استراتيجية بوش الجديدة: الحَجْر علي العراقيين واستيفاء دَين الدمّ!

حجم الخط
0

استراتيجية بوش الجديدة: الحَجْر علي العراقيين واستيفاء دَين الدمّ!

صبحي حديدياستراتيجية بوش الجديدة: الحَجْر علي العراقيين واستيفاء دَين الدمّ!المصطلح ـ المفتاح، أو التعبير السحري الأشبه بـ افتحْ يا سمسم ، في استراتيجية الرئيس الأمريكي جورج بوش الجديدة حول العراق، والتي أعلنها فجر أمس بعد شدّ وجذب وتشويق وطول انتظار، ليست زيادة القوّات الأمريكية 21,500 جندي (ليصبح العدد قرابة 153,000)، أو تمديد الفترة الزمنية للوجود العسكري الأمريكي في العراق إلي أجل غير مسمّي (بعد أن تجاوز مدّة انخراط الولايات المتحدة في الحرب العالمية الثانية)، أو إرساء استراتيجية مشاركة و تحالف معتدل مع ـ وفي ما بين ـ الشيعة والسنة والأكراد، أو إرسال التهديد التالي علي لسان بوش شخصياً: سنقطع تدفق الدعم من سورية وايران. وسنطارد الشبكات التي تقدّم أسلحة متقدمة وتدريباً لأعدائنا في العراق، وندمرها …كلّ هذا أساسي في الاستراتيجية الجديدة، وقيل علانية ونصّاً. أمّا المصطلح ـ المفتاح، الذي همس به خبراء وزارة الدفاع الأمريكية إلي نفر قليل من ممثّلي الصحف الكبري (بينهم جوليان بارنز، من لوس انجليس تايمز مثلاً) هو أنّ الجيش الأمريكي سوف يعمد إلي حجر الجماعات العراقية في مناطق مقفلة يطلق عليها رجال البنتاغون تسمية الجماعات المبوّبة Gated Communities، إذا جاز التعبير، نسبة ـ في العربية ـ إلي البوّابة وليس التبويب. وهذه تتمّ وفق الخطوات التالية:1 ـ تغلق القوّات العسكرية مناطق محددة منتقاة، استناداً إلي حواجز طبيعية أو مصطنعة كالأنهار والطرق الرئيسية وعوائق الشوارع والحواجز (كما يُقال رسمياً، ولكن أيضاً علي أسس مذهبية أو طائفية أو عشائرية (كما للمرء أن يتخيّل)؛2 ـ تقتحم القوّات هذه المناطق، بهدف تطهيرها من العصاة، والميليشيات، والأسلحة غير المرّخصة ؛3 ـ سوف تحكم القوّات الأمريكية قبضتها علي هذه المناطق عن طريق إقامة قواعد صغيرة أو مخافر قتالية داخلها، يفضّل أن تشارك فيها وحدات عراقية أيضاً، تقوم بأعمال الدورية والتطهير والحماية؛4 ـ الدخول إلي هذه المناطق سوف يخضع لرقابة شديدة عبر الحواجز التي ستمنع الغرباء (الغرباء عن ماذا؟ عن الحيّ؟ المدينة؟ المحافظة؟ العراق بأسره؟) والمقاتلين والمجرمين من دخولها، وسيُمنح سكّان هذه المناطق الدائمون بطاقات تعريف خاصّة تُعلّق علي الصدور (حرفياً، وبدقّة!)، كما يمكن للقوّات الأمريكية والعراقية أن تفتح سجلات اسمية لكلّ داخل وخارج؛5 ـ تقوم القوّات العراقية والأمريكية بإجراء إحصاء سكاني يحدّد أسماء المقيمين في المنطقة وطبيعة علاقاتهم بالجوار، الأمر الذي يتيح فرصة أكبر لأشغال الاستخبارات وجمع المعلومات؛6 ـ حين تنعدم أعمال العنف في المنطقة المعنية، عندها فقط يجب علي القوات الأمريكية (وليس العراقية، لاحظوا جيداً!) أن تباشر استئناف الخدمات البلدية من أجل تأمين الوظائف للسكان؛7 ـ وحين يتمّ استتباب الأمن في المنطقة، يمكن للقوّات الأمريكية أن تحاول توسيع نطاق المنطقة الأمنية لتشمل مناطق أخري.وبالطبع كان الخوف من تهمة العداء للسامية، وليس البتة أيّ طراز من العفة أو الحياء، هو الذي منع رجال البنتاغون من استخدام مصطلح الـ غيتو في وصف هذه المناطق، إذْ كيف يمكن دفع اليقين بأنّ التفكير في إقامة هذه المناطق المغلقة المبوّبة إنما يعيد إنتاج الخيارات النازية إياها (وتلك، للتذكير، بدأت لاعتبارات أمنية أساساً)، من جانب أوّل، ويضيف إليها مخاطر اجتماعية وديمغرافية وثقافية ودينية أدهي وأفدح عاقبة، من جانب ثانٍ؟ وليس مفاجئاً أنّ هذا الخيار الأمني الذي يُسوّق كواحد من المقاربات الجديدة، ليس جديداً أبداً لأنه ببساطة يعيد إحياء تجربة الدساكر الاستراتيجية Strategic Hamlets التي اعتمدتها الـقـــوّات الأمريكية في فييتنام، وباءت بفشل ذريع وكارثي (وليس مفاجئاً، كذلك، أن قوّات الاحتلال الفرنسية كانت قد اعتمدت خيارات شبيهة في الجزائــر، كما فعل الجيش البريطاني في إيرلندا، وقبلها في المالاوي).وللطرافة، التي يصعب أن تلوح إلا سوداء قاتمة مع ذلك، ثمة أوجه للمقارنة البلاغية بين الفلسفة السياسية ـ الأخلاقية التي يعلنها بوش اليوم مقترنة باستراتيجيته الجديدة في العراق، وفي سائر مغامرة احتلال هذا البلد سواء بسواء، والفلسفة السياسية ـ الأخلاقية التي ظلّ يرطن بها الرئيس الأمريكي الأسبق لندون ب. جونسون في تبرير المغامرة العسكرية الأمريكية في فييتنام. الفارق، شبه الوحيد في الواقع، أنّ العدوّ آنذاك كان يتمثّل في الخطر الأحمر الشيوعي، وهو اليوم يتمثّل في الخطر الأخضر الإسلامي! خذوا هذا النصّ من خطبة ألقاها لندون جونسون في يوم 10/1/1967: لقد اخترنا أن نخوض حرباً محدودة في فييتنام لنتفادي حرباً أكبر، حرباً كنّا سنخوضها حتماً في قناعتي إذا نجح الشيوعيون في اجتياح فييتنام الجنوبية والسيطرة عليها عن طريق العدوان والقوّة. وأنني مؤمن، ويشاطرني الكثيرون هذا الإيمان، أنهم إذا لم يُردعوا الآن فإنّ من المتوقع للعالم أن يدفع ثمناً أبهظ لردعهم لاحقاً. ونحن نعلم أنّ هذه الأمّة ما كانت ستنشأ وتترعرع وتحافظ علي نجاتها ورفاهها دون مخاطر كبري وتضحيات الكثير من أبنائها الكبار .وهنا فقرة ممّا قاله بوش في معرض شرح استراتيجيته الجديدة: نتائج الفشل واضحة: سيعزز الإسلاميون المتطرفون قوّتهم ويحصلون علي متطوعين جدد. سيكونون في موقع أفضل لإسقاط الحكومات المعتدلة، ونشر الفوضي في المنطقة، واستخدام عائدات النفط لتمويل طموحاتهم. ستتشجع ايران في مواصلة عملها لامتلاك سلاح نووي. سيحصل أعداؤنا علي ملاذ آمن يخططون ويشنّون منه هجمات علي الشعب الأمريكي. في 11 ايلول (سبتمبر) 2001 رأينا ما الذي يمكن أن يجلب ملجأ للمتطرفين في الجانب الآخر من العالم إلي شوارع مدننا. من أجل سلامة شعبنا يجب أن تنجح أمريكا في العراق. قوّاتنا قاتلت بشجاعة، وفعلت كل شيء طلب منها .الحكمة، مع ذلك، تقتضي الذهاب أبعد قليلاً في التاريخ، وأعمق أكثر في الحسّ الجيو ـ سياسيّ السليم، للوقوف مجدداً علي الأسباب الأكثر جوهرية لذهاب أمريكا إلي الحروب، وغزو الشعوب، وفقدان المئات والآلاف من أبناء وبنات العمّ سام، وإنفاق عشرات المليارات من الدولارات… وقبل أشهر من بدء أولي العمليات العسكرية الأمريكية لغزو العراق، كانت المؤشرات تقول إنّ واشنطن ذاهبة إلي الحرب في كلّ حال، عاد المفتشون الأمميون إلي العراق أم لم يعودوا، وجري تجريد البلد من السلاح أم لا، لأنّ الرئيس الأمريكي كان بحاجة إلي هذه المغامرة العسكرية لأسباب ذاتية تخصّ إنقاذ رئاسته ومنحها المضمون الذي تبحث عنه منذ مهزلة إعادة عدّ الأصوات في ولاية فلوريدا، وتقوية حظوظه في ولاية ثانية. وكان الحزب الجمهوري بحاجة إليها من أجل الحفاظ علي أغلبيته في انتخابات تجديد الكونغرس، ومن أجل إلهاء الأمريكي عن فضائح المؤسسات المالية والمشكلات الإقتصادية والإجتماعية الأخري التي سكتت الإدارة عنها بذريعة انشغالها بـ الحرب علي الإرهاب .وكان بوش بحاجة إلي هذه الحرب لأنّ مصالح الولايات المتحدة تقتضي شنّها، وذلك لثلاثة أسباب استراتيجية علي الأقلّ: 1) تحويل العراق إلي قاعدة عسكرية أمريكية ضخمة وحيوية، تخلّص أمريكا من أعباء بقاء قوّاتها في دول الخليج، وما يشكّله ذلك الوجود من ذريعة قوّية استخدمها ويستخدمها الأصوليون لتحريض الشارع الشعبي ضدّ الولايات المتحدة وتشجيع ولادة نماذج جديدة من القاعدة وأسامة بن لادن؛ و2) السيطرة علي النفط العراقي، التي تشير كلّ التقديرات إلي أنه الآن يعدّ الإحتياطي الأوّل في العالم، أي بما يمكن أنّ يتفوّق علي الاحتياطي السعودي ذاته؛ و3) توطيد درس أفغانستان علي صعيد العلاقات الدولية، بحيث تصبح الهيمنة الأمريكية علي الشرق الأوسط، ومعظم أجزاء العالم في الواقع، مطلقة أحادية لا تُردّ ولا تُقاوم.وثمة شهوة الثأر التي تمارسها القوي العظمي، أيضاً! ففي أواخر أيلول (سبتمبر) 2002، كان ريشارد أرميتاج، مساعد وزير الخارجية الأمريكية آنذاك، قد أطلق تصريحاً لافتاً بدا أشبه بمَزْج عجيب بين الوعيد والتهديد وزلّة اللسان عن سابق قصد، أوحي فيه بوجود لائحة أمريكية لمعاقبة عدد من الأمم والدول والمنظمات جرّاء هزّة 11/9. وفي معرض حديثه عن حزب الله ، وفي إشارة غير مباشرة إلي مقتل 291 من عناصر المارينز الأمريكيين في عملية التفجير التي شهدتها بيروت سنة 1982، قال أرميتاج: إنهم علي اللائحة، وساعتهم سوف تأتي، ولا ريب في ذلك. إنهم مدينون لنا بالدمّ . حينئذ انتبه المعلّق البريطاني الشهير روبرت فيسك إلي هذا التصريح المافيوزي، فنقله وتساءل: لائحة؟ هل تحوّلت الحرب علي الإرهاب إلي لائحة ثأرية، بدليل الحديث عن دَين الدمّ ، هذا التعبير الذي اعتبره فيسك مفزعاً وطفولياً في آن معاً، لأنه يوحي بأنّ ما تنخرط فيه الولايات المتحدة ليس سوي سلسلة من الهجمات الثأرية، وأبعد ما يكون عن حرب الخير ضدّ الشرّ . وكان التفصيل التالي، المنطقيّ في مثل هذا التساؤل، هو الآتي: ولكن… كيف يسير الدَوْر؟ مََنْ قبل مَن؟ العراق، حزب الله ، الطالبان، القاعدة ، وربما إيران، وسورية؟ وهل كان هذا يفسّر، جزئياً علي الأقلّ، الحال السوريالية المتمثّلة في مسارعة مجلسَيْ النوّاب والشيوخ إلي منح بوش تفويضاً بشنّ الحرب علي العراق، وكأنّ الساسة في واشنطن لم يسمعوا بأخبار اجتماع رئيس لجان التفتيش آنذاك، هانز بليكس، مع المسؤولين العراقيين للاتفاق حول مواعيد عودة المفتشين؟وهكذا فإنّ جوهر المسألة كان وما يزال يدور حول المعادلة الأمريكية الكبري المعتمدة في السياسة الخارجية، وهي المعادلة القديمة ـ الجديدة المتجددة، التي لا تعبأ في المقام الأوّل إلا ببلوغ المصالح الأمريكية أياً كان الثمن، وتعتبر كلّ ما عدا ذلك تفاصيل قابلة للتكييف أو التعديل أو التحريف أو حتي الإغفال التامّ البسيط.تفاصيل مثل الديمقراطية وحقوق الإنسان وتوطيد مؤسسات المجتمع المدني هي آخر ما يضعه المخطّطون السياسيون والعسكريون الامريكيون في اعتباراتهم حين يجري سرد محاسن، ومساويء، غزو هذا البلد أو ذاك عسكرياً. وفي مثل حال العراق، يكفي أن يكون هذا البلد حاملاً لأخطار علي المصالح الأمريكية في مبدأين حاسمين، هما الحفاظ علي النفط متدفقاً رخيصاً والحفاظ علي أمن الدولة العبرية، لكي تسقط جميع الإعتبارات الأخري من فلسفة التخطيط، ومن حسابات الربح والخسارة.هل تعلّمت هذه الإدارة أيّ شيء من دروس عقد كامل من التعاطي الأمريكي الأخرق مع الملفّ العراقي، ومثله الملفّ الإيراني؟ هل تعلّم الابن أيّ شيء من دروس عاصفة الصحراء التي خاضها الأب ووزير دفاعه آنذاك، نائب الرئيس الحالي؟ بل هل تعلّمت الولايات المتحدة أيّ شيء معمّق شرق ـ أوسطيّ من دروس 11/9؟ الأرجح أنّ الإجابة بالنفي التامّ ليست ظلماً للبيت الأبيض: لا أحد تعلّم شيئاً، ولا أحد يرغب أصلاً في تعلّم أيّ شيء، بل مََن الذي يزعم أنّ التعلّم هذا موضوع علي الأجندة في الأساس؟الراغب في أدلّة جديدة سيعثر عليها، دون عناء، في هذه الخطة الأمريكية للحجر علي العراقيين داخل غيتوات، واستيفاء المزيد من ثأر الدمّ، وكذلك في التزامن غير العشوائي أبداً بين إعلان الرئيس الأمريكي استراتيجية جديدة في العراق، وقيام القاذفات الأمريكية بقصف جنوب الصومال وإيقاع عشرات الخسائر في صفوف المدنيين، وأخيراً… حلول الذكري الخامسة لإقامة معسكر الاعتقال في غوانتانامو!9

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية