بيروت ـ ‘القدس العربي’ – من زهرة مرعي: دأبت الأديبة غادة السمان منذ زمن بعيد على ضم حواراتها مع الصحافة العربية، وهي كثيرة، في دفتي كتاب، تستنبط لها عناوين تسويقية جميلة وجذّابة. جديدها في هذا النمط الأدبي وصلنا تحت عنوان ‘استجواب متمردة’ وهو يحمل الرقم 18 في سلسلة الأعمال غير الكاملة. وفي هذا الكتاب الذي يقع في 256 صفحة من القطع الكبير نقرأ غادة السمان، ونطلع على مواقف وآراء لها في مفاصل متعددة من الحياة وبصورة مباشرة. كما نقترب منها أكثر في ردها على بعض التساؤلات النقدية حول كتبها. وهي في كل الأحوال وفي كل الإجابات أو ‘الإستجوابات’ كما تحب أن تسميها تجذبنا بشوق من رد إلى آخر، وكأننا في رحلة استكشافية لشخصها كإنسان، بعد اقتراب من ناس رواياتها. وللإشارة فهذه الحوارات متباعدة في الزمن بعضها يبدأ من سنة 1976 وصولاً لسنة 1994. وفي واحد من الإستجوابات طرح على غادة السمان سؤال شخصي: لو جاءت فتاة وخطفت ابنك لتتزوجه، هل تشعرين بغصّة؟ وفي ردها اعترضت على عبارة ‘خطفت ابنك’. وسجلت التالي: ابني ليس ملكية شخصية بل جمهورية مستقلة، وسأشعر بغصة كبيرة إذا لم يتوج حريته بالحب والزواج. ثمة حلم من أحلامي أتمنى أن تحققه لي صبية: أن أصير جدة.
في نصوص غادة السمان النثرية والشعرية بعض من طرب تشعره الأذن، كذلك هو استجوابها والإجابات تمسك القارىء لمعرفة المزيد من أفكارها وآرائها التي دأبت على إثارة الجدل بشأنها. وفي هذه الاستجوابات نحن على صلة مع غادة السمان الكاتبة ومواقفها من الحب، الأمومة، الزواج، الجنس والعشق عبر التاريخ وغيرها. سئلت غادة السمان عن رجل تحترمه ومن ثم عن رجل تحتقره. توقفنا عند الثاني لنقرأ منها إجابة نقتطع بعضها: الرجل الذي ينادي بالثورة ويضمر الثروة! الذي يحاضر عن الإشتراكية بفم مليء بالكافيار.. الذي يشتم الغرب بقلم أمريكي الصنع ‘….’ ولا يقسم إلا بحياة الدولار وليس في قصره ما هو عربي إلا الخدم!
وفي مكان آخر نكتشف قوة غادة السمان وشجاعتها حين كانت في روما برفقة إبنها وتعرضت لنشل حقيبتها، وكيف تعاركت مع السارق ولحقت به حتى تخلى عن طريدته.
تُسأل غادة السمان نقداً في رواياتها وتشريحاً لها. وثمة من يقسم الروائية في شخصها الى مراحل لها زمانها ومكانها. في ردها ترى ذاتها الأدبية بعيدة عن التقسيم: أشعر من الداخل أن حياتي سلسلة متواصلة من التطور، لا انفصام فيها أو منعطفات حادة من الداخل.. إننا كبشر أضعف من أن نجلس أمام شطرنج عمرنا لنخطط تاريخ المعركة، ولعلنا أقرب إلى أحد حجارة الشطرنج التي تتدخل يد القدر أيضاً في نقلاتها. غادة السمان الموجودة في باريس منذ زمن بعيد لا بد أن تُسأل عن ‘الأثر الأوروبي في روايتها’؟ لا شك بوجوده، وفي طليعته ‘النمو في مناخات الحرية’ برأيها. وهذا ينعكس في الأعمال الروائية على صعيد الموضوع والأسلوب معاً. و’لأني قادمة من حضارة أخرى عريقة، لم تزلزلني معارفي الجديدة، بل ساهمت بتطوير أدواتي على صعيد الكتابة الروائية بالذات خارج المألوف والمكرّس و’الأيديولوجي’ والوعظي والإنشائي.. وهي أمور كنت أنفر منها بطبعي على أية حال’. ما ضمنته غادة السمان لـ’استجواب متمردة’ ليس متتالياً في الترتيب الزمني. قد نكون في باريس ومن ثم انتقال إلى أسئلة عن بدايات الحرب الأهلية في لبنان والتي أصابت قذائفها منزلها، واحتراق العديد من اللوحات الثمينة. كما ونقرأ تآلف الكاتبة مع أزيز الرصاص ودوي المدافع. أما سبل المواجهة فكانت الكتابة. غادة السمان تدهشنا في كتاباتها وكذلك في عناوين كتبها الروائية وغيرها وهي الثائرة دوماً على النمط والنسق والمألوف إختارت عنواناً لأحد كتبها ‘القمر المربع’ وهو استدعى استجواباً وكان الرد:’أردت أن أهزّ الثوابت اليقينية والمعارف المطلقة. ثم إنني لا ألتزم دائماً بالتقليد في تسمية المجموعات القصصية باسم إحدى القصص’.. لا نبوح بسر إن قلنا أن غادة السمان لم تخضع ربما في يوم من الأيام لاستجواب مباشر. هي تفضل أن تتأمل في ما يطرح عليها من أسئلة ومن ثم تجيب. وموقفها هذا تعلله:’… لدي يقين مضحك بأن الإنسان قد يكذب إذا تكلم، لكنه لا يستطيع الكذب إذا كتب… أحاديثي الصحفية لا أحبها مواجهة ومشافهة لأنني لا أشعر بالصحو الفكري في اللقاء… حين أتلقى أسئلة مكتوبة أشعر بالمسؤولية كما لو أن الكرة بأكملها تسألني والليل شخصياً يحضر المحاكمة، والبحر يستجوبني، والرياح شهودي وكل عناصر الطبيعة… وفي مناخ كهذا من البوح أكتب أجوبتي’. إلى سمة العصر وصل الاستجواب لغادة السمان والسؤال مباشر: هل تفكيرين بإجراء عمليات تجميل؟ وكانت إجابتها: أزعم أن الأمومة لقاح ضد الخوف من آثار الزمن! أنا أعلق على جدار غرفة نومي صورتين: صورة قديمة لي وأنا أحمل ابني حازم طفلاً، وصورة حديثة يحملني ابني حازم بقامته الشابة الفارعة… وتعمّ الغبطة في قلبي وأنا أراه شاباً مزدهراً بالعنفوان، وأعرف أنه لن يكون هكذا إذا لم يمر الزمن بـ’رُتوشه’ على ملامحي. 38 حواراً صحافياً في ‘استجواب متمردة’ يمكن قراءتها بتلذذ وكأنها مجالسة مباشرة مع غادة السمان الإنسانة الأديبة. صدر الكتاب عن منشورات غادة السمان.