د. سعيد الشهابييمكن القول ان الحرب النفسية المشتعلة بين ايران من جهة والكيان الاسرائيلي مدعوما بالولايات المتحدة الامريكية من جهة اخرى من اكبر الحروب الباردة في العقود الاخيرة. ولا يمكن فصل الازمة السورية التي احدثت حالة استقطاب واضحة بين معسكرين واضحي المعالم عن تلك الحرب، بل اصبحت فصلا منها. فمنذ عشرة اعوام تصاعد اوارها واتخذت اشكالا شتى وابعادا بدون حدود، واشتركت فيها اطراف متعددة، واصبح لها ذيول جغرافية وسياسية متداخلة. فهل بلغت الازمة اوجها؟ وهل ستبقى ضمن الاطر السياسية والنفسية الحالية ام ستتحول طبيعتها لتصبح حربا ساخنة؟ لن يجيب احد على هذا السؤال بشكل قطعي ولكن ستطرح في سياق الاجابة سيناريوهات عدة واحتمالات تتكرر كثيرا يفتقر اغلبها الى الحكم اليقين، ويعتمد على التقييم الظني. فاذا كان الكيان الاسرائيلي ينطلق في استمرار تهديداته على اساس الهاب مشاعر الصهاينة واثارة حفيظة العالم وصرف الانظار عن التناقضات الداخلية في المجتمع الاسرائيلي، واضعاف التركيز على قضية فلسطين، فان ايران هي الاخرى تشكل تصوراتها على اساس الصراع الايديولوجي الديني، وتأمل ان يكون ذلك كافيا لجذب اهتمام الرأي العالمين العربي والاسلامي. فقد استثمرت الجمهورية الاسلامية في قضية فلسطين الشيء الكثير منذ اليوم الاول بعد انتصار الثورة، وبالتالي لن يكون من السهل تنازلها عن قضية تعتبرها محورية في سياستها الخارجية. لكن الحرب النفسية تتخذ ابعادا اخرى عندما تضاف اليها التطورات الميدانية المتجددة. فكيف يمكن النظر الى الحرب الالكترونية التي تتجدد وتتخذ اشكالا شتى. فاذا كان فيروس ‘ستاكسنت’ الذي بتته ‘اسرائيل’ وامريكا وضربت به المنشآت النووية الايرانية قبل عامين قد ايقظ الايرانيين على مخاطر الحرب الالكترونية ودفعها لاتخاذ احتياطات فاعلة لحماية تلك المنشآت، فان إصرار الكيان الاسرائيلي على مواصلة حربها الالكترونية بدعم الولايات المتحدة يؤكد ان الحرب الباردة الحالية لا تقل ضراوة عما شهدته الخمسينات والستينات بين المعسكرين الغربي والشرقي. كما تكشف سرعة الايرانيين في التعاطي مع حرب الفيروسات وقدراتهم الفائقة على خوض غمار هذا النوع من التوترات والسباقات. ويدعي الايرانيون ان منشآتهم النووية والعسكرية محصنة ضد اي عدوان الكتروني محتمل. بل انهم نقلوا الحرب الالكترونية الى داخل الولايات المتحدة باستهداف مواقع بعض المصارف الكبرى وتعطيل عملها وتكبيدها خسائر مالية كبرى. وشعروا بثقة اكبر بالنفس بعد اعتقال مجموعات تعمل لصالح ‘اسرائيل’ اعتبروها مسؤولة عن اغتيال عدد من علماء الذرة الايرانيين، واضعفوا بذلك امكانات الموساد الاسرائيلي عن مواصلة سياسة اغتيالات علماء الذرة الايرانيين.