استراتيجية بوش ومعركة بغداد الكبري
عوني القلمجياستراتيجية بوش ومعركة بغداد الكبريلا يفيد كثيرا في هذا المجال، الدخول في مناقشات سياسية ولا نظرية أو تحليلية لطبيعة استراتيجية بوش الجديدة، فهي قد شرحت نفسها بنفسها، ولا يفيد ايضا الانزلاق في التفاصيل وشرح ما هو واضح وبين حول أهداف امريكا من غزو العراق، فقد اصبحت مفهومة ولا تدع مجالا للشك، سواء القريب منها والمتمثل في السيطرة علي ثروات العراق واهمها النفط، أو البعيد منها والمتمثل في حماية الكيان الصهيوني وتصفية الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني للوصول الي بناء الشرق الاوسط الكبير واقامة الامبراطورية الكونية. فنحن اليوم امام مواجهة ومعركة فاصلة يسعي كل طرف فيها الي تحقيق الانتصار، علي الرغم من الفارق بين مشروعية المقاومة وعدوانية المحتل. وفي هذا السياق فان استراتيجية بوش الجديدة، كما نراها، ليست استعراضية هذه المرة، كما كان الحال في المرات السابقة. فزيادة عديد القوات الامريكية بواحد وعشرين الف جندي، هي رسالة واضحة تشير بكل تأكيد علي اصرار الادارة الامريكية وليس بوش وحده، علي رفض الانسحاب وتجنب الهزيمة اذا عز الانتصار. يضاف الي ذلك ان هذه الزيادة لا تنحصر اهدافها في اعادة احتلال بغداد ومحافظة الرمادي علي وجه الخصوص، وانما هي بداية لمعارك فاصلة ضد المقاومة العراقية من اجل القضاء عليها، بعد ان جري الاعداد لها من جوانب عديدة. وكل ادعاءات بوش حول انهاء أو ضرب الميليشيات التابعة لايران والحكومة او لانهاء العنف الطائفي او غيرها من التعابير هي ادعاءات باطلة ومزيفة.هذا لا يعني ان المقاومة العراقية وقياداتها الحكيمة غافلة عما يجري، فهي قد أعدت العدة لمواجهة هذه الاستراتيجية الدموية، مما سيجعل المعارك القادمة معارك فاصلة بالنسبة لها وللشعب العراقي ايضا، خاصة وان المقاومة لديها قناعة راسخة بان المعركة ستكون طويلة ومضنية، كون مصالح امريكا الحيوية في العراق ومستقبل مشروعها الامبراطوري الكوني، يمنعها من قبول الهزيمة بسهولة. وهذا بالضبط ما اجبر بوش علي ان يفكر، لاول مرة، بعقلانية وبعيدا عن الغطرسة والعنجهية التي اتصف بها، ويعترف بالاخطاء ويتحمل مسؤوليتها لوحده، ويعترف ايضا باحتمال الهزيمة ليضع كل الامريكيين امام الامر الواقع ويجبرهم علي دعم استراتيجيته مستغلا حرصهم شعبا وحكومة علي تجنب الهزيمة او علي الاقل حفظ ماء وجه امريكا البشع، ودعونا من تصريحات الديمقراطيين وغيرهم التي ابدوا فيها تحفظاتهم علي استراتيجية بوش الجديدة، فمثل هذه الخلافات تظهر عادة للعلن جراء الطبيعية الليبرالية للمجتمعات الرأسمالية وخاصة في المسائل المصيرية، وبالتالي فما ان تبدأ معركة بغداد الكبري قبل اي معركة اخري، سنجد الجميع وقد وقفوا صفا واحدا وراء بوش. واذا لم يكن الامر كذلك فالاحتياط واجب.لنلاحظ جيدا ما يلي ونأخذ ذلك بنظر الاعتبار. فبوش هدد حكومة المالكي اذا لم تف بالتزاماتها وتذعن لخطته الهجومية التي من المتوقع ان تبدأ قريبا، وربما قبل وصول القوات الاضافية. كذلك هدد الحكيم في اتصال تلفوني معه ان لم يضع مصالح امريكا فوق مصالح ايران. وبحسب السفير خليل زادة، الذي ابلغهما ان صبر امريكا قد نفد، فان كليهما قد استاجب للطلب. ثم اصدر بوش اوامره الي جلال ومسعود اللذين لا يرفضان اي طلب لولي النعمة، بزج ميليشيات البشمركة في معركة بغداد الكبري. اما الصدر وجيشه فانه سينتهي لان يكون جزءا من قوات الحكومة ومليشياتها المسلحة، علي عكس ما يظن البعض بان الصدر سيكون اول المستهدفين. اذ ان الصدر قد خدم الاحتلال وكرسه من خلال تحويل جيشه الي رأس حربة في الاحتراب الطائفي من جهة، ودخوله فيما يسمي بالعملية السياسيه من جهه ثانية وتحالفه الوثيق والقوي مع رأس الحكومة العميلة للاحتلال نوري المالكي من جهة ثالثة. اما علي المستوي العربي والاقليمي فقد هدد بوش وبلغة حادة وواضحة، مصر والاردن والسعودية ودول الخليج بقوله ان هزيمة امريكا في العراق ستحوله الي بؤرة للمتطرفين مما سيشكل تهديدا استراتيجيا لبقاء تلك الدول . ولهذا الغرض ارسل وزيرة خارجيته كوندوليزا رايس، داعما مهمتها باتصالات تلفونية مطولة مع حسني مبارك وملك السعودية والاردن، ابلغهم خلالها ان ايران تجاوزت حدود الاتفاقات المبرمة في السر والعلن. وانه يريد استعادة مكانة السنة في العملية السياسية، والا احرقت نار ايران الطائفية بيوتهم الخشبية المهترئة. لذا لم يكن من قبيل الصدفة ان ينتفض سمسار امريكا مبارك ليهاجم ايران دون سابق انذار. بالمقابل لم يستثن بوش تركيا من هذا التوجه مقابل بقاء كركوك خارج اطار محمية جلال ومسعود. اما ايران وما ادراك ما ايران، فانه يخطئ من يظن ان خروجها عن التزاماتها كاملة تجاه مشروع الاحتلال سيؤدي الي مواجهة بينها وبين الولايات المتحدة. وليس تهديد بوش بضرب ايران وانهاء نفوذها في العراق سوي ذر للرماد في العيون. فهو من جهة يهدف الي الحد من تجاوز حصتها التي استحوذت عليها علي حساب الاخرين ممن يدعون تمثيل السنة في العملية السياسية ومن جهة اخري الي تشجيع تلك الدول العربية علي الانخراط في هذه المعركة، كل حسب قدرته واستطاعته، خاصة في المجالين السياسي والاعلامي، ومن ثم دفع بعض القوي المناهضة للاحتلال الي الدخول في العملية السياسية او في مصالحة مع الحكومة. في هذا الاطار كله تدخل التغييرات العسكرية والسياسية التي اجراها بوش علي طاقمه في العراق، فيما يخص اثنين من كبار القادة العسكريين هما الجنرال جون أبي زيد قائد القيادة الأمريكية الوسطي المشرفة علي ادارة العمليات العسكرية في العراق وأفغانستان، والجنرال جورج كيسي قائدا القوات الأمريكية في العراق. ليخلفهما اثنان من اكثر القادة العسكريين المؤيدين لخطط بوش في تحقيق الانتصار وهما ديفيد بتريوس والادميرال فالون. أما علي الصعيد الدبلوماسي فقد حل رايان كروكر الذي شغل منصب سفير امريكا في العراق في السبعينات وهو يتقن اللغة العربية وحبك المؤامرات في ان معا محل زلماي خليل زادة.اذا نجح بوش في مسعاه وهذا محتمل جدا، فان معسكر الاحتلال داخل العراق يكون قد توحد وتوحدت معه الدول العربية المعنية وكذلك الدول الاقليمية. مما يتطلب توحيد معسكر المقاومة العراقية عسكريا وسياسيا واعلاميا. الامر الذي يفرض علي قيادة المقاومة العراقية اعلان النفير العام مترافقا بفتح حوار فوري مع جميع القوي المعادية للاحتلال ومطالبتها علنا بان تحسم امرها وتنهي حالة التردد والوقوف بين المعسكرين وتحميلها المسؤولية التاريخية اذا رفضت الاستجابة لهذا المطلب النبيل. ولكي تأخذ هذه المبادرة مداها الصحيح فالمقاومة العراقية وقياداتها مطالبة، في نفس الوقت، بالاسراع في اعلان وحدة فصائلها العسكرية تحت قيادة مشتركة والعمل علي اقامة الجبهة الوطنية العريضة واعلان قيادة سياسية موحدة تحت برنامج سياسي مشترك اساسه تحرير العراق واقامة النظام الديمقراطي التعددي. ليس هذا فحسب وانما اصبح من الواجب التحرك عربيا ودوليا رغم صعوبة هذه المهمة، والمقصود هنا، دعوة كل الاحزاب والقوي العربية والدول المؤيدة للمقاومة او التي تقف ضد سياسات امريكا العدوانية، لتحمل مسؤولياتها، لان المعركة التي تخوضها المقاومة العراقية ضد امريكا وحلفائها هي معركتها ايضا. فمازالت لدي القوي في العالمين العربي والدولي امكانات ليست قليلة ويمكن توظيفها في هذه المعركة الفاصلة واي تلكؤ في هذا المجال سيزيد من حجم الخسائر لتحقيق الانتصار المنشود.