استحالة إنقاذ أنظمة الانغلاق من نفسها
بين تجربة خاتمي في إيران وأردوغان في تركيا:د. عبدالوهاب الأفندياستحالة إنقاذ أنظمة الانغلاق من نفسها بخلاف زياراتي السابقة واللاحقة لتركيا، كان لزيارتي في عام 1997 طابع غرائبي، بدأ من السفارة التركية في لندن التي تعامل معي موظف التأشيرات فيها بصفاقة واستفزاز، وانتهت بحصار إعلامي فرض علي فيه إجراء أكثر من عشر مقابلات صحافية وتلفزيونية في اليوم الأول لوصولي هناك، إضافة إلي تقديم ورقتي في المؤتمر الذي من أجله حضرت، ثم حفل توقيع لاثنين من كتبي كانا قد ترجما حديثاً إلي التركية.الدبلوماسي الشاب في السفارة التركية أصر علي أن استصدار التأشيرة يستغرق أسبوعين قائلاً: لو أن الرئيس البشير نفسه أتي إلي هنا فإنه سيحتاج إلي أسبوعين للحصول علي تأشيرة . ولكنه في النهاية استخرج التأشيرة خلال أقل من نصف ساعة بعد أن وصلته تعليمات مباشرة من وزيرالدولة بوزارة الخارجية حينها، عبدالله غول، الذي سمعت باسمه أول مرة في تلك المناسبة، مما مكنني من حضور المؤتمر الذي كان سيفتتح في اليوم التالي، وكفي الله الرئيس البشير القتال.كانت تلك الأشهر الأخيرة للحكومة الائتلافية بين حزب الرفاه بقيادة نجم الدين أربكان وحزب الوطن الأم بقيادة تانسو شيلر، قبيل ما وصف بالانقلاب ما بعد الحداثي الذي أطاح بتلك الحكومة. وكان مضيفنا عندها عمدة استانبول، رجب طيب أردوغان. ولعل الجو المحموم حينها كان سبب الحصار الإعلامي الذي تعرضت له، وكان معظم المحاصرين صحافيين من الخط العلماني السائد، لا أدري من وما الذي سلطهم علي، ولعل لذلك علاقة بصدور الترجمات التركية لكتبي، حيث كان بعضهم يلتمس (عندي أنا!) إجابات حول مستقبل تركيا. وقد كانت معظم المقابلات أشبه بمساجلات فكرية وسياسية منها باستجوابات صحافية، حيث كان معظم المستجوبين يعبرون عن مخاوف بأن الإسلاميين سيكتسحون تركيا العلمانية خلال أقل من عقدين من الزمان. بعضهم أيضاً أراد استخلاص خبطات صحافية علي حسابي وحساب أربكان. إحدي الصحافيات أخذت تلح بعدما علمت أنني أجريت مقابلة مع أربكان قبل ذلك ببضع سنوات، علي أن تستخرج مني تصريحاً منسوباً إليه يفيد برفضه للنظام العلماني أو نيته إقامة نظام إسلامي وتطبيق الشريعة في تركيا.تذكرت هذه الوقائع والمساجلات وأنا أتابع خلال اليومين الماضيين مظاهرات الاحتجاج التي شهدتها العاصمة التركية أنقرا، وكان أبطالها هم شاكلة الصحافيين والصحافيات الذين حاصروني بأسئلتهم وتكهناتهم خلال تلك الأيام الحرجة في استانبول. وكما كان الحال عندها، فإن أقطاب الكمالية في تركيا يتخوفون مما يرونه اجتياحاً إسلامياً وشيكاً، خاصة هذه المرة بعد أن بدا أن أردوغان أو غيره من مرشحي حزب العدالة والتنمية علي وشك تولي منصب رئاسة الجمهورية. وهذا سيعطي الحزب الهيمنة الكاملة علي الجهاز التنفيذي ويسحب من الكماليين حق الفيتو الذي كانوا يتمتعون به عبر رئاسة الجمهورية. وهذا في نظرهم يعني سقوط آخر قلاع الجمهورية الكمالية في يد الإسلاميين.الإشكال في هذا التخوف، كما أوضحت لمن طرحوا الأسئلة حينها، هو أنه من النوع الذي لا يمكن الاحتراس منه. الكماليون مارسوا دكتاتورية مطلقة علي الجمهورية منذ تأسيسها في عام 1922، ولم يتورعوا عن التنكيل بخصومهم عبر العنف المسلح والمدني. وما زالوا حتي الآن يمارسون الحظر علي أي حزب سياسي لا يرضون عنه عبر الأجهزة القضائية والعدلية الواقعة تحت هيمنتهم. فإذا أتوا الآن بعد أكثر من ثمانية عقود علي قيام الجمهورية ليعلنوا تخوفهم من هزيمة في العملية الديمقراطية فلا يمكن أن يبقي لهم عذر. فما الذي يريدونه بعد ذلك؟ ثمانية عقود أخري من الدكتاتورية؟ وما الضمان بعد ذلك أيضاً ألا يخسروا؟ أليس من العقل إذا كان الأمر كذلك التسليم بالهزيمة؟ وأضفت قائلاً إن نظاماً يعيش هاجس السقوط لمجرد أن امرأة تمارس حريتها في أن تلبس ما تشاء هو نظام لا مستقبل له.