الشارع الايراني قد لا يعرف الكثير عن الاعتداءات الالكترونية على المنشآت النووية في بلده، لكنه يدرك جيدا تبعات اصرار حكومته على امتلاك دورة تخصيب نووية كاملة برغم اعتراض الغربيين على ذلك. فتراجع العملة الايرانية في الاسابيع الاخيرة أكثر من 30 بالمائة يعتبر خطرا لا يمكن التقليل من شأنه. فقد اضطر الرئيس الايراني للتدخل العاجل واصدار الامر بوقف التعامل في السوق السوداء لعمليات صرف العملة، حفاظا على قيمة الريال الايراني. وتقول الانباء ان السلطات اعتقلت مجموعة من المواطنين مؤخرا قالت انهم يمتلكون 20 مليون دولار وانهم قاموا بشراء كميات كبيرة من العملة الامريكية وتسببوا في شحة الدولار وارتفاع سعره، ويضيفون ان هذا العمل ساهم في تضخيم سعر الدولار واضعاف العملة الايرانية. ولكن هذا التفسير لا يؤكده الواقع، لان المبالغ المذكورة لا تضاهي من قريب او بعيد حجم الاقتصاد الايراني. مع ذلك فقد كان لهذه التطورات وتصدعات السوق المالية آثار نفسية كبيرة على المواطنين. وثمة انباء تقول بان الجهات الامنية الايرانية اصبحت قلقة جدا من استمرار الازمة المالية الحالية، وانها ان استمرت بضعة شهور اخرى فستؤدي لايجاد مناخ مناسب للاضطراب الامني مع حلول استحقاق الانتخابات الرئاسية منتصف العام المقبل. فاذا كانت السلطات قد عانت كثيرا في محاولتها استرداد الامن خلال الاضطرابات التي شهدتها ايران بعد جولة الانتخابات الرئاسية السابقة، فان وجود العامل الاقتصادي هذه المرة سوف يسهل مهمة اعداء ايران الذين يخططون لاضعاف النظام واستهدافه من الداخل. ويشير بعض المسؤولين الايرانيين الى ان سياسة الاستهداف من الداخل توفر بديلا خطيرا للحرب العسكرية ضد بلادهم، ولذلك فقد قرعوا الاجراس في اوساط القوات الامنية لايقاظ مسؤوليها على واقع صعب ينتظرهم، وان الحرس الثوري على وجه الخصوص اصبح مسكونا بهاجس الامن وطرق احتواء الازمات المتوقعة التي يعمل اعداء ايران على اذكائها مستغلين الظروف الاقتصادية الصعبة للنظام الاسلامي. ويدرك القادة الايرانيون ان نظامهم مستهدف بشكل جدي بسبب سياساته الخارجية الرافضة للهيمنة الغربية على العالم الاسلامي خصوصا منطقة الشرق الاوسط. ويشعر القادة الايرانيون بثقة بالنفس غير مسبوقة، وانهم قادرون على ادارة ملف العدوان المحتمل، خصوصا بعد توسع دائرة العداء العربي للسياسات الامريكية في مرحلة ما بعد الربيع العربي، وتراجع نفوذ واشنطن وحلفائها في المنطقة، وعجز الكيان الاسرائيلي عن منع تغير الانظمة التي كانت تعتمد عليها لاحتواء المخاطر الامنية التي يواجهها، وتصاعد نغمة العداء للكيان الصهيوني. وزاد من ثقة الايرانيين قدرتهم على تطوير قدراتهم الالكترونية بمعدلات غير مسبوقة، خصوصا في مجال الرد على الاختراقات الالكترونية الصهيونية. وفي الاسبوع الماضي اصدر فريق من مخترقي المواقع الالكترونية (هاكرز) ايراني بيانا اعلن فيه انه تمكن من اختراق 370 موقعا الكترونيا صهيونيا ردا على الاساءة للنبي محمد (ص). وذكر الفريق الذي يطلق على نفسه (ايرانيان ديتاكودرز) انه اخترق العديد من المواقع الالكترونية المرتبطة بالكيان الصهيوني في المجال الامني والاقتصادي والتجاري وخدمات الانترنت ووضع عليها خطابا لقائد الثورة في ادانة الاساءة للنبي الاعظم (ص) باللغتين الفارسية والانكليزية، بحسب ما ذكرته وكالة الانباء الايرانية ‘مهر’. ومن اهم المواقع الصهيونية التي تعرضت للاختراق على يد فريق الهاكرز الايراني، موقع ISSP الذي يعد الخطط الامنية للجيش الصهيوني، و security الشركة المنتجة للانظمة الامنية في الكيان الصهيوني، وبنك تيفا، و businetone الشركة الصهيونية التجارية الكبرى مع جميع المواقع الفرعية التابعة لها، و موقع تجاري صهيوني هام يسمى myticket والمجموعات التابعة له. وقد سبق لفريق (ايرانيان ديتاكودرز) ان اخترق قبل ذلك عددا من المواقع الصهيونية الالكترونية.وعلى صعيد آخر يبدو الايرانيون اكثر ثقة بقدراتهم على الدفاع عن بلدهم ونظامهم السياسي من اي وقت مضى، واكثر استسخافا للتصريحات الاسرائيلية التي تهدد بشن الحرب ضدهم. ويقولون ان العدو يعلم انه لا يمتلك القدرة على استهداف ايران عسكريا، وان بامكانهم الحاق هزيمة ماحقة ضده. ويؤكدون قولهم بانهم قادرون على اطلاق اكثر من احد عشر الف صاروخ ضد الاهداف الاسرائيلية والامريكية في الساعة الاولى من شن العدوان ضدهم، وان اكثر من 30 بالمائة من سكان الكيان الاسرائيلي سيهربون من المدن بحثا عن ملاذات آمنة. وقد اعلن قائد مقر خاتم الانباء (ص) للدفاع الجوي في الجش الاراني العمد فرزاد اسماعلي، نشر اكثر من 3 الاف قاعدة للدفاع الجوي في ارجاء مختلفة من ايران. واكد اسماعيلي انه تم تحدث مقرات الرادارت المنتشرة في ارجاء البلاد برغم الحظر الغربي المفروض عليها. وقال ‘لو كانت قواتنا لا تمتلك هذة التقنة لكنا نتذوق الهزمة في فترة الحرب الالكترونة وما كان باستطاعتنا الكشف عن العدد من طائرات العدو’. وكشف اسماعلي عن تصمم وانتاج جل جدد من رادارات ‘اتش اف’ و’في اتش اف’ من قبل الخبراء الارانن، وانه تم حالا استخدامها في وحدات الدفاعات الجوة بالبلاد. هذه الاستعدادات تكشف عمق القلق الايراني من عدوان اسرائيلي محتمل، واصرار المسؤولين على توفير كافة الامكانات العسكرية ليس لمواجهته فحسب بل لنقل المعركة الى داخل الكيان الاسرائيلي. واكد امين مجمع تشخيص مصلحة النظام الايراني محسن رضائي ان الكيان الاسرائيلي لا يجرؤ على شن هجوم على ايران، وانه في حال ارتكابه هذه الحماقة فان قدرة الردع الايرانية ستوجه اليه ضربة موجعة تسفر عن مقتل ما يزيد عن 10 آلاف اسرائيلي. ان التهديدات والتهديدات المضادة جانب من الحرب الباردة القائمة، وتمثل حالة تسخين تدريجي نحو المنازلة الكبرى بين الطرفين. كما ان تصاعد التوتر على الحدود التركية السورية مؤخرا ساهم في تأزيم الاوضاع والعلاقات الاقليمية منذرا بحرب لا يعرف احد مداها.ولعل اعلان الجهات الامنية والعسكرية الاسرائيلية الاسبوع الماضي عن اسقاط طائرة بدون طيار فوق الاراضي المحتلة يؤكد جانبا من الادعاءات الايرانية بان ‘اسرائيل’ تعاني من ثغرات كبيرة في اجراءاتها الامنية وانها فشلت في تأمين اجوائها بالشكل الذي يوفر لها حماية مطلقة من هجمات خارجية. الطائرة المذكورة اطلقها حزب الله فوق الاجواء الفلسطينية وتمكنت من التقاط كميات كبيرة من الصور لمواقع حساسة من حقول الغاز في المياه الساحلية. والاخطر من ذلك انها تمكنت من التقاط صور ونقل معلومات من اجواء صحراء النقب خصوصا المنشآت النووية الاسرائيلية، وهو اخطر ما لدى الكيان الاسرائيلي من مواقع. فبدون هذه المنشأة يتجرد الكيان من قدراته الردعية ويفقد تفوقه العسكري النوعي، ومعه هيبته التي طالما تشدق بها ودفعته لتحدي الآخرين. وكشف الاعلان عن امتلاك حزب الله قدرات عسكرية بهذا المستوى حجم التحدي الذي تواجهه ‘اسرائيل’ بعد اكثر من ستة اعوام من عدوانها على لبنان. فاذا كانت الهزيمتان الاسرائيليتان في 2006 و 2008 قد كشفتا الكيان وهشاشة قواه العسكرية وامكاناته الردعية فان التطورات تكشف فشله في تطوير امكاناته او استرداده الامكانات الرادعة لقوى مثل حزب الله اللبناني وحماس الفلسطينية. ومن المؤكد ان حلفاءه الغربيين خصوصا الولايات المتحدة وبريطانيا ستردعانه عن المغامرة بشن حرب ليست غير مضمونة النتائج فحسب، بل ان تبعاتها ستكون مدمرة للوجود الاسرائيلي في المنطقة. هذه الحقائق مجتمعة تمثل تغيرا نوعيا في موازين القوى في المنطقة لغير صالح التحالف الغربي الداعم للكيان الاسرائيلي، خصوصا بعد حدوث التغيرات السياسية في الفترة الاخيرة وسقوط نظام حسني مبارك، وما يمثله من دعم استراتيجي للكيان الاسرائيلي. الامريكيون والغربيون يدركون ذلك جيدا، ويعلمون ايضا ان هذا الخلل في التوازن لن تنحصر آثاره على الكيان الاسرائيلي، بل ان الكيانات الصديقة للغرب، كالسعودية مثلا، لن تكون بمنأى عن ذلك التصدع. انه اختلال حقيقي في التوازن الاقليمي قد يظهر للعيان بشكل اجلى واخطر في حال شن حرب عدوانية ضد ايران. ولذلك بادر البريطانيون الشهر الشهر الماضي لزيارة تل أبيب وتحذير مسؤوليها من مغبة شن عدوان على ايران بدون غطاء عسكري انكلو امريكي واجماع دولي واضح. وهكذا يتضح ان التهديدات الاسرائيلية المتواصلة بشن حرب ضد ايران اصبحت ورطة للتحالف الغربي وليس لايران وحدها، بل ربما كانت ‘ضارة نافعة’ اذ دفعتها لاتخاذ احتياطات امنية وعسكرية والكترونية اوسع، وحصنت نفسها امام التهديدات. هذه الاستعدادات غيرت موازين القوى في المنطقة بشكل جذري، خصوصا بعد التغييرات التي احدثتها ثورات الربيع العربي وصعود انظمة حكم ذات ايديولوجية اسلامية. ولكن قادة ايران يعلمون جيدا ان الحصار الاقتصادي الذي يتعرض له شعبهم ليس مزاحا بل ازمة اقتصادية تزداد حدة بشكل تدريجي. وبرغم قدرة الايرانيين على المراوغة والالتفاف على الحصار الا ان صادرات ايران لا تتجاوز مليوني برميل يوميا، اي ثلثي ما كانت تصدره قبل الحصار. كما ان المقاطعة المفروضة على القطاع المصرفي والمنع الامريكي من التعامل مع البنك المركزي، كل ذلك ادى الى مضاعفة الصعوبات الاقتصادية التي تواجهها الجمهورية الاسلامية الايرانية. وسيتحدد الوضع الايراني في المستقبل المنظور وفق ما تستطيع عمله ليس للتشويش على مواقف الدول الغربية ازاءها بل لفرض ميزان جديد لتوازن القوى في المنطقة يؤدي الى اعادة قضية فلسطين الى الواجهة وفرضها كاولوية لدى اصحاب المشروع الاسلامي. ‘ كاتب وصحافي بحريني يقيم في لندن