«استراتيجية أوباما» ضد داعش… تحديات ومخاطر

حجم الخط
22

حبس العالم أنفاسه مساء امس بتوقيت واشنطن، إذ استمع إلى الرئيس الأمريكي باراك اوباما وهو يعلن استراتيجيته لـ «إضعاف وتدمير داعش». وحسب التسريبات التي سبقت الخطاب فان اوباما سيشدد على أهمية استهداف هزيمة داعش بالنسبة للأمن القومي الأمريكي، عبر بناء تحالف دولي وإقليمي، وشن حملة جوية مكثفة ضد التنظيم في العراق.
الواقع ان ثمة تحديات ومخاطر عديدة تنذر بان الأمر لن يكون بهذه البساطة على الأرض، ومنها:
أولا : ان اوباما يحاول ان يبيع للأمريكيين فكرة إشعال حرب جديدة في العراق ليس لها إطار زمني محدد، أو أدوات قياسية واضحة للنجاح، ناهيك عن انه كان حصل على منصبه أساسا بسبب تعهده بإخراج الولايات المتحدة من مستنقعي العراق وافغانستان. وعلى الرغم من وجود دعم من الرأي العام في الولايات المتحدة حاليا لمواجهة داعش، فالأمريكيون لا يريدون ان «يجرجروا» مرة أخرى إلى حرب طويلة، وليس مستغربا ان يتلاشى هذا الدعم سريعا خاصة في حال عدم تحقيق نجاح سريع أو وقوع ضحايا أمريكيين، أو مدنيين عراقيين.
ثانيا: بينما سعى اوباما في خطابه إلى شرح مدى خطورة داعش بالنسبة للأمن القومي الأمريكي، فانه مطالب بتقديم تفسير لعدم استهداف التنظيم في سوريا، خاصة مع إجماع الخبراء العسكريين على ان قصر الحملة الجوية على العراق سيدفع التنظيم إلى عبور الحدود المشطوبة عمليا مع سوريا، حيث توجد «عاصمة خلافته» في محافظة الرقة، وحيث يستطيع ان يواصل «فتوحاته».
كما ان عدم شن غارات في سوريا يتناقض مع تعهد اوباما العلني بـ «بمعاقبة من يلحقون الأذى بالأمريكيين أينما كانوا». ولا تنقص اوباما المبررات لضرب داعش في سوريا، إذ أكد خبراء قانونيون ان «حق الدفاع عن النفس» الذي يكفله القانون الدولي، قد يمثل غطاء شرعيا للغارات.
ثالثا: على الرغم من ان اوباما لا يحتاج إلى تفويض من الكونغرس ولا من الأمم المتحدة للتدخل العسكري في العراق هذه المرة، حيث انه «يتصرف استنادا إلى طلب رسمي من حكومة شرعية»، إلا ان بناء تحالف دولي وإقليمي لن يكون سهلا، حتى من بعض أقرب حلفاء الولايات المتحدة. وحسب إحدى الصحف التركية امس فان استخدام الولايات المتحدة لقاعدة انجيرليك سيقتصر على المهام الإنسانية، وان المساعدات التركية ستكون في المجال الاستخباراتي أساسا، إلى جانب ضبط الحدود مع العراق وسوريا لمنع داعش من الحصول على تعزيزات.
أما بالنسبة إلى مصر فيبدو من غير الوارد إرسال اي قوات إلى العراق في الوقت الحالي، وان كانت ستقدم إلى الولايات المتحدة التسهيلات اللوجستية المهمة لشن الحملة الجوية، لكن دون مشاركة مباشرة. ومن غير الواقعي التصديق بأنه لن يكون هناك تعاون عسكري أمريكي إيراني في هذه الحرب. بل لا يجب استبعاد ان يجري تفاهم سري أمريكي مع النظام السوري نفسه يسمح بتدمير داعش دون ان يبدو وكأنه انتصار سياسي لبشار الأسد، الذي سيكون المستفيد الأول من تصفية التنظيم.
رابعا: من الصعب توقع رد فعل «داعش» على الحملة الجديدة للقضاء عليها بقيادة الولايات المتحدة، خاصة مع الأنباء عن امتلاك التنظيم صواريخ بالستية، بل وأسلحة كيميائية، في منطقة مزدحمة بمصالح حيوية للولايات المتحدة وحلفائها. وهو ما يجعل بلدا كبريطانيا يتردد في المشاركة بشن الغارات. كما انه لا يوجد ضمان بألا يكرر التاريخ نفسه، فقد كانت الحرب التي أعلنها جورج دبليو بوش على الإرهاب السبب الأهم لانتشار الإرهاب منذ هجمات سبتمبر/ايلول 2011.
ومن هنا يجب ألا تنفرد الولايات المتحدة سواء بوضع الاستراتيجية أو توزيع الأدوار في شن الحرب الجديدة، بل يجب ان تكون مواجهة خطر داعش جهدا دوليا جماعيا يتمتع بالصلاحية الكاملة في بدء الحرب وانهائها، والتأكد من ألا تتحول إلى مجازر للمدنيين تحت اسم «مكافحة الإرهاب» وان يجرب كل هذا بغطاء من شرعية الأمم المتحدة، وليس بإرادة منفردة لواشنطن.
ومن المفارقة ان تتزامن جولة وزير خارجية الولايات المتحدة جون كيري في المنطقة مع اجتماع عربي في جدة لبحث مكافحة الإرهاب، ما يعني عمليا مناقشة توزيع الأدوار في الحرب الأمريكية الجديدة بالمنطقة. وهي مهمة تبدو «ذات أهمية استثنائية» إذ استطاعت ان تجمع بين أطراف عربية تسود علاقاتها حالة من التوتر الذي يصل أحيانا إلى القطيعة.
لكن كيري على أي حال لن يجد الأرض مفروشة بالورود كما اعتادت الولايات المتحدة في هكذا مناسبات. فقد تعلم العرب بثمن باهظ ان واشنطن لا تكمل الطريق إلى نهايته، ولا تتردد لحظة في التخلي عن أقرب حلفائها وأقدمهم ان اقتضت مصالحها ذلك. فهل نحصل على الضمانات المناسبة هذه المرة، أم اننا سنبقى ضحايا تاريخ لا يمل من تكرار نفسه؟

رأي القدس

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية