات القرن الماضي، إبّان ذروة الهجوم الأمريكي العدواني على فيتنام الشمالية. نعم استغل الفيتناميون كافة الوسائل الممكنة لهم آنذاك للتأثير على الرأي العام الأمريكي، ولإقناع الأمريكيين بأن الفيتناميين لا يعتدون على أي كان، بمن في ذلك الأمريكيون، لكنهم فقط يدافعون عن أنفسهم أمام الاعتداء الأمريكي، وهم ملزمون بالدفاع عن أراضيهم وبلدهم أمام الغزو البربري. استغل الفيتناميون عن جدارة الخسائر البشرية الأمريكية في فيتنام، أفضل استغلال للتأثير على الرأي العام الأمريكي، وبالفعل قامت المظاهرات الشعبية التي امتدت لتشمل كافة مناطق الولايات الأمريكية، وتأسست منظمات وهيئات عديدة، أكثر من أن تحصى، للمطالبة بوقف الحرب على فيتنام.

المقصود القول ان جبهة التحرير الفيتنامية، استطاعت أن تكسب الرأي العام الأمريكي، إلى جانب عدالة قضيتها، ومع وصول كل جثة لجندي أمريكي، تقوم الاحتجاجات على هذه الحرب، الأمر الذي أدّى تراكمه في النهاية إلى ادانة عالمية لهذه الحرب، بما في ذلك، الداخل الامريكي نفسه. تزاوج هذا مع عنف الضربات العسكرية الفيتنامية، الأمر الذي أدى الى هزيمة امريكا، وأجبر السفير الامريكي في النهاية الى تسلق هليوكوبتر من على سطح السفارة الأمريكية في سايغون هربا، واضطرت أمريكا الى أن تحمل عصاها على كاهلها وترحل. السبب الأساسي اذن تمثل في أن جبهة التحرير الفيتنامية حوّلت الهجوم الأمريكي على بلدها إلى مشروع خاسر بكل المعاني الديموغرافية (قتلى وجرحى بالعشرات في كل يوم). وبالمعنى العسكري الاقتصادي (خسائر أمريكية كبيرة في المعدات العسكرية إضافة إلى التكاليف الباهظة للعدوان صباح كل يوم). وبالمعنى الإنساني الأخلاقي (استطاع الفيتناميون كسب معركة الرأي العام العالمي إلى جانب قضيتهم العادلة، وازداد توجيه الإدانات للولايات المتحدة على عدوانها في فيتنام). بالتالي، فإن الحقيقة الأساسية التي لم يدركها التسوويون الفلسطينيون تتمثل في أن (المعركة السياسية مع العدو مرتبطة بما يجري عسكرياً على الأرض). هذه المزاوجة التي أتقنتها جبهة التحرير الفيتنامية، وكل حركات التحرر الوطني في آسيا وافريقيا وأمريكا اللاتينية، يتجاهلها المفاوضون الفلسطينيون، ويأخذون منها الشق الأول فقط على طريقة (ويلٌ للمصلين). ذلك أنهم ارتهنوا في النظرة إلى العدو، من خلال المفاوضات والمفاوضات فقط، ويحاولون كسب معركة الرأي العام الإسرائيلي. هؤلاء لا يدركون استثنائية العدو على صعيد كل الدول الاستعمارية التي احتلت أراضي دولٍ عديدة، واغتصبت إرادات شعوبها. كل تلك الدول لم تفهم سوى لغة واحدة، نعم لغة المقاومة المسلحة، التي كانت وراء إجبارهم على الخروج من أراضي الغير. وإذا كانت تلك الدول الاستعمارية لم تفهم سوى لغة المقاومة، فكيف إذن بالعدو الاقتلاعي المتمثل في إسرائيل؟ هذه تحتاج إلى مقاومة مسلحة (بدرجة تربيعية أو حتى تكعيبية) لطرد هذا المحتل من أراضينا.

أما المدّعون بأن المقاومة ستعمل على تدمير الشعب الفلسطيني والقول: يكفي شعبنا ما يذوقه من ويلات على أيدي الاحتلال، وأن شعبنا وصل إلى الملل من المقاومة العسكرية، إلى آخر هذه الترّهات.. وفي الإجابة عليهم نقول: شعبنا لم يمل المقاومة، هذا ما أثبته في كل المنعطفات التي مرّت بها الثورة الفلسطينية المعاصرة، وهو يدرك أن البندقية هي من أعادت له هويته الوطنية، وأنها تكمن خلف كل التغييرات، والنظرة إلى الفلسطيني على الصعيد العالمي.. اذ نقلته من خانة (اللاجئ) الذي يستحق العطف، إلى حالة (الثائر) على الظلم والعدوان والاحتلال، وهي التي أجبرت العالم على الاعتراف بوجود الشعب الفلسطيني، وحقوقه الوطنية، الذين أوصلوا شعبنا إلى حافة اليأس هم أصحاب نهج أوسلو، والذين بدأوا بعدها في الترويج للتسوية من خلال التفاوض، وبعد تجربة امتدت لما يقارب العشرين عاماً، تبين خواء من راهنوا على هذا النهج، وعبثيته وعقمه.

الذي عمل على تيئيس شعبنا هو سياسة الفساد والإفساد، والامتيازات للبعض وجيش الموظفين في السلطة، وأصحاب الجوازات الحمراء (المهمون جداً) والارتزاق، والاعتقال ومصادرة الحقوق، إلى آخر هذه الأمراض العفنة والقاتلة، التي سببت أحياناً بالبعض من شعبنا إلى تمني أيام الاحتلال. أما الادعاء بأن قيام السلطة جاء لتخفيف المعاناة عن شعبنا جرّاء الاحتلال الإسرائيلي، فهو مردود على أصحابه، لأن أكبر مصادرة للأرض تمت في زمن السلطة، هذا إلى جانب بناء الجدار العازل، وأكبر عدد من المعتقلين، والاغتيالات وهدم البيوت وممارسة المذابح تم في زمن السلطة، أي أن الأخيرة لم تكن سبباً في تخفيف المعاناة، فإسرائيل وفي ظل وجودها، (السلطة) تمارس احتلالها، وتغتال وتعتقل من تشاء، وتهود القدس وجوارها، وتصادر ما تشاء من الأراضي.. إلى آخر ما ترتكبه من موبقات يومية ضد أبناء شعبنا في الأراضي المحتلة. الذي أوصل شعبنا إلى حافة اليأس هو الانقسام الفلسطيني، ووجود سلطتين تتصارعان على من تمتلك مفتــــاح السجــــن، الذي يعاني فيه شعبنا مرارة الاحتلال منذ عام 1967، فالضـــفة الغربــــية وقطاع غزة تحولا إلى سجن كبير، وإلى محطتين لممارسة الكثير من السلبيات في الأداء تجاه جماهيــــرنا فيهما من قبل السلطتين. في كل محطات المقاومة، أثبت الشعب الفلسطيني معدنه الأصيل، وكانت هبّاته العديدة في الدفاع عن الثورة المسلحة أمام كافة الأخطار التي جابهتها في أكثر من ساحة.

شعبنا الفلسطيني يملك كافة الاستعدادات لممارسة مقاومته، أما الذين تعبوا فهم أولئك الذي ما زالوا يراهنون على التفاوض مع العدو الصهيوني، أولئك الذي يستجدون (السلام) مع إسرائيل، رغم الحقيقة الواضحة الأخرى وهي (أن ما أُخذ بالقوة لا يسترد بغير القوة). كاتب فلسطيني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية