استدعاء رواية «الحرب في بر مصر» ليوسف القعيد: مقدمات ونتائج

لطالما كانت الرواية العربية منذ نشأتها أسيرة تداعيات الوقائع إلى حد ما، بل ما انفكت ترتهن للمرجعيات الخارجية القلقة بأحداثها، وشخوصها كي تخطّ تاريخاً موازياً يثير الكثير من الجدل حسب منظور التاريخانية الجديدة، بيد أنّ القيمة الحقيقية لبعض الأعمال تتجلى في قدرتها على أن تثير أسئلة مستمرة ودائمة وتعيد موضعة المعنى لا في زمن الرواية فحسب، إنما في أزمنة مختلفة.

مقدمات منطقية

في رواية عربية عرفت الشهرة والتكريس بوصفها أهم رابع رواية عربية – حسب القائمة التي وضعها اتحاد الكتاب العرب – ونعني «الحرب في بر مصر» المنشورة سنة 1978 للروائي المصري يوسف القعيد، نعاين جزءاً من السردية العربية المتصلة بالصراع العربي الصهيوني، فالرواية تُعنى بزمن مركزي في التاريخ العربي الحديث، ونعني حرب أكتوبر/تشرين الأول سنة 1973 التي تعدّ آخر الحروب التي خاضتها مصر ضد الكيان الصهيوني، وعلى الرغم من ذلك فإن هذه الحرب لم تنهِ ما كمن في داخل الشعب المصري من رفض لهذا الكيان، على الرغم من اتفاقيات السلام التي أمست جزءاً من واقع مرفوض في الوعي الجمعي والشعبي.
إن عنوان «الحرب في بر مصر» يكاد يحمل صدى لإحالة لحرب بدت حاملة لنهايات معينة، أو أنها طوت صفحة ما، وهكذا، فالرواية قد تنطوي على تفسير لما سوف يصدر من مناخات مقبلة، أو متوقعة تأتي نتاج بنية ثقافية، لقراءة ما يمكن أن ينتج بعد الحرب، وهي صيغ يمكن أن نجملها بجملة تحولات تكثفت في لحظة معينة، ولاسيما بُعيد حرب أكتوبر، مع التأكيد أنها أيضاً ليست نتاج اللحظة الراهنة إنما هي تراكم تحولات تاريخية قادت إلى نهايات منطقية.
تُبنى الرواية بنية سردية تخضع بالكلية لقوة الحبكة، ضمن نموذج سردي يحتمل قيمة على مستوى التلقي، فيجعل من الرواية في متناول وعي القارئ المتصل بتتبع مآلات الحكاية، فلا يوجد تشتيت، أو فيض من لغة وصفية، أو أحداث مجانية، كون الرواية تنهض على تشييد يعتمد بنية حكائية، تعتمد على أصوات متعددة تنهض بالسرد، ومنها شخصيات: العمدة، والمتعهد، والخفير، والضابط، وشخصية مصري، وسائر الشخصيات التي تضطلع بإضافة طبقة من التأويل لما قامت به، وشهدته، وهنا تكمن قيمة فهم العالم من منظور الشخصيات بغية تحقيق موازنة في تقييم الآثار والتداعيات للأحداث في رواية تتبنى الصيغة السينمائية، فلا جرم أن تتحول إلى فيلم بعنوان «المواطن مصري» سنة 1991.
إن مركزية الأحداث تبدو محدودة، أو أنها مشدودة للحبكة المهجوسة بسياقات التّحول، عبر الانفتاح على قرار إرجاع الأراضي لملاكها السابقين، ومنهم العمدة، وهكذا نرى شرخاً، أو ردة عن قرار سابق انحاز للفلاحين والعمال، وقبل ذلك كان يسود نمط إقطاعي في أيام الملكية، ومن ثم يُسترجع النمط الاقتصادي بصورة معدّلة كي ينتج نخباً جديدة، ومن ثم أعقب ذلك تحرير الاقتصاد عبر تهيئة الأجواء لنشوء طبقة رأسمالية، ولعل ما سبق يحمل شيئاً من النكوص المستمر، وبناء عليه، فإن ثمة استعادة لنمط متكرر من إعادة إنتاج الهيمنة التي لا يمكن أن تتوقف.