من جهة أخري فإن تفوق حزب أردوغان قد لايكون هزيمة للعلمانية، بل قد يكون آخر فرصة لحمايتها من الاندثار. ذلك أن وجود حزب ديمقراطي مثل حزب العدالة والتنمية يطور العلمانية ويحولها إلي نظام ديمقراطي بدل النظام الثيوقراطي الكمالي هو الطريق الوحيد إلي نقل الجمهورية الكمالية من وضعها الشاذ الذي ينتمي إلي القرن التاسع العشر إلي رحاب القرن الواحد والعشرين. فالكمالية التركية بوضعها الحالي أقرب كثيراً إلي النظام الإيراني منها إلي الديمقراطيات الأوروبية التي تزعم بها تشبهاً.وقد كانت مفارقة لها مغزاها أنني كنت التقيت في زيارتي المذكورة إلي استانبول بعالم دين إيراني كان يحضر المؤتمر معنا ودار بيننا حوار حول الانتخابات الإيرانية التي كانت علي وشك أن تعقد حينها، وسألته عن رأيه في مرشحي الرئاسة وخاصة المرشح محمد خاتمي الذي كان قد بدأ نجمه في الصعود وقتها. أجابني الرجل برفض قاطع لترشيح خاتمي معللاً ذلك كما قال بأنه يخشي أن يسلم خاتمي أمر البلاد إلي الأمريكان .حقبة خاتمي جاءت ومضت علي ما هو معروف، وتم بعدها توجيه ضربة للإصلاحيين واستعادة هيمنة رعاة النظام التقليديين علي كل مقاليد الأمور. واتهم خاتمي وأنصاره بما اتهموا به من ممالأة الغرب وتهديد النظام الإسلامي بسبب دعوتهم للحريات، مع أن غالبية أنصار خاتمي كانوا من أنصار النظام الإسلامي. ولكن كثيرا من الدلائل تشير هنا أيضاً إلي أن تجربة خاتمي ربما كانت أيضاً فرصة اللحظة الأخيرة لإنقاذ النظام الإسلامي في إيران من انهيار محتم عبر تحديثه وعقلنته.هناك بالطبع اختلافات بين تجربتي خاتمي وأردوغان، مثلما هناك اختلافات بين نظامي إيران وتركيا. بعض المحللين كان يري التشابه أكثر بين نظامي الشاه في إيران والنظام الكمالي في تركيا من حيث نهجمهما في فرض العلمنة قهراً علي مجتمعات ذات تاريخ إسلامي عريق وموالاتهما للغرب. ولكن أوجه التشابه أكثر بين النظامين القائمين اليوم من حيث اعتمادهما أيديولوجية تفرضها الدولة بقوة الدستور، وعبر مؤسسات الدولة القضائية والتنفيذية، خاصة العسكرية والأمنية. ويسمح النظامان بقدر محدود من الديمقراطية والخيار الشعبي، ولكن في إطار ضيق، بحيث أن الأحزاب والمرشحين ممن يتهمون بعدم الولاء للنظام لا يسمح لهم بالمنافسة أصلاً. كل من خاتمي وأردوغان متهمان من قبل أعمدة النظام بعدم الولاء للنظام القائم، وإن كانت دعوي خاتمي في الولاء للنظام الإسلامي أقوي من دعوي أردوغان في الولاء للنظام الكمالي. خاتمي علي كل حال لم يقترب من مراكز القوة الحقيقية في النظام الإيراني المتمثلة في منصب الولي الفقيه ومجلس الخبراء ومجلس تشخيص مصلحة النظام، فضلاً عن القضاء والجيش والحرس الثوري والأجهزة الأمنية. أما أردوغان فهو بالمقابل يقترب اليوم من قدس الأقداس في النظام العلماني المتمثل في رئاسة الجمهورية، بينما منحه منصب رئاسة الوزراء والهيمنة علي البرلمان سلطة حقيقية لم ينعم بها خاتمي، إضافة إلي نجاحه في تقليص نفوذ المؤسسة العسكرية وتعميق الديمقراطية تحت ستار الانصياع لمطالب الانضمام للاتحاد الأوروبي.هذا التوازي بين مصائر تيارات التحديث الديمقراطي في كل من تركيا وإيران رغم التناقض الظاهري بين نظاميهما يشير إلي أن أزمة الديمقراطية التي يواجهها العالم الإسلامي هي أعمق بكثير من مجرد شكل هذا النظام أو ذاك. فالذي يجمع بين هذه النظم الرافضة للإصلاح هو وجود فئة تهيمن علي الحكم بالقوة ضد إرادة الغالبية الكاسحة من الشعب. ورغم أن هذه القلة ظلت في الحكم لعقود تحت مختلف الدعاوي من تحديث أوعلمانية أوقومية أوأسلمة أو استقرار أو أي شعار آخر، فإنها من جهة فشلت في تحقيق الأهداف المعلنة، بل بالعكس، أبعدت البلاد عنها بسنوات ضوئية. وأهم من ذلك فإن شعبية هذه الأنظمة في انحدار مستمر، مما يجعلها في عداء مستمر مع الشعب ورفض لأي خطوات تمنح الشعب الحق في تقرير مصيره واختيار حكامه. ولعل الأوان قد آن لكل هذه الأنظمة للاعتراف بأن الطريق المغلق الذي دخلته لن يفضي إلا إلي المزيد من الجمود وعدم الاستقرار، وأن تعلن النخب عن فشلها الذي أصبح واضحاً لكل ذي عينين، وأن تعيد الأمانات إلي أهلها لتتولي الشعوب أمر نفسها بعد أن كبرت علي كل وصاية من قوم هم أنفسهم من القصر.9