نصر شمالي ‘ ‘ تخوض الأمة العربية اليوم، في جميع أقطارها وأمصارها، معارك استرداد ذاتها الإنسانية التي امتهنت وغيّبت، ومعارك إعادة الاعتبار إلى الأصول المنطقية التي أهملت وعطّلت. وفي هذه المعارك الهائلة تواجه الأمة تحالف النظام الدولي والنظام العربي الرسمي ضدّها. وهذا التحالف لا ينهض على اتفاق حكومات محدّدة في عهد محدّد، بل على طراز ثابت من الإدارة لا يتبدّل بتبدّل الحكومات الأجنبية والعربية. إنّ المشاكل الداخلية للحكومات الأجنبية أو العربية، وصراعاتها في داخلها أو ضدّ بعضها، وسقوط هذه وصعود تلك، هو أمر لا علاقة له بثبات طراز الإدارة العالمية/ المحلية القائم على استعباد الأمم.’ ‘ ‘إنّ العالم بمجمله يجتاز الآن مرحلة انتقال تاريخية نوعية نادرة. إنّه ينتقل من عصر إلى عصر، ويقطع بمشقّة بالغة هذه المساحة القاحلة الفظيعة التي تفصل عادة ‘بين عصرين، بكلّ ما يترتّب على ذلك من صراخ وعويل، وآلام وعذابات، وتيه وضياع. إنّها حقاً معاناة المخاض. إنّ هذا الانتقال يذكّرنا نحن العرب بذلك الانتقال التاريخي العالمي من عصر إلى عصر، الذي كان لأجدادنا شرف قيادته في القرن السابع الميلادي، فلماذا لا يخطر في بالنا أنّ هذه الأمة الثائرة، التي تعدّ اليوم أكثر من 360 مليونا، يمكن أن تسهم إسهاماً مؤثّراً في تحقيق هذا الانتقال، وأن تكون واحدة من الأمم المؤسّسة للعصر الجديد القادم؟ ‘ ‘ لقد وصف الرئيس الهندي الراحل نهرو ذلك الانتقال العالمي، الذي قاده العرب في القرن السابع الميلادي، فقال: ‘إنّ الديانة التي بشّر بها محمد (صلعم) وبساطتها واستقامتها، والديمقراطية والمساواة اللتين أعلنتهما، حظيت بصدى واسع لدى شعوب البلدان الأخرى التي عانت لآماد طويلة من نير الحكام والملوك الطغاة، ومن نير الكهّان والقساوسة الذين لم يكونوا أقلّ طغياناً وتعسّفاً من الملوك. لقد تعبت الشعوب من النظام القديم ونضجت لتقبّل الجديد، وقدّم لها الإسلام هذا الجديد الذي كان مرغوباً، لأنّه حمل إليها الأفضل من نواح عديدة، ووضع حدّاً للكثير من الشرور الناجمة عن النظام القديم..الخ’ من الواضح أنّ نهرو لا يتحدّث عن عرب أرادوا أسلمة العالم، بل عن عرب أرادوا أنسنته، وهم في جملته.’ ‘ في القرن السابع الميلادي، عشيّة انطلاقة الفتوحات العربية الإسلامية، كانت منطقة حوض المتوسط محكومة عموماً من قبل الروم والفرس. مثلما هي محكومة اليوم من قبل الأوروبيين والأمريكيين. وعلى سبيل المثال، كان عرب بلاد الشام يدورون في فلك الروم، أمّا عرب العراق فيدورون في فلك الفرس. كان ملوك العراق وملوك سورية تحت حماية أكاسرة الفرس وقياصرة الروم، كما هو الحال الآن مع الأوروبيين والأميركيين. وقد انطلقت الفتوحات العربية لتحقيق الذات الخاصة القومية والذات العامة البشرية. وحدث ذلك في نطاق إستراتيجية ألحّت على الأصول المنطقية في العلاقات الإنسانية، كما شرح الرئيس نهرو بالضبط، ولو أنّ القضية كانت قضية تأمين مصالح قومية ضيّقة، خاصة وحسب، لما كانت لتلك الفتوحات أية قيمة تاريخية عالمية. كانت الفتوحات ثورة ضدّ نظام عالمي فاسد، أحلّت محلّه نظاماً عالمياً جديداً لبّى أعمق تطلعات الشعوب المعذّبة في جميع القارات.’ ‘ نقول ذلك، وقد أطلنا فيه حيث لا مجال للإطالة، ونحن نتابع خطابات وممارسات السلطات الحاكمة الأجنبية والعربية، ومعها خطابات وممارسات النخب العربية المعارضة في معظمها، لنجد أنّها عموماً لا تأخذ بالاعتبار الروح التاريخية الكامنة خلف انتفاضات جماهير الأقطار العربية، بل هي تحاول توظيفها لصالح تغييرات سياسية تنال من هذا الحاكم الظالم أو ذاك، وتتجنّب الإشارة إلى جوهر المأساة المتمثّل بطراز الإدارة الدولية والإقليمية، القائم على الاحتكار والتمييز، وعلى استعباد الناس لا تحريرهم. ويكفي أن تعوّل المعارضات النخبوية على دعم ورعاية الدول الأطلسية، لإقامة أنظمة ‘ديمقراطية’، كي نخشى عن حقّ – ‘أنّهم يسعون لتحقيق ما قد يكون أشدّ قسوة ووبالاً على الشعوب الثائرة.’ ‘ والآن، فإننا إذا ما أخذنا سورية، على سبيل المثال، فسوف نجدها في العام 1918 تقيم دولتها على أرضها الطبيعية التاريخية المستقلة، تمهيداً لإقامة وحدة أو اتحاد يضمّ العراق والحجاز المستقلين، إنّما بعد استفتاء شعبي يقرّ أو لا يقرّ قيام مثل هذه الوحدة أو الاتحاد. وكان ذلك يجري بموافقة مسبقة مفترضة من الديمقراطيات الإنكليزية والأميركية والفرنسية الحليفة، فما الذي حدث؟ لقد وجّه الجنرال الفرنسي غورو من بيروت إنذاراً إلى الحكومة السورية يأمرها فيه بحلّ الجيش الوطني الذي شكّلته، ثمّ توجّه بقواته إلى دمشق فاحتلها وقوّض الحكومة الوطنية وجيشها الوطني، ثمّ رأينا حكومة فرنسا، بالاتفاق مع الديمقراطيات الأطلسية الأخرى، تمزّق سورية الطبيعية إلى أربع دويلات، وتطلق اسم ‘سورية’ على الدويلة الأكبر. أمّا أفظع ما في الأمر فهو أنّ النخب السورية سلّمت بذلك، وشيئاً فشيئاً راحت تتعامل معه كأمر واقع ثابت ونهائي، بخاصة بعد الحرب العالمية الثانية وبداية تحقيق ‘الاستقلالات’ الناقصة بل الوهمية لهذه الدويلات.’ ‘ أثناء مفاوضات جلاء القوات الأجنبية عن سورية، في العام 1946، كان الجهد الثابت للقيادة الإنكليزية المتواجدة في دمشق هو إقناع السوريين بأنّ كلّ ما يحتاجونه بعد نيل الاستقلال هو لواء عسكري محمول (هجّانة) لحفظ الأمن والنظام في سورية الحيادية لكنّ السوريين كانوا يتطلعون إلى استرداد ذاتهم كاملة، أي كرامتهم الإنسانية وحريتهم السياسية وحضورهم الفعال بكاملهم. وكانوا يتطلعون إلى درء الخطر الصهيوني السرطاني الذي انتشر في الجزء الجنوبي الغربي من بلادهم، في فلسطين. وكانوا يتطلعون إلى وحدة، أو اتحاد، أو تكامل عربي يعيد الأصول إلى طبيعتها المنطقية، ويحفظ للأمة مكانة دولية لائقة تستحقها.’ ‘ ‘هل كان ذلك التشبّث بالأساسيات في حينه مبالغات سخيفة؟ هل كان ينبغي الأخذ ‘بالواقعية والعقلانية’، أي الأخذ بنصائح الإنكليز وحلفائهم، بصدد سورية المجتزأة، المحايدة، على أنها في حدّ ذاتها ذروة أماني السوريين الحاليين ومستقرّ حياتهم؟ هل كانت الحركات القومية والتقدمية والإسلامية مخطئة في إصرارها على استرداد الذات والعودة إلى الأصول؟ وهل يعني انكفاء بعضها، بعد وصوله إلى الحكم واستغراقه في الاستبداد والفساد والانحراف، أنّ برامج تلك الحركات في مراحل نهوضها وصعودها الأولى لم تكن صحيحة أصلاًً، كما تزعم اليوم بعض النخب المعارضة؟ الأجوبة سوف نسمعها لاحقاً من شباب الانتفاضات الثورية التي ما زالت في مرحلة النهوض. ‘ ‘ ‘ كاتب سوري