شوكولا عرض شو مفتوح علي قضايا الشباب والعصر:
دمشق ـ “القدس العربي” من أنور بدر: بين انتقالي من مسرح الأوبرا بعد انتهاء حفل افتتاح مهرجان دمشق السينمائي إلي القاعة المتعددة الاستعمالات من نفس الدار لحضور مسرحية شوكولا لم تكن المسافة الزمنية قصيرة، أو أن حفل الافتتاح تأخر قليلاً، فيما أصرت المخرجة رغدا شعراني علي احترام توقيت العرض، فدخلت تلك القاعة الصغيرة والحميمية لأفاجأ بازدحام غير متوقع، وموسيقي صاخبة، كما سرقتني لبعض الوقت شاشة عرض كبيرة تتناوب عليها صور الممثلين مع تعريف بأعمارهم وأدوارهم، ولا أدري إن كان هذا استعارة من دور الراوي أم أنها إحالة إلي عالم السينما.
في هذه الأثناء تعودت عيناي علي الرؤية في ظلام القاعة، ووجدت لنفسي مكاناً علي الممر الجانبي للمقاعد. كانت مجموعة الممثلين الشباب الستة قد دخلت في مشهد افتتاحي، يعرض إلي علاقتهم ببعض. شخص اسمه حنا كان يروي لنا شيئاً من أحلامه وإحباطاته، لنتعرف لاحقاً أنها لم تكن إلا هلوسات سكران، أفقدته حبيبته حين أصر علي تشبيهها بـ كر صغير وجميل.
فيما بعد نتعرف علي شادي شقيق حنا، مضطهد من قبل أبوين يعيشان علاقات منفصلة. مع ذلك تدعوه والدته للإيمان بالله، يهرب أو يسافر ثم يعود إلي البلد وقد أدمن الشم وحين لم يعطه أحد ثمن الشم يذهب مع ذلك الشخص الذي يمتهن رجولته.
في هذا العمل كثير من التعرية لمشاكل الشباب، أزماتهم، علاقاتهم العاطفية، أحلامهم، فيه الكثير من لغة الواقع ومشاكله، من التجاوز لكل الخطوط الحمراء وتسمية الأشياء بأسمائها، وفيه بالمقابل كثير من المغامرة باستخدام الموسيقي، وعروض الفيديو التي تستمر حتي النهاية، شاشة العرض التي قدمت لنا في البداية كتابة ضوئية للتعريف بالممثلين، استمرت معنا حتي النهاية عنصرا أساسيا في العمل. في لحظات كثيرة تتساوق صورة الفيديو مع صورة الممثل أو الممثلين. وفي لحظات أخري كان يجري تثبيت صورة الفيديو ليتابع الممثل دوره بشكل منفصل.
كذلك جري الاتكاء علي الفيديو لتقديم صور من الذاكرة، استحضار مشاهد المرأة، أو للحوار معها، فالمرأة لم تكن ممثلة فوق خشبة العرض، بل جاءت عبر الفيديو فقط، كما جري استغلال تلك الشاشة لتقديم مشاهد تلفزيونية ولقطات لشارلي شابلن. كذلك استفادت المخرجة من هذه الشاشة في توجيه تحية أو إهداء في نهاية العرض لذكري شقيق غير حقيقي لها، اختطفته يد المنون وهو في ذروة تألقه وعطائه، لكنه ما يزال في الذاكرة، حضور عزيز علينا جميعاً، إنه الكاتب والناقد عمار ألكسان.
ستة ممثلين هم مروان أبو شاهين، علاء الزعبي، كفاح الخوص، سيف أبو أسعد، شادي مقرش، كامل نجمة. مع مشاركة من قبل الفنانتين ريم علي وريم خطاب، أحسست أنه يمكن لنا أن نلتقي بهم يومياً، يمكن أن نعرف قسماً لا بأس به منهم، أو أن نعرف أناساً يشبهونهم، أو أنهم بطريقة ما كانوا يشبهوننا جميعاً، في الأزياء، في طريقة الكلام، في الاهتمامات والمعاناة، وحتي في الأحلام والأوهام التي يعيشونها، ممثل لا يحب مهنته، مصور لا يحب اللون البرتقالي، مخرج يبحث عن فرصته… قدمتهم المخرجة ضمن سياق أوركسترا متناغمة، ثم توقفـــت مع كل آلة لتبدأ بتقديم إيقــاعات منفردة وتقاسيم خاصة بكل شخصية، هي عبارة عن ذاكرته الخاصة، أو عن حكايته التي لم تنته.
وقد حاولت رغدا شعراني المخرجة أن تقدم هذه الحكايا في عرض شو يحمل عناصر الإبهار البصري، وهو عرض جميل بامتياز، ولا أعرف لماذا أصرت أن تسميه شوكولا مع أن الكتابة الأجنبية علي بروشور العرض حافظت علي صيغة من مقطعين للفظة (Shawcala) بدلاً من (Chocolate) المستخدمة للدلالة علي كلمة شوكولا. وللتذكير فقط ننوه بأن هذه التقنية في كسر الإيهام لدي المتلقي وخلق نوع من المشاركة العقلية معه، بدأ مع إروين بيسكاتور 1893 ـ 1966 ، في المسرح الذي أسسه وعرف بـ المسرح السياسي، حيث تقطيع العرض إلي لوحات، واستخدام تقنيات الفيديو والشرائح الضوئية، وهي تعديلات طالت العرض المسرحي في الشكل والمضمون معا. وذلك ما حاولت شعراني أن تقاربه من بعيد، لكن الرسالة كانت واضحة، وجاءت معبأة بشحنة انتقادية للمجتمع والنظام السياسي باعتباره المسؤول الأول عن أزمات جيل الشباب ومعاناته.
لم نكن أمام دراما تقليدية. لم نشاهد صراعاً بين الأبطال، ولا ثنائيات الخير والشر، بل كانت الحياة المعاصرة لهؤلاء الشباب تمر أمامنا بكل مكوناتها الاجتماعية والاقتصادية، وكانت تمر أمامنا بكل ما تمثله من أنماط تفكير وسلوكيات تمرد علي البيئة والمجتمع والتقاليد.
يوسف المغامر باتجاه الإخراج ما زال يذكر أيام فقره والبرد، حين تركته والدته صغيراً وهربت من والده السكير مع رجل آخر. يومها قرر أن لا يعيش فقيراً أبداً، أي قرر كسر الحواجز وتخطي كل الخطوط الحمراء مقابل أن يصل.
كاميرا رغدا شعراني كانت أمينة لهذه الشريحة من الشباب ومشاكلها وتطلعاتها، وأمينة في رصدها للبيئة والمجتمع، ولا بُد من تسجيل تقدير للدراماتورج موسي اسود الذي صاغ مشاهد غنية بالحوارات ودلالاتها. حتي المنولوجات الطويلة في بعض الأحيان لم تخرج عن سياق العرض، ولم تودِ بنا إلي الملل. بل ان اختيار هذا النمط من العروض الذي يعتمد علي نوعين من التمثيل، فيديو ومسرح كما يعتمد علي نمط من الكوميديا الخفيفة، وتلوينات صاخبة من الموسيقي والرقص لم تتح للمشاهدين أي فرصة لملل خلال ساعة ونصف تقريباً. وهي مدة العرض.
ولا بُد من الاعتراف بان رغدا شعراني لم تكن أمينة للمسرح الكلاسيكي، لكنها مع ذلك قدمت عرضاً ناجحاً أخلص لهمومنا المعاصرة ولشعار المهرجان الشباب مستقبل المسرح العربي. وهي إن استفادت من تقنيات العرض المتطورة، لكنها أتاحت للممثلين مجالاً لإبراز قدراتهم التمثيلية، وأخذتنا إلي مغامرة مثيرة تفتح آفاقاً للتجريب والإبداع بآن ٍ معاً.