توصيف محايد

تبدو الرواية ـ ظاهرياً – معنيّة بالآني خلال حرب أكتوبر ضمن قراءة تأويلية للعلاقة مع الوطن، مع بيان قيمة التضحية التي تختزل في بناء رمزي، فهناك من قدّم التضحيات، وهناك من قبض ثمنها. وهكذا نختزل وقائع إحلال ابن الخفير مكان ابن العمدة الذي كان مقرراً أن يلتحق بالتجنيد، فتبرز مفارقة النزعة الطبقية، حين نرى أن ابن الخفير كان متفوقاً في الدراسة على عكس ابن العمدة؛ ضمن صيغة تمكين ذلك التمثيل المنوط بإدانة شريحة طبقية تستغل كل شيء، لكن الرواية لا تتوقف عن ذلك، فنرى أنّ الفساد جزء من منظومة لا تخضع لتعميم مطلق، فكما يوجد موظفون فاسدون أسهموا في تزوير عملية الاستبدال… ثمة موظفون آخرون حاولوا كشف الحقيقة، لكنهم اصطدموا بنظام ينحاز للقوي على حساب الضعيف، بداعي مسوّغات مناخات الحرب، فهُضمت حقوق «مصري»- ابن الخفير- سواء أكانت حقوقه المعنوية بوصفه شهيداً، أم حقوقه المادية التي حُرم منها والده الفقير؛ ما يعني تكريس ظلم مركب يدعو للمفارقة.
إن أسلوبية اختيار اسم «مصري» يكاد لا تخفى على القارئ، حيث يلعب اسم العلم القائم على النسبة دلالة إشكالية في تعريف حقيقة من هو (المصري) فتختزل شخصية ابن الخفير وقائع هذا النموذج، بما تحمله من سمات؛ أهمها الوطنية المطلقة، فقد قرر «مصري» أن يخوض الحرب بحماس ووطنية بغض النظر عن هويته، فقام بتأجيل كشف الحقيقة كي يتحول إلى مضمر التضحية المنوطة بمجهول، لكنه مجهول يدركه الجميع عبر تعريف (المصري) الذي تختزله حكاية شخصية «مصري». ولعل الرواية في تكوينها العام لم تلجأ لاستخدام أسماء العلم، باستثناء شخصية «مصري» التي تنهض على جدلية قوامها المزج بين التخصيص والتعميم في آن واحد، بالتوازي مع طمس أسماء سائر الشخصيات التي ارتهنت لوقائع وجودها أو وظيفتها، وكأنها تكرس تأطير النموذج على حساب الخصائص الفردية، أو الذات، فالقيمة منوطة بمجمل الشخصيات يتحدد بمسلكها، فنرى المتعهد والعمدة والخفير والضابط والمسؤول الكبير، وهكذا.
تنهض الرواية على سردية متأملة، حيث نرى الشخصيات تخاطب القارئ، أو أنها تروي لمستمع، فتسعى لأن تجعله مركز وعي خطابها، عبر تبريرات أو تشريع الفعل تبعاً للمنظور – كما سبق أن أسلفنا- وهنا يبدو تبدو الصيغ السردية في حالة حياد طبيعي للوهلة الأولى، لكن وعي القارئ لا تستغلق عليه قيم الإحالة في تفكيك البنى القيمية والأخلاقية، فحتى «مصري» ووالداه في قبولهما لطلب العمدة كانوا ينطلقون من خيار، أو أقرب إلى خيار، على الرغم من أدوات الضغط التي لجأ إليها العمدة، الذي يُدان من منظور طبقي، ووطني، غير أنّ هذا يوازي ضعف واستسلام الشاب مصري ووالده، حين قبلا أنْ يكونا جزءاً من ثقافة فاسدة، فلا يمكن أن نبرئ الموقف على الرغم من استغلال العمدة لحاجة الخفير وفقره.
على الرغم من خدمة الخفير للدولة، غير أنها تخلّت عنه في كل المواقف، فأخذت أرضه (أو الأرض التي كان يستفيد منها) ومن ثم أحيل للتقاعد مع راتب ضعيف لا يسد رمقه، ومن ثم كان العمل لدى العمدة، والعيش على فضلات طعامه، ومن ثم جاء استغلال ابنه، واستشهاده، وأخيراً عدم الحصول على تقدير أو تعويض عن كل ما سبق، مع شيء من الاستسلام من لدن الخفير وشخصيات أخرى، كالضابط أو المحقق الذي اكتشف الحقيقة، كما الأهالي.. لكنهم – جمعياً- عجزوا عن مواجهة النظام.

الثقافي والتغيير

تكرّس الرواية مقولة ثقافية تأخذ من كل فعل، أو حدث صيغة لتجسيد ثقافة سائدة، فتحتمل الشخصيات إحالات واضحة، أو بوصفها جزءاً من نظام ثقافي على مستوى الدولة، أو المجتمع، وبينهما ثمة الكثير من القلق والاضطراب اللذين يختزلان – ضمن بعد كنائي نسقي- صيغاً ثقافية تجسّد وقائع تخليق الفساد ضمن بنية تحتمل الكثير من التبرير التأويلي لكل فاسد، بما في ذلك تجاهل حقيقة أن «مصري» الذي يختزل مصر بشعبها هو من قدم التضحية الحقيقية، ومع ذلك فقد بقي مجهولاً، وسيبقى مجهولاً أمام لافتة أكبر يتوافق عليها الجميع، وتتصل بحساسية الحرب، وكأن الرواية ترغب في إعادة المفاهيم لطبيعتها أو حقيقتها، فتسعى لأن تقيم جزءاً من معادلة العدالة التي يفتقر إليها الإنسان منذ بدء الخليقة، ويبقى البحث عنها مرجأ لعوالم أخرى، وهي صيغة تعدّ لكل من الفقير والضعيف والمستسلم، تعزية أو مخدراً يبقيه في حالة ارتهان للقوي.
إن التكريس للمفاهيم الثقافية لم يخلُ من تقصير يتخلل سلبية الرواية العربية التي تخضع لإكراهات التوصيف السلبي، ولا تستند إلى محاولة تخليق مقولات أخرى تعمل على تثوير الأفكار، وهي صيغ معقدة، مع التأكيد على رفض مقولة إن وظيفة الرواية أو الأدب لا تنهض على تقديم الحلول، فهناك الكثير من الأعمال الأدبية التي، ربما، أسهمت في تغيير القوانين نتيجة تحفيز كبير لفعل التغيير، كما في رواية «كوخ العم توم» للكاتبة هارييت بيتشر ستو، التي أسهمت في دعم حركة إلغاء العبودية، وإشعال الحرب الأهلية في الولايات المتحدة الأمريكية، ويمكن أن نرى النهج عينه في رواية «أن تقتل طائراً بريئاً» للكاتبة هاربر لي التي أسهمت في خلق تحوّل ثقافي وجماهيري أدى بصورة غير مباشرة إلى إحداث تعديلات قانونية، في حين أنّ رواية «ابكِ يا بلدي الحبيب» للكاتب آلان باتون رفعت درجة الوعي العالمي تجاه نظام العنصرية في جنوب افريقيا، بالإضافة إلى رواية «اللغز الأنثوي» للكاتبة بيتي فريدان، وما أنجزته الرواية عبر إشعال جذوة الحركة النسوية الثانية في الولايات المتحدة في ستينيات القرن المنصرم.
هذه نماذج استطاعت بصورة غير مباشرة تغيير التشريعات، وإحداث تغيير في وعي المجتمع، لكن يبقى السؤال الأكثر أهمية كامناً في الإطار الثقافي، عبر التساؤل عن عجز الأدب عربياً عن إحداث التغيير، فهل تكمن المشكلة في النصوص؟ أم في خيارات المعالجة التي تبقى رهينة سياقات محاولات تتجنب الاصطدام المباشر مع السلطة؟ أم نتيجة محاولة تبني الإشارة لا التحفيز، والتثوير، وهي صيغ تبدو كامنة في وعي الكاتب العربي الذي يفكر بتداعيات ما يكتبه نتيجة رقابة مدمجة في ذهن الجميع، أم يمكن القول إنّ مناخات الثقافة العربية لا تستجيب للتحولات نتيجة وجود طبقات من القمع الذي طورته الأنظمة العربية! أم أن الإشكالية تكمن في ضحالة ثقافة التلقي التي لا تستجيب لمعنى التحول، نتيجة خلل في البنى الثقافية التأسيسية، كوننا مجتمعات انغلقت تاريخياً على أنساق لم يعد التغيير جزءاً من ثقافتها.
لا شك في أنّ الرواية تتخذ ضمن سياقات الواقع الحالي- ونعني الحرب في غزة- قيمة مضاعفة كونها تعيد موضعة سؤال الحرب لا بمعناه البسيط، لكن بمعنى السعي للتغيير، فالحروب ينبغي أن تقع داخل الذات، قبل أن تكون مع الآخر، فالقيمة الحقيقية تبدأ من الوعي بالواقع، ومناخات السلبية السائدة التي تبدو أقرب إلى العجب والاستغراب والدهشة، وكأن ثمة إيمانا مطلقاً بعدم القدرة على التغيير، وكأن عقوداً طويلة من القمع والفساد أورثتنا قناعات الاستسلام، فأمسينا مثل «مصري» – او ابن الخفير- لا مرئيين.. عبارة عن وقود لوجود كياني يستلب منا كل شيء، بل إننا نكاد نضحي بأنفسنا لصالح مقولات كبرى لم تشغل يوماً نفسها بالالتفات إلى القاع، إنما -على العكس- خلقت طبقات من القاع كي تتمكن من البقاء والوقوف، فتستمتع بالضوء، والهواء، والشمس، والماء.

كاتب أردني فلسطيني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية