استشراف المستقبل بعد اربعة اعوام على الربيع العربي

حجم الخط
1

ما هي الاسلحة التي لم تستخدم بعد في الحرب، الباردة في عمومها، والعسكرية في بعض معاركها، التي تدور رحاها في الشرق الاوسط؟ حين يصل سعر النفط إلى اقل من خمسين دولارا للبرميل فمن المؤكد ان الجهات المسؤولة عن ذلك التداعي تعتقد ان تلك الحرب يجب ان تكسب باي ثمن، وان استخدام اي سلاح، مهما كان قذرا، امر مشروع.
فأين هي الحرب؟ ومن اطرافها؟ ومن المستفيد منها؟ وما الاهداف المتوخاة من استمرارها؟ الاجابة على هذه التساؤلات ليست سهلة، بل متشعبة، وكل اجابة تتفرع إلى مصاديق اضافية تزيد الامر تعقيدا. فهل هي حرب طائفية؟ يمكن القطع بانها ليست كذلك ولكن الطائفية استخدمت سلاحا فيها برغم دناءته. أهي اقتصادية؟ ليست في جوهرها كذلك، ولكن الاقتصاد هو الآخر استخدم سلاحا فيها.
أهي حرب نفسية؟ واذا كانت كذلك فما الهدف منها؟ الامر المؤكد ان استمرار ما يحدث في المنطقة سيضاعف حدة الاستقطاب، ويؤدي للمزيد من التشظي، سواء وفق خطوط الانتماءات الدينية ام المذهبية ام العرقية. والدول العربية مرشحة لنمط حاد من هذه الاستقطابات كما يحصل الآن في عدد من الدول. هذا الاستقطاب لن يكون واضح المعالم، بل انه سيخلط الاوراق، وسيتوزع الفرقاء بسببه على تحالفات تفرضها الحاجة وليس المبادىء. ويساور اغلب المسلمين خصوصا المهتمين بالشأن العام شعور بان ما تشهده الامة هذه الايام من اضطراب داخلي وفتنة مذهبية غير مسبوق، وان احتواء الوضع لن يتحقق بسرعة خصوصا مع استمرار التحشيد والتحريض والتجهيل والتضليل. صحيح ان هناك محاولات لرأب الصدع بين القوى ذات المواقع المحورية في الصراعات الدائرة خصوصا ايران والسعودية، ولكن لا يبدو في الافق ما يبعث على الامل باحتمال تجاوز الازمة واستعادة الامة عافيتها كما كانت عليه قبل عقود. وثمة امثلة لتوضيح ذلك.
فالاستقطاب وفق خطوط التمايز الديني مثلا لن يكون بين المسلمين والمسيحيين بشكل قاطع. بل قد يتحالف مسلمون عرب مع المسيحيين فيما لو تصاعد الامر. فالمسلمون ليسوا متفقين على محاربة المسيحيين كحتمية وضرورة. فقد تسمح داعش لنفسها باستهداف المسيحيين في العراق او سوريا بدوافع دينية، ولكن من سيرضى بحرب من هذا النوع؟ المسيحيون متعايشون مع المسلمين في اغلب البلدان، ولا يكفي ما تقوله داعش لتغيير خريطة العداء والصداقة بين مكونات الامة العربية. والحرب الطائفية لن تكون محصورة بخطوط التماس القائمة حاليا، بل ستختلط المشاعر المذهبية وتتدافع في الحرب الاسلامية الاهلية، وليس مستبعدا ان تنحاز دول عربية سنية إلى جانب ايران الشيعية، كما حدث في الثمانينات خلال الحرب العراقية الايرانية.
هكذا تبدو الحرب الباردة القائمة حاليا مع ملاحظات عديدة: اولاها ان حالة الاستقطاب الطائفي قد تتجذر بشكل اكبر لتوصل الوضع إلى حافة حرب داخلية بين دول المسلمين. ولكن قد يعوق ذلك ما يبدو من صحوة متجددة لدى بعض العلماء والكتاب بضرورة التصدي للمسألة الطائفية ومنع استغلالها من قبل قوى الثورة المضادة لهدفين اساسيين: هزيمة مشروع التغيير السياسي والتحول الديمقراطي المنشود، وتهميش القضية الفلسطينية باشغال الجهات المعنية بالتحرير (من منظمات وحكومات) في مواجهة المشروع الطائفي. ثانيها: ان الحرب النفطية ستستمر فترة طويلة بقرار سعودي معلن، كوسيلة فاعلة لاضعاف الدول المعارضة للمشروع الانكلو – امريكي في المنطقة، ولكنها قد تؤدي لنتائج عكسية فتدفع بعض الدول المحايدة في الصراعات الدائرة حاليا مثل الجزائر وعمان لاعادة تقييم مواقفها السياسية وتحالفاتها مع الرياض. ويتوقع كذلك تصاعد التوتر بين الدول المتضررة مثل روسيا وايران والعراق مع السعودية برغم ما يبدو من تقارب سعودي – عراقي. وللمرة الاولى يتوجه الرئيس الايراني، حسن روحاني، بانذار إلى كل من السعودية والكويت بانهما ستلاقيان من الصعوبات أشد مما تواجهه ايران، خصوصا في ضوء ما يسمى «اقتصاد المقاومة» الذي طرحته حكومته في الشهور الاخيرة.
ثالثها: برغم ان الاعلام كان دائما جزءا من ادوات الصراع في المنطقة، الا انه اليوم اصبح سلاحا ميدانيا يستخدم ساعة بساعة ضد الآخر المختلف سياسيا او مذهبيا. وعلى طرفي المعادلة المذهبية، ثمة قنوات لا تتوقف عن استهداف عقائد الآخر ومقدساته ورموزه، وهذا من اخطر الظواهر. لقد كشفت تصريحات البابا الاسبوع الماضي بتوجيه اللوم للاعلام الاستفزازي الذي يهاجم عقائد الآخرين رجاحة عقل متميزة وادراكا عميقا لخطر استهداف الاديان من قبل ذوي الثقافة الليبرالية المتطرفة.
جاءت التصريحات انتقادا لصحيفة «تشارلي ايبدو» الفرنسية التي تعرضت مكاتبها لاعتداء ارهابي ادى لمقتل 12 شخصا. وقال البابا: «اذا شتمت والدة شخص فعليك ان تتوقع صفعة منه». وبتحول قطاع كبير من الاعلام العربي إلى ادوات للانظمة السياسية، فقد تراجعت رسالة الاعلام كمصدر للتوعية والاصلاح والتوجيه الموضوعي، واستفحلت المشكلة الداخلية بين الدول العربية والاسلامية، وساهمت في تمزيق الصفوف وتعميق الخلاف والاحتراب. لقد كانت النخب الفكرية والاعلامية في السابق مصادر للتوعية والتوجيه والرقابة على الانظمة وتعميق مشاعر الحرية، ولكن الكثير من هذه النخب استسلم للانظمة السياسية او خضع للاغراءات المادية، او تناغم مع الدعوات الطائفية وتخندق مع «القادة الجدد» الذين يتسمون بالجهل والتعصب والتطرف والعنف، ويرفضون دور العقل سواء في الشأن الديني والفقهي ام في في السجال الذي استبدل بالقتال في الميادين المكتظة بالابرياء. رابعها: انه في الوقت الذي ما تزال القوى الاساسية في محاور الصراع متميزة وثابتة في مواقعها، فان هناك اطرافا وضعت خارج المعادلة ولكنها ذات شأن كبير في التأثير على التوازن القلق المفروض على الامة بالوسائل المذكورة آنفا. انه توازن مضطرب من شأنه ان يتغير فيما لو استطاعت الحركات الاسلامية المحسوبة على ما اصطلح الغربيون على تسميته «الاسلام السياسي» استعادة توازنها بعد الضربات المتتالية التي وجهت لها.
مطلوب من زعماء هذه الحركات العمل على محاور ثلاثة: الاول تحديد الجهات التي استثمرت المليارات لمنع وصولهم للحكم او تآمرت على اسقاطهم او مولت مناوئيهم لاقصائهم من الحكم او أسست منظومات سياسية متطرفة لكي تستبدلهم بها. وبعد تحديد تلك الجهات عليهم ان يواجهوها بحزم ضمن مشروع التغيير السياسي في المنطقة. الثاني: التصدي الشجاع لمشاريع التفتيت والتشظي والتكفير التي فرضت على الامة، واعلان انطلاقة جديدة مؤسسة على وحدة امة المسلمين، والاعتراف بمبادىء التعددية (خصوصا الدينية والمذهبية والسياسية). هذا يقتضي الاعتراف بخطأ تاريخي ارتكبته قيادات تلك الحركات حين سايرت قوى الثورة المضادة على امل تحاشي غضبها ومؤامراتها ضدهم، وسمحت لنفسها الاستدراج للمشروع الطائفي الهادف في جوهره لضرب مشروع التغيير الديمقراطي. الثالث: اعادة الحيوية للقضية الفلسطينية وتوجيه الوجدان الشعبي ليتمازج معها. فهي قضية المسلمين الاولى التي تجمعهم في موقف واحد وتمنع الخصوصيات الدينية او المذهبية من التحول إلى مرض يمزق الصف ويقضي على الوحدة ويضعف القيمة الحقيقية للمشروع الاسلامي الذي يتبنونه.
ما السلاح الذي لم يستخدم لتفتيت الامة بعد عدا الحرب الحقيقية؟ من يستطيع وقف تلك الحرب؟ ومن يمتلك شجاعة الموقف ليتصدى لهذه الهجمة غير المسبوقة على الاسلام والامة من الخارج والداخل على حد السواء؟ لقد كان السلاح الاقوى في الفتنة القائمة استهداف الامة من داخلها، ومنعها من التماسك المطلوب لانهاضها مجددا. لقد كان هناك اهداف ثلاثة للحرب التي استخدمت كافة الاسلحة القذرة فيها: الاول منع التغيير الذي رفعت ثورات الربيع العربي رايته، واستشهد الآلاف من اجل تحقيقه لتستعيد الشعوب العربية حريتها وكرامتها وتستطيع انتخاب حكوماتها. الثاني: ضرب المشروع الاسلامي المعتدل الذي يهدف لاقامة العدل اولا في المجتمعات، قبل الشروع بتطبيق الحدود، واعادة السيادة للامة ممثلة بشعوبها، والتحكم في ثرواتها لتمنع التلاعب بها. الثالث: حماية الاحتلال الاسرائيلي لفلسطين الذي يعتبر اكبر مصداق لعجز الامة وسيطرة القوى الغربية عليها.

٭ كاتب وصحافي بحريني يقيم في لندن

د. سعيد الشهابي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية