استراتيجية للعب والقلب تجعل الكتابة القصصية مشاكسة وكاسرة للمعايير

حجم الخط
0

رهانات الصوغ القصصي في الكتاب الثاني من علبة الباندورا:

بوشعيب الساوري

علي الرغم من قصر مساره القصصي، ظل أنيس الرافعي وفيا لجنس القصة القصيرة، محاولا تقديم إضافات نوعية لهذا الجنس الصعب المراس، إضافات تشتغل علي القصة من الداخل، بالتمرد علي الحكاية والواقع والجنس القصصي، ليؤسس لتجربة قصصية تضع نفسها في خانة ما بعد السرد.

ووعيا منه باكتمال هذه التجربة، وبحثا منه عن رهانات جديدة في الكتابة القصصية، ارتاي أنيس الرافعي أن يضم مجاميعه الثلاثة في كتاب واحد.

سأحاول في هذه القراءة التوقف عند بعض من خصوصيات الكتابة القصصية عند أنيس الرافعي من خلال الكتاب الثاني السيد ريباخا، محاولا رصد بعض خصوصيات ما بعد السرد في علبة الباندوراہہ، مرتكزا علي خمس نقط تبين لي أنها استراتيجيات أو رهانات أساسية في التكوين القصصصي للمجموعة وهي:1- العتبات: يعتني أنيس الرافعي عناية كبري بالعتبات النصية أو النصوص الموازية التي يقدم بها أعماله؛ إذ تخضع لانتقاء دقيق، لتكون بالفعل عتبات نصية لدخول عوالمه السردية. وتضطلع العتبات النصية عند الرافعي بعدة وظائف منها:- تحديد خصوصية الكتابة القصصية لدي أنيس الرافعي.- تقديم إمكانات للقراءة.- تعويد القارئ علي طريقته الجديدة في الكتابة القصصية وتعديل أفق انتظاره.

وفي الكتاب الثاني من علبة الباندورا(السيد ريباخا) يمكن أن نتخذ العتبات مدخلا لقراءة المجموعة؛ فمن خلال نص كل من الأمين الخمليشي وعبد الهادي السعيد وكذا التنبيه التي يصدر بها عمله، تبين لي أن أهمية هذه النصوص تكمن في أنها مداخل قوية لوضع اليد علي مقومات الكتابة القصصية في هذه المجموعة:

فالنص الأول الذي يقول فيه الأمين الخمليشي: وهي قصة تؤدي به إلي قصص أخري. قصص، إذا تتبعها، ستبتعد به، وتوغله، في اشتباكات وحكايات وأمور. (ص.61.) يؤكد علي تقنية مهمة، تتأسس عليها المجموعة وهي التوليد القصصي، كما تحيل علي تعدد حالات الشخصية القصصية وتداخل الهويات النصية لقصص المجموعة.

أما النص الثاني لعبد الهادي السعيد، وجاء فيه: تلزمني أشياء كي أكتب النص، فأس لغوية، قليل من الإيقاع اتكئ عليه، لسعة في الكلام، حروف جديدة في أبجدية الصمت، لتر من الكذب. (ص.61.) فيلمح إلي أدوات الاشتغال عند أنيس الرافعي وهي تهديم اللغة وتفجير ممكناتها، بتوليد كلمات وصور جديدة، مع التأكيد علي أننا بصدد كذب أدبي، يرتكز علي اقتصاد لغوي.

أما التنبيه الذي يصدر به عمله فيؤكد علي أننا بصدد لعب قصصي. يقول: لذا لا يجب بأي حال من الأحوال أخذها مأخذ جد أو صواب!. (ص.61.) لا يجب أن نأخذه مأخذ الجد، وذلك فيه تلميح إلي رفض اليقينيات والثوابت وبصيغة أخري التقليد.2- استراتيجية الإرباك: ويتزكي ذلك عبر تقنية التداخل بين السارد والمتلقي والشخصية والكاتب، فالسرد لا ينهض إلا علي هذه التقنية التي تهدم منطق الهوية، وتجعل السرد لعبا يتداخل في إنجازه السارد والمتلقي والشخصية والكاتب، انطلاقا من فكرة الاحتمال التي تنهض عليها الكتابة القصصية عند انيس الرافعي. يقول: يا إلهي! لقد وجدت رأسي مقطوعا!.. ، أُصَحح: لقد وجدت رأس المرحوم السيد ريباخا!!. (70) فيصير السرد دعوة للخرق والتوهم: وماذا بعد؟!.. حسنا، ما عليك- يا عزيزي-سوي أن تفترض بارتباك أصابع يديه المرتعشة إلي ظلفة الباب، ليجد نفسه داخل غرفة ثانية أسندت إلي أحد جدرانها ساعة حائطية عتيقة. (ص.80.) إشراك القارئ الذي لا يكتفي بالحضور الضمني بإعادة إنتاج النص أثناء القراءة، وإنما هو حاضر بقوة مكمل ومساهم في هذا اللعب القصصي. وكأن أنيس الرافعي يكتب ليربك القارئ ويعوده علي لعبه السردي المبني علي الخرق والقلب وتكسير الجاهز، وهدم كل الشروط القبلية بجعل السرد مفتوحا علي مجموعة من الاحتمالات والإمكانات.

ويمتد هذا الخرق ليطال هوية الجنس القصصي، فإذا كانت قصص المجموعة رصدا لحالات ممكنة للسيد رباخا فإن تجنيس القصص لا يعرف بدوره الاستقرار بل تتعدد تجنيسات وهويات قصص المجموعة(قصة بوليسية مضادة، قصة قصيدة نثر، قصة استيهامية، استخطاط قصصي….)3- الشخصية المتحولة: إذا كانت القصة القصيرة التقاطا للحظة معينة من لحظات وجود الشخصية. فإن القصة، في هذه المجموعة تصير حالة داخل مجموعة من الحالات، وذلك بالتقاطها لحالات وجودية ممكنة لشخصية ريباخا، ذلك الواحد المتعدد، من خلال تسع قصص يرقمها ويعنونها عنونة فرعية، حالة1، حالة2، يقول: ومن يستطيع أن يمنعك من ذلك يا ريباخا؟!- سأله من داخله صوت ريباخا السابق. (ص.88.) إننا أمام شخصية واحدة متعددة الحالات، وذلك انسجاما مع استراتيجية مضمرة، تتأسس عليها أو ينتج بها العمل القصصي عند انيس الرافعي، وهي تكسير مفهوم الهوية، وتكسير الحدود بين الواقع والخيال، والرهان علي تداخلهما وتقاطعهما.

فالشخصية حالات، احتمالية متعددة، في ارتباط برهان المجموعة علي تحويل الواقع وأسطرته. يقول: ارتأت وارتقت ذائقتي الجمالية أن أتعاقب عليه بحالات أخري مضادة وغير عادية بالمرة وأن أجريه في مسالك جديدة غير مألوفة. (ص.64.) ويتجلي ذلك في تقنية المسخ التي تطال الشخصية وتجسد تحولاتها. فالقصص بدورها حالات علي مستوي الهوية القصصية (قصة بوليسية مضادة، قصة قصيدة نثر…) أو علي مستوي المضمون القصصي القصة الحالة التي تتشذر إلي حالات، وهو الذي يرسخ احتمالية العالم القصصي، الأمر الذي يجعل العمل السردي يتأسس علي التحول، الشخصية حالات مسوخات، تعدد الهوية القصصية، عدم ثبات بؤرة السرد من خلال التناوب بين ضميرالمتكلم والغائب والمخاطب، بالإضافة إلي انقسام لغة السرد إلي عامية وفصيحة، وإلي لغة شعرية ولغة نثرية.4- منطق الاحتمال: تصير القصة عند أنيس الرافعي إمكانا واحتمالا من احتمالات وجود السيد ريباخا. يقول: رائع كل هذا محتمل جدا، محتمل أنه وقع فعلا، أو بالاحري كان بوسعه أن يقع. (ص.65.) ترصد الممكن الموشك الوقوع، فتبدو الأحداث القصصية موشكة الوقوع علي مستوي منطق الأشياء، شبيهة بالحلم علي مستوي البناء. يقول: بكل بساطة لعلنا لم نستيقظ في هذه الليلة من نومنا بعد!!. (ص.67.). والذي يساعد علي ذلك هو اعتماد ضمير المخاطب في السرد، الذي يربك الهوية ويفتح السرد علي التعدد، ويؤكد غياب اليقين. فيظهر السارد غير متيقن من محكيه، متمردا علي أدوات الإثبات والإسناد. يقول: ولعلني سوف أجلس إلي مكتبي. (ص.66.) لتصير الأحداث حلمية من حيث بنائها ونظامها، عبر تكسيرها لمنطق السرد المبني علي السببية والعلية والمرجع ومنطق الهوية. كل ذلك يجعل السرد عند الرافعي فرصة للعب مبنية علي الاحتمال الذي تؤسسه اللغة والخيال.5- التلميح إلي طقوس الكتابة، إن التمرد لا يقتصر عند أنيس الرافعي علي الكتابة القصصية برفض الجاهز وتكسير الثوابت، بل يتعداه إلي التمرد علي الكتابة المطمئنة إلي طقوس المكتب، بالدعوة إلي كتابة متسكعة في مقاهي ساحة السراغنة، مفتوحة علي العالم الخارجي، تبوح بأسرارها وتفضح كواليسها. كما نلاحظ من خلال توقيع القصص ونسبتها إلي المكان الذي حررت فيه، أن الكتابة لا تطمئن إلي مكان واحد، بل تتعدد الأماكن، وتصير كل قصة مرتبطة بمكان ما ومقهي ما. ويجعل هذا التعدد الكتابة حالات مرتبطة بلحظات، وهو الأمر الذي انعكس علي الشخصية القصصية وجعلها حالات. كل ذلك يؤكد رهانا أساسيا وراء العمل القصصي، وهو أن القص عند أنيس الرافعي استراتيجية للعب والخرق والقلب. يقول: فأعيدك-بضربة خيال واحدة- إلي هيئتك الطبيعية، ثم أدعك تواصل المشي. (ص.77.) لتصير الكتابة القصصية مشاكسة، مخيبة للانتظارات الثابتة والمكرسة، مكسرة للمعايير السردية الراسخة، وطامحة إلي تأسيس آفاق جديدة للانتظار.

ہ كاتب من المغربہہأنيس الرافعي، علبة الباندورا، منشورات الشاطئ الثالث 2007. القيت هذه الورقة في اللقاء الذي نظمته المدرسة العليا للدازاين والفنون المرئية بالدار البيضاء حول الكاتب بمناسبة صدور كتابه علبة الباندورا، يوم 25 ايار (مايو) 2007.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية