استراتيجية التدخل الأممي في السودان
استراتيجية التدخل الأممي في السوداند. يوسف نور عوض أصبح واضحا أن هناك مخططا دوليا يستهدف السودان لأغراض استراتيجية تخص بعض الدول الكبري، فهل السودان قادر علي مواجهة التحديات الخارجية؟الحكومة السودانية تبدو في الداخل وكأنها صامدة أمام التحديات التي تواجهها، ولكن كما قال يان يرونك مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة فإن مواقف التحدي سمة معروفة في الحكومة السودانية، وهي في نهاية الأمر ترضخ لما هو مطلوب منها، وقد ظهر ذلك بشكل واضح في محادثات الجنوب فهل تلك ـ بالفعل حقيقة الحكومة السودانية؟نقول أولا إن التحديات التي تواجهها هذه الحكومة أكبر بكثير من الإمكانات المتاحة لها، وهي بكل تأكيد لا تستطيع مقاومة ضغوط تقف وراءها دول كبري إلا إذا كانت هناك مساعدة خارجية من دول تري أن من واجبها تقديم الدعم لحكومة السودان. فهل هناك دول مرشحة لتقديم هذا العون؟لحظنا خلال مفاوضات الجنوب أن الاتحاد الأفريقي قدم دعما قويا للحكومة السودانية لأن الاتحاد كان يري من مصلحة دوله أن يحل ذلك الإشكال، وقد استمر الاتحاد بعد ذلك في تقديم الدعم للحكومة السودانية في مشكلة دار فور علي أمل أن تتوصل إلي حل يشبه الحل الذي توصلت إليه في جنوب السودان، وتمثلت مساعدة الاتحاد الأفريقي الأساسية في رفضه أول الأمر إرسال قوات أجنبية إلي إقليم دار فور ما دام بإمكانه إرسال تلك القوات اعتمادا علي إمكاناته الخاصة ولكن بعد فترة قليلة اتضح أن الاتحاد الأفريقي غير قادر علي مواصلة الطريق إلي نهايته لأنه لا يستطيع بمفرده أن يمول تلك القوات وهو لا يجد دعما من القوي الأجنبية وبالتالي بدأ الاتحاد يرسل إشارات إلي المجتمع الدولي بأنه سينظر في أمر إرسال قوات دولية إذا كان ذلك ضروريا بسبب عجزه عن القيام بالمهمة وحده. ولا شك أن الاتحاد الأفريقي بدأ يستمع إلي الأصوات التي تأتيه من الخارج والتي تصور الأمر في دار فور علي أنه صراع بين الثقافة العربية الإسلامية من جهة والزنوجة والثقافة الأفريقية من جهة أخري، وتلك فرية تستهدف في الأساس تجريد شمال السودان من أصوله الأفريقية بشكل كامل. وقد تمثل موقف الاتحاد الأفريقي بشكل سافر في مؤتمر القمة الأخير في الخرطوم حيث رفض المؤتمر السماح للسودان برئاسة الاتحاد الأفريقي كما جرت الأعراف بذلك عندما تنظم إحدي الدول مؤتمر القمة علي أراضيها بل ووجه الاتحاد الأفريقي إنذارا إلي الحكومة السودانية بأن رئاستها للاتحاد رهن بتطور الموقف في دار فور في اتجاه الحل.ولم تكن القمة موجهة نحو السودان وحده بل كانت موجهة أيضا نحو الدول العربية المشاركة في القمة التي اختفي صوتها بشكل نهائي وكأنها لم تعد جزءا من هذا الكيان الأفريقي، وبالتالي لم تعد الدول العربية قادرة علي تقديم أي دعم للسودان كما لم تستطع الجامعة العربية أن تدعم موقفه في وجه التحديات الدولية لأن الجامعة العربية تعيش اضعف مراحلها بعد أن أصبحت جسدا بلا روح وأصبحت غير قادرة علي أن توحد كلمتها وهي تواجه تحديات كبري كتلك التي تجري في العراق ولبنان وسورية وليبيا وغيرها من الدول العربية.وبالطبع لم يكن من الممكن أن يعتمد السودان علي صداقات دول أجنبية مثل روسيا والصين وبعض دول الاتحاد الأوروبي التي ترتبط معه بمصالح اقتصادية، فقد رأينا بعض المواقف القوية من الصين وروسيا في مجلس الأمن ولكن مثل هذه المواقف لا يعتمد عليها، وهي في نهاية الأمر لا تصمد حتي نهاية الطريق، فكم من مرة تظاهرت روسيا والصين بدعمها لقضايا تعارضها الولايات المتحدة ولكنهما في النهاية رضختا لرغبة الولايات المتحدة والموقف من إيران خير شاهد علي ذلك، وبالتالي فنحن لا نتوقع أن يكون موقف السودان في أي ظرف من الظروف أفضل من موقف إيران أو موقف اي دولة من الدول التي تراجعت روسيا والصين عن تأييدها في اللحظات الأخيرة.والسؤال الذي يواجهنا عند هذه المرحلة هو من هي الدول التي تتربص بالسودان وما الأسباب التي تجعل هذه الدول تقف موقفا عدائنا منه؟والإجابة لا تستدعي كبير عناء ذلك أن الدولة الأساسية التي تعادي السودان هي الولايات المتحدة وهي التي تصنف السودان من بين الدول التي تدعم الإرهاب وتفرض عقوبات عليه . وقد بذل السودان جهودا كبيرة وتعاون مع الإدارة الأمريكية تعاونا كاملا من أجل أن يكسب صداقة الولايات المتحدة وأظهرت واشنطن جانبا آخر من وجهها حين كانت تريد حلا لمشكلة جنوب السودان واستطاعت أن تخدع السودان بهذا الجانب الآخر ليظن أنه أصبح قريبا من منها ولكن واشنطن سرعان ما قلبت له ظهر المجن وطالب مندوب الولايات المتحدة في مجلس الأمن من المجلس أن يبدأ في بحث البدائل من أجل مواجهة الموقف في السودان بتدخل عسكري أممي وهو ما يرفضه السودان من الناحية النظرية.وكان من الغريب أن قام الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان في الأيام الأخيرة بزيارة للبيت الأبيض أعلن بعدها أنه تفاهم مع الرئيس الأمريكي جورج بوش بشأن الوضع في دار فور وطلب منه أن يقوم بالمساعدة في حشد تأييد دولي لإرسال قوات أممية إلي الإقليم. ويعلم الجميع أن فكرة إرسال القوات الأممية إلي دار فور ليست فكرة المجتمع الدولي وإنما هي فكرة الولايات المتحدة وحدها وهي التي رفض الكونغرس فيها اعتماد الميزانيات اللازمة لدعم قوة السلام الأفريقية، فلماذا إذن تريد واشنطن إرسال قوات أممية إلي السودان؟ الغريب أن كوفي عنان الذي رهن المؤسسة الدولية لسلطة الولايات المتحدة أراد أن يغطي عليها حين قال إنه لم يبحث مع الرئيس الأمريكي فكرة إرسال قوات أمريكية إلي السودان لأن الوقت مازال مبكرا وهو يعلم أن تلك رغبة الولايات المتحدة إلي لا تعني بالقوات الأممية شيئا غير قوات الولايات المتحدة والنيتو، ولكن النيتو لا يفكر الآن في إرسال قوات إلي السودان لأنه يواجه مشكلات صعبة في أفغانستان وهو لا يريد أن يخوض تجربة صعبة جديدة خاصة هو يعلم أن حكومة السودان لا ترحب بقوات أجنبية علي أراضيها.ويبدو أن بريطانيا استفادت من تجربتها في العراق وظهر من الكلمة التي ألقاها وزير خارجيتها جاك سترو أمام طرفي المفاوضات في أبوجا أنه لم يكن يحبذ فكرة إرسال قوات أجنبية إلي السودان ويفضل بدلا من ذلك فكرة فرض عقوبات أممية وقد قال إن حكومة بلاده سوف تؤيد فرض مثل هذه العقوبات علي الحكومة السودانية وعلي المتمردين ولا شك أن قول جاك سترو أن العقوبات يمكن أن تطبق أيضا علي المتمردين هو اعتراف صريح بأن هناك بعض الدول الأجنبية تقدم مساعدات للمتمردين، وهو ما يعني أن حركة التمرد في دار فور لا تنطلق فقط من أجندة داخلية بل تقف من خلفها مؤسسات ودول أجنبية.ولا بد هنا أن نتـساءل لماذا ترفض الدول الأجنبية وفي مقدمها الــولايات المتحدة فكـــرة دعم الاتحاد الأفريقي وتفضل بدلا منها فكرة إرسال قوة أممــــية تكون الولايــات المتحدة ودول النيتو الأساس فيها؟الإجابة ببساطة هي أن الولايات المتحدة أدخلت بالفعل السودان ضمن استراتيجيتها الأمنية والاقتصادية، ويتعلق الجانب الأمني بأمن إسرائيل، ذلك أن الولايات المتحدة تدرك أن إسرائيل محاطة بدول عدوة من أفغانستان إلي السودان وهي بحاجة إلي أن ترتب الأوضاع في كل تلك الدول وهذا سر حربها في أفغانستان والعراق وإثارتها للقلاقل في كل من سورية ولبنان وعدم رضاها من بعض السياسات السعودية والمصرية ومع ذلك هي لا تريد أن تدخل في عمليات عدائية مباشرة مع مصر بل تفضل أن تضعف الموقف في مصر من خلال ترتيب البيت السوداني بأسلوب جديد لن تكون مصر هي الرابحة فيه، وذلك سر اهتمامها بالسودان . وقد حفزها إلي ذلك كون السودان يقع تحت نظام حكم يعلن استراتيجية تحاربها الولايات المتحدة. ولا يقتصر الأمر علي ذلك بل إن تفجر الثروة النفطية في السودان وخاصة في إقليمي الجنوب ودار فور هو من أقوي العوامل التي تجعل النخبة المسيطرة في الولايات المتحدة تتجه نحو نهب هذه الثروة الكبيرة كما حدث في العراق وهي لا تريد أكثر من السيطرة بضع سنوات من اجل نهب ما يمكن اليمين المتطرف من توفير مزيد من الموارد تدعم قدرته علي السيطرة في المجتمع الأمريكي.ويبدو من كل ما ذكرناه أن السودان بإمكاناته الحالية غير قادر علي مقاومة التحديات التي تواجهه وهي معركة لا يستطيع الانتصار فيها، ولكنه يستطيع أن يفشل المخططات الأجنبية إذا أدرك القائمون علي الحكم فيه أنهم بحاجة إلي تغيير الاستراتيجية الشاملة للدولة بجعل المسؤولية فيها لجميع مكونات شعبها وليس لنخبة استطاعت في غفلة من الزمن السيطرة علي كل المقدرات وحولت كل الامكانات لمصلحة فئة محدودة دون إدراك لان الطريق الذي تسير عليه هو الذي سيوصل إلي نهاية الدولة الموحدة في السودان. كاتب من السودان9