نعم لقد فشل بوش في السابق وسيفشل لاحقا بكل تأكيد، لكن ذلك لن يتحقق هذه المرة بذات السهولة علي الرغم من شهادات قادة عسكريين ومحللين سياسيين وخبراء ابدوا خشيتهم من استراتيجية بوش الجديدة واحتمال فشلها. فمعظم هذه الشهادات لم تكن نزيهة او ذات طابع مهني، بقدر ما هي شهادات ذات ابعاد سياسية داخلية وشخصية ويعود بعضها الي معركة الانتخابات الرئاسية القادمة. ومع ذلك فهذه الشهادات ليست سوي وجهات نظر لا ترقي الي الادلة القاطعة. وحتي المعارك البطولية والفدائية والشجاعة التي خاضتها قوات المقاومة في شارع حيفا والعديد من المناطق الاخري في الشواكة والمشاهدة والكرخ وحي الجامعة، لا تعطينا الحق بان ننام علي وسادة من حرير، ونستدل منها علي انها مقدمة لهزيمة الامريكيين الساحقة في معركة بغداد الكبري. فالامر يحتاج من المقاومة الي تدبير عسكري وسياسي واعلامي أبعد مدي مما هو متحقق. بوش لا تهمه دماء العراقيين ولا حتي الامريكيين بقدر ما يهمه حكم التاريخ بانه أنهي ولايته الثانية والاخيرة بانتصار ولو محدود. انه رجل مجبول علي الشر واراقة الدماء، كما وصفه رئيس الوزراء اللبناني الاسبق سليم الحص بانه مجرم سفاح، ورمز الارهاب في العصر الحديث، يمارس القتل بابشع صورة ويهتك ابسط مفاهيم القيم الحضارية والانسانية. واذ أثني علي كلمات رئيس وزراء لبنان الاسبق سليم الحص علي هذه الاوصاف التي خص بها بوش، اضيف بان هذا الرجل لم يكتسب هذه الصفات بالصدفة، وانما اكتسبها بالوراثة، فهو اسوأ خلف لاسوأ سلف. فالولايات المتحدة لم تقم الا علي الاشلاء، من الهنود الحمر، الي سود افريقيا، الي الامريكيين الجنوبيين، الي هوريشيما ونغازاكي الي فيتنام ودول الهند الصينية، الي يوغسلافيا، الي افغانستان والي العراق حيث القت قواتها عام 1991 نارا تعادل ست مرات القنابل التي القيت علي المدن اليابانية ثم تابعت سياستها الجريمة عبر حصار الثلاثة عشرة عاما الذي قضي علي مليوني عراقي قبل ان يعود جيشها وعملاؤها الي احتلال البلاد وابادة العباد وتدمير الحضارة والاقتصاد والثقافة ومؤسسات الدولة. لذا علينا ان نتوقع لجوء بوش الي استخدام الاسلحة المحرمة في المعارك القادمة وهدم المدن علي رؤوس ساكنيها.شعب العراق وشعوب العالم تتطلع الي المقاومة لتتخذ الوسائل وتوظف الامكانات الكفيلة بتحقيق الانتصار المنشود والحاق الهزيمة بامريكا علي ارض العراق، وازعم ان المقاومة قد ادركت طبيعة المعركة القادمة وقساوتها وانه ستكون عند مسؤولياتها التاريخية، خاصة وانها خبرت اساليب العدو وخططه الي جانب حيله والاعيبه ومؤامراته الخسيسة. ونحن بدورنا نتطلع الي القوي المعادية للاحتلال باتخاذ قرارها المنتظر والتحرك الان وليس غدا، باتجاه معسكر المقاومة علانية وفي وضح النهار، فلا تكتفي باصدار بيانات الشجب والتنديد. واخص بالذكر هنا هيئة علماء المسلمين والتيار الخالصي والتيار القومي. وأي مراهنة اخري لهذه القوي او غيرها علي انهاء الاحتلال عبر دول عربية او امم متحدة هي مراهنة لا اساس لها ولا سند. حتي المشاركة فيما يسمي بالعملية السياسية او تعديل دستور، لن تحقق لها سوي مكاسب فئوية ضيقة تضر بكل تأكيد بعملية تحرير العراق، تري هل ستلبي المقاومة العراقية وقادة هذه القوي الوطنية هذا النداء، ونري المقاومة تخوض معركتها الفاصلة والشاملة وهي موحدة عسكريا وسياسيا واعلاميا، لنشهد رايات التحرير وقد غطت سماء العراق؟الايام القادمة ستجيب علي هذا السؤال. 9