انصرمت إحدى وعشرون سنة على رحيل مبدع «الخبز الحافي»، وما تفتأ الأعمال التي خلقها الرجل تغري بالقراءة والمساءلة النقدية، وتثير فيوضا من الأسئلة والمواقف، تتوزع بين حدي الإيجاب والسلب. وفي هذا السياق صدر عن دار روتليدج لندن نيويورك العريقة في شهر يوليو/تموز من هذه السنة كتاب بعنوان «قراءة سرود محمد شكري» أشرف عليه الأكاديمي والمستعرب الأمريكي روجر آلن والأكاديمي والمترجم الأمريكي المغربي والأستاذ في جامعة يال الأمريكية يونس البوستي، وضم عددا من الدراسات سعت إلى الاقتراب النقدي من نصوص الكاتب المغربي الراحل، في السيرة الذاتية والرواية والقصة القصيرة. وتجدر الإشارة في هذا المعرض إلى ان هذا الكتاب الذي يتميز بثقله المعرفي اللافت هو محصلة مؤتمر دولي احتضنته جامعة يال عام 2022. كان «السوال النقدي» بما يستدعيه من تفكيك وحفر في طبقات النصوص وسياقاتها الثقافية والتاريخية، وخلخلة للقراءات النمطية الجاهزة حاضرا بكثافة. وبدا واضحا في هذا الخصوص التأثير اللافت للنقد الثقافي ما بعد الاستعماري.
استهلّ الكتاب بدراسة يونس البونسي في مجموعتي شكري القصصيتين «الخيمة» و»محنون الورد». كان تركيز الباحث في هذا الخصوص جليا على حرص محمد شكري على التعبير عن بؤس الحياة . وقد ألمح إلى نصه القصصي الأول «العنف على الشاطئ» الذي نشرته مجلة «الآداب» البيروتية عام 1966 الذي مثّل فاتحة تجربته في كتابة القصة.هيمنت موضوعة الجنس في ارتباطها بالدعارة والعنف والتشوه، على العديد من تحققات هذه التجربة. ويؤكّد الباحث القيمة الجمالية الاستثنائية لهذه النصوص، أوالفرنسية في طمس حضورها وانتشارها. ويثير الباحث الانتباه إلى حرص هذه النصوص على أن تكون لسان حال المهمشين والمنسيين، بما يستلزمه ذلك من نقض وتفكيك للسلطة وفضح لآليات اشتغالها القمعية.
يحتفي المستعرب الأمريكي روجر آلن من جهته بالمنزلة التي يحتلها محمد شكري في تاريخيّة الأدب المغربي. وتمثل هاجس هذه الدراسة في اقتراح الحاجة إلى نموذج للنهضة في سياق مقاربة تطور التخييل الادبي المغربي يتسم باختلافه عن النموذج المشرقي. ويدافع روجر آلن في هذا السياق عن الفكرة التي مفادها صعوبة العثور على أسلاف لمحمد شكري في تاريخ الأدب العربي بشكل عام، والمغربي بشكل خاص، لاعتبارات عدة لها تعلق من جهة بخصوصية السياق الثقافي والتاريخي المغربي، وما يميز سيرورة الكتابة عند محمد شكري والتحولات التي طالتها، بالنظر إلى شخصية الكاتب نفسه وانتقالها إلى العالمية بفعل الترجمة. ويقر في السياق نفسه بأن الكاتب المغربي الوحيد الذي يحتفظ بأواصر قربى مع شكري هو محمد زفزاف. ويستنتج من ثم أنه كاتب فريد من نوعه، وصوت مهم في السرد المغربي الحديث ويستحق مكانته في تاريخية الأدب المكتوب باللغة العربية.
تقترب ورقة قصي العتابي الأستاذ في جامعة هارفارد من إشكالية الترجمة والاستحواذ الثقافي بالاحتكام إلى ترجمة بول بولز لـ»الخبز الحافي». ويحتج في هذا الخصوص لافتراض أن بولز أنجز ترجمة تغريبية، حسب تعبيره، لسيرة محمد شكري؛ بما يستوجبه ذلك من حرص على توظيف بعض التعابير والكلمات من معجم الدارجة المغربية في سياق هذه الترجمة. ويضيف الباحث، أن جهل بولز باللغة العربية الفصحى كان يبرر هذا النزوع باعتبار رغبته في تجلية بعض المقاطع التي كانت تبدو له غامضة ومبعدة. وفي هذا السياق أن الكاتب الأمريكي، أثبت في المقدمة التي كتبها للترجمة الإنكليزية أنه كان يستعين صحبة محمد شكري بالدارجة المغربية، علاوة على الإسبانية والفرنسية. ويستنتج من ثم ان دولز كثيرا ما كان يقوم بتحوير وتغيير دلالة النص الأصلي بسبب عجزه عن فهم ما يمليه عليه شكري. ويترتب على ذلك ما يصفه الباحث بالاستحواذ الثقافي على النص الأصلي، وإلغاء حضور محمد شكري وتقديم سيرة «الخبز الحافي» بوصفها أحد تمثيلات الثقافة الشفهية المغربية.
وتلتقي حنان البنودي أستاذة الأدب الإنكليزي في جامعة ابن زهر المغربية، مع الأطروحة التي دافع عنها قصي العتابي في ورقتها «الترجمة بين التلاعب وإعادة الكتابة»، والتي تحتج في سياقها على السلطة التي تشتمل عليها اللغة، والتي تحول الترجمة إلى إعادة كتابة للنص الأصلي بما يقتضيه ذلك من شطط في التدخل والتحوير والتفسير، وهيمنة لثقافة المترجم.
تقارب ثريا الخنوس الأستاذة في جامعة لويزيانا، إشكالية التربية بوصفها مفارقة وإمكانا في رواية زمن الأخطاء. وتفترض الباحثة في هذا السياق أن التربية مثلت مصدرا لأشكال مختلفة من العنف الذي عانى منه السارد، أقصد محمد شكري والذي عبر عنه في هذه السيرة الروائية. وتشدد في الآن نفسه على استهداف هذا العنف للفئات المهمشة داخل المجتمع المغربي، لما بعد الاستقلال وتحديدا النساء والمثليين والأقليات العرقية. وكانت هذه التربية حافزا لشكري كي يفصح عن تمرده ورفضه من خلال الكتابة. ويمثل الأب والحالة هذه أيقونة لهذا العنف الذي تعتبره الباحثة محصلة طبيعية للحقبة الكولونيالية.
يناقش الباحث المغربي مبارك السريفي الأستاذ في جامعة بنسلفانيا اشتغال وتمثيل الفضاء في رواية «وجوه». وكان تركيزه جليا على تقسيم وتوزيع الفضاء وفق تراتبية تكون فيها الهيمنة للذكورة وتتقلص فيها مساحة حضور الأنوثة وتختزل في الدعارة، وتكون باطراد عرضة للتشوه وعنف الذكورة. ويقدم الباحث تحليلا مثيرا لحكاية فاطي ساقية بار البريد، التي تحفظ الشعر العربي القديم، وكثيرا من الحكايات وترويها للزبائن المخم
ورين. وهي بهذا الصنيع تتقمص شخصية شهرزاد.
يقدم الباحث إيان كامبل الأستاذ في جامعة أتلانتا دراسة مقارنة بين محمد زفزاف ومحمد شكري في ما يهم توظيف الجنس في روايتي «المرأة والوردة» و»الخبز الحافي». وقد لاحظ في هذا الخصوص حرص محمد زفزاف على إيثار زفزاف التعبير غير الصريح والمباشر عن الجنس، ووفق رؤية ما بعد كولونيالية للعلاقة بين رجل أوروبي وامرأة مغربية، فيما اختار شكري اللغة العارية والمفرطة في حسيتها، في ارتباط بتصوره الخاص لعلاقة الجنس بالفقر والتشوه والعنف. وقد لاحظ إيان كامبل، حرص الكاتبين على تجنب نقد السلطة وممارساتها خصوصا فيما أصبح يعرف بسنوات الرصاص؛ وهو ما يدفعه إلى استنتاج ارتباط هذا التوظيف للجنس بالرغبة في النشر، والحضور في المشهد الثقافي العربي والغربي. ويفترض الباحث في هذا الصدد أن توظيف محمد شكري الجنس بدأ أشبه باستجابة للنزعة الإثنوغرافية لمترجمه بول بولز؛ بما يستدعيه ذلك من احتفاء بما هو غرائبي.
تتقاطع ورقتا ناتالي زاخار الأستاذة في معهد جورجيا في أتلانتا وأنور اليونسي الأستاذ في جامعة أكسفورد حول حضور المكون الديني في أعمال محمد شكري. وتعتبر زاخار من جهة أن شكري التزم بمسافة نقدية واضحة من الإسلام في نصوصه وطريقة حياته، بحيث تقر برفضه لسلطة الأديان. وتسوق في هذا الصدد مقطعا من حوار معه يقول فيه: إنه غير مهتم بالدين ولن يعثر أحد بعد موته على نسخة من القرآن في مكتبته. وتشير في الآن نفسه إلى رسالة التضامن التي بعث بها إلى الكاتبة البنغالية تسليمة نسرين، بعد الهجوم الذي تعرضت له بسبب مواقفها العدائية من الإسلام في روايتها «عار». ويقوم الباحث أنور اليونسي بالوصل بين قيمة الاحتجاج ضد التهميش الاجتماعي والتمرد ضد كل تمثيلات السلطة في أدب محمد شكري. ويفترض في هذا السياق أن الكاتب قام بتوظيف واستثمار موضوعة الجسد المهمش، بمختلف تمثيلاته في الدعارة والتسول والجنون والمثلية الجنسية، بقصد فضح فساد وعسف السلطة، بمختلف تمثيلاتها المادية والرمزية.
مثل هذا الكتاب بمختلف التصورات والأطروحات، التي تحكمت في أبحاثه فرصة لاستعادة تجربة محمد شكري، بعد انصرام عقدين على رحيل صاحبها. وما نستنتجه من خلال هذه القراءة يتمثل في ذلكم العزوف عن الاقتراب من تجربة شكري بوصفها ظاهرة او استثناءً مدهشا ومعجزا؛ بما يستدعيه ذاك من كشف المغيب والمسكوت عنه في هذه التجربة. ونشير تخصيصا إلى الفروق الشاسعة بين الأصل الشفهي لـ»الخبز الحافي» والترجمتين الإنكليزية والفرنسية.
كاتب مغربي