«استعادة» و«صيف غير عادي»… ما أكبر الفكرة ما أصغر الفيلم

حجم الخط
0

بدأ الفلسطينيون سينماهم على ما يمكن أن تكون لقطاتٍ هي، في حالتها الخام أرشيفية. جمّعها صنّاع الأفلام وجعلوا لها ومنها سرديةً تجاورت لأجلها أنواعٌ فيلميّة متفاوتة، من المقابلة إلى الشهادة إلى التمثيل إلى الإخبار إلى التقرير إلى التحليل إلى التصوير التوثيقي لعملية فدائية، أو عدوان إسرائيلي أو حياة الناس في المخيمات. وكانت لغاياتٍ واعية تتنقّل من التسجيل إلى التحريض، مروراً بالإرشاد، تجاورت لتصنع سردية انسيابية للفيلم يجعله متماسكاً، وقد تفاوتت الجودة ضمن عموم الأفلام النضالية التي أسّست في السبعينيات، الصورة الأولى للسينما الفلسطينية.
الترهّل غير الموجود في عموم تلك الأفلام، الباكرة والتجريبية والاستكشافية إنّما الواعية لذاتها، نجده في غيرها لاحقة، قد يكون أبرزها فيلمي كمال الجعفري الأخيرين، «استعادة» (2015) و«صيف غير عادي» (2020).
يُتّخذ الفيلمان مثالاً هنا، لاعتمادهما المفرط على الأرشيف، فكلاهما نموذجٌ لاستخدام الأرشيف سينمائياً، ويُحصر هذا التناول، في الفيلمين لكون أفلام الجعفري الأولى، بداياتيّة وأقصر، وبمثابة الممر لصانعها إلى الفيلمين المذكورين. أما «استعادة» فهو متوسط الطول، وقد أوصل صانعَه إلى فيلمه الطويل الأول «صيف غير عادي» ناسخاً الأسلوبَ العام فيه (لقطات صامتة وزوائد كلامية لاحقة). في ذلك، بكل الأحوال، جانبٌ يصبّ في صالح الفيلمين، كأن يخطّ مخرجٌ أسلوباً خاصاً، يراكم فيه أفلاماً متعددة الطول، يمايزه عن غيره. أمّا جودتها، فهذه مسألة أخرى.

في الحديث عن الأسلوب. هو تجميع الجعفري للقطات كانت لها طبيعة المواد الخام، صفّها بعضها إلى بعض ليخرج بفيلم يكون أيّاً من المذكورَين، وكان بلقطات صامتة يتخللها القليل من العبارات المكتوبة، قبل أن يرهِق الفيلمَ الرتيب صوتاً وصورة، إزهاقٌ لكلامٍ في غاية ترميم النّقص في الصور. بهذا أقدمَ الجعفري على مغامرة كانت، بغض النظر عن النتيجة، صحّية ضمن تكرارات العمل السينمائي الفلسطيني، محاولاً الاستفادة من إرث السينما العالمية من ناحية، وهي الصامتة، ومن إرث السينما الفلسطينية من ناحية أخرى، وهي النضالية، وهنا تكمن الفكرة التي أتت بالفيلمين، وهي ممتازة بشكلها المجرَّد، بشكلها الموصوف بكلمات محدودة: قصّ مشاهد فلسطينية من أفلام صهيونية في «استعادة» أو الاتكاء على كاميرا مراقبة لبناء قصّة في «صيف غير عادي». أمّا التنفيذ فقد جارَ على الفكرة، إذ لا تصل بنا الأفكار المبتكَرة، مهما كان مصدرها، دائماً، إلى نتيجة أو فيلم موفَّق أو متوافق ولو بالحد الأدنى، مع امتياز تلك الأفكار.
اختلف فيلما الجعفري عن الإرثين المذكورين في