نصر شمالي من الواضح أنّ الهتاف المجلجل الواحد، الذي تطلقه الجماهير العربية في جميع أقطارها بصوت واحد، لا يعني أنّ الشعب يريد إسقاط النظام الرسمي القطري في هذه الدولة القطرية أو تلك وحسب، بل يعني أنه يريد إسقاط النظام الرسمي العربي الموحّد، الدائر في فلك الحلف الأطلسي الاستعماري، والعامل تحت إمرة قيادته الامريكية ـ الصهيونية. إنّه النظام القائم لمنع الأمة من استرداد ذاتها، وللحيلولة دون نهوضها وتحقيق حضورها الأممي، وهو حضور ضروري لصالح الأمم الأخرى مثلما هو لصالحها.
إنّ الأمة العربية في جميع أقطارها الكبيرة والصغيرة، القديمة العريقة والمستحدثة المصطنعة، تهتف بسقوط النظام الرسمي العربي المفروض عليها، الذي توحّد مقابل تشتيتها وتبديدها، وحضر مقابل تدميرها وتغييبها، وأثرى مقابل نهب شتاتها وإفقار أقطارها. وبالتالي فإنّ أبسط إنسان عربي يعي جيّداً مغزى وأبعاد هذا الهتاف الذي تتردّد أصداؤه في جهات الأرض الأربع: الشعب يريد إسقاط النظام! حيث أمّة تعدّ أكثر من 350 مليوناً تحوّلت إلى مجرّد صفر على الشمال في ظلّ هذا النظام، وحيث وطن مساحته حوالي 14 مليون كيلومتر مربع تحوّل إلى أراض ممزّقة، وثروات مهدورة، منفصلة تماماً عن أصحابها ومستباحة للأعداء.
كذلك فإنّ أبناء الأمة العربية، في المدن القريبة والأرياف البعيدة والصحارى الشاسعة، يعرفون حقّ المعرفة أن ليس ثمّة خلاص لقطر عربي دون آخر، ولا لمجتمع عربي دون آخر، ولا لفرد عربي دون آخر، ولذلك رأيناهم، ما بين المحيط والخليج، يهتفون صوتا واحدا بسقوط النظام الرسمي العربي. إنّهم جميعهم يعرفون أنّ سقوط الأمة كان مشتركاً جامعاً، وأنّ خلاصها ونهوضها لا يمكن أن يكون إلاّ مشتركاً جامعاً، وأنّه لو حدث ونهض قطر لوحده، وتوهّم أنّه أصبح حرّاً، فإنّ مثل هذا الوهم سرعان ما سوف يتبدّد، فلا حرّية لقطر واحد من دون حرّية أشقائه المتصلين به اتصال الأعضاء في الجسم الواحد.
ولا شك أنّ أبرز وأهمّ ما يوحّد هتاف أبناء الأمة الواحدة، ويؤكّد دعوتهم لإسقاط النظام الرسمي العربي عموماً، وليس النظام القطري فقط، هو مأساة فلسطين وانعكاس هذه المأساة على حياتهم في جميع بلدانهم بالمستوى ذاته. فقد ثبت بالدلائل القاطعة على مدى العقود الماضية، منذ إقامة الكيان الإسرائيلي، أنّ هذا الكيان أقيم ليكون قاعدة استيطانية أطلسية، تقود المنطقة العربية بكاملها حسب مشاريع الشرق الأوسط الجديد الاستعمارية المعلنة. ولقد رأينا، على سبيل المثال لا الحصر، كيف تكفّل نظام مبارك بإلغاء حوالي تسعين مليون عربي مصري، وكيف وضع أجهزته في خدمة الأمريكيين والإسرائيليين، لصالح نهوض الكيان الإسرائيلي كإدارة منفردة، مطلقة اليدّ في شؤون المنطقة بمجملها. لم يكن هدف الإنكليز الاستراتيجي النهائي، إحلال اليهود الصهاينة محلّ عرب فلسطين، ولا تشتيت الفلسطينيين وتدميرهم في حدّ ذاته، بل إقامة قاعدة غربية تدير المنطقة العربية كلّها نيابة عنهم. وبناءً على ذلك فإنّ تلقّي الشعب الفلسطيني لضربات التشتيت والتبديد والإبادة، كهدف أول، لا يعني أنّ هذا الشعب هو الهدف الاستراتيجي الأخير لعملية الاستيطان الإجرامية، فالهدف الاستراتيجي الأخير هو إخضاع الأمة العربية كلّها للإدارة الغربية الصهيونية، وقد تحقّق ذلك إلى حدّ بعيد، وكاد يتحقّق بالكامل، بمساعدة النظام الرسمي العربي الموحّد، الذي قام بمهمة تشتيت وتبديد الأمة العربية وتحويلها إلى صفر على الشمال.
ولكي لا نبدو وكأنّنا نبالغ، ونلقي الكلام جزافاً، نعرض بعض ما جاء في مقالة كتبها روبرت بيلليترو، الدبلوماسي الأمريكي المعروف جيداً من قبل الحكّام العرب، ونشرها قبل أيام على موقع ‘فورين أفيرز’ تحت عنوان: ‘تحولات جذرية في الشرق الأوسط’، يقول بيلليترو انّ ‘إيجاد إستراتيجية أمريكية صحيحة في مصر اليوم يبدو أشدّ إحراجاً وتعقيداً وضخامة وسعة، فمثل هذه الإستراتيجية ينبغي أن تشمل الحفاظ على معاهدة السلام بين مصر و ‘إسرائيل’ كضمانة لعدم نشوب أية حرب شاملة في الشرق الأوسط’. وإنّه لواضح من قول بيلليترو انّ الأمريكيين يريدون استمرار خروج مصر من الصراع الكبير، بل استمرار تواطؤ حكومتها مع الإسرائيليين، كي يواصل الإسرائيليون والأمريكيون حروبهم الصغيرة، الموضعية، التي ينفردون فيها بضرب هذا الجزء أو ذاك. لقد أشار الرجل إلى ضرورة ‘ضمان عدم نشوب حرب شاملة’، ولم يقل بعدم نشوب حروب على الإطلاق.
ومن جهة ثانية، أشار بيلليترو في مقالته المذكورة إلى ضرورة استمرار تغييب حوالي تسعين مليون مصري، باحتجازهم وتهميشهم وإرهاقهم. لماذا؟ يقول بيلليترو: ‘للمحافظة على خطوط المواصلات عبر مصر وقناة السويس، التي تشكّل طرق الإمداد الرئيسية للقوات الامريكية في العراق والخليج والشرق الأقصى’. كذلك أشار بيلليترو إلى ضرورة ضمان أمن خطوط النفط، وإلى ضرورة استمرار الحكومة المصرية في سياسة تشجيع ‘القوى المعتدلة’ في المنطقة. وهذا يعني باختصار أنّ الأمريكيين يريدون الاطمئنان إلى استمرار هيمنتهم على المنطقة، باستمرار تغييب الأمة، وباستمرار بقاء النظام الرسمي العربي ‘المعتدل’، الذي يساعدهم في تحقيق ذلك.
غير أنّ الأمريكيين، وكذلك الإسرائيليين، الذين يعانون اليوم اضطراباً شديداً يتجلّى في خطاباتهم السياسية وفي أدائهم الميداني، يذهبون أبعد من ذلك بكثير في التعبير عن مخاوفهم، بينما هم يواجهون هذه الانتفاضات الثورية العربية، المتوازية والمتلاحقة، فيتحدّثون ويكتبون عن: ‘الثورات العربية التي تدكّ معاقل المحافظين الأمريكيين الجدد وتهزّ عروشهم’، كما يقول جاكوب هايلبرن في مجلة ‘فورين بوليسي’. وهذا البعد من أبعاد الانتفاضات الثورية العربية يحتاج أن يكتب عنه في حدّ ذاته، لأنّه يعني أنّ الهتاف الموحّد لا يستهدف إسقاط النظام الرسمي العربي فقط، بل إسقاط النظام الربوي الدولي. ‘ كاتب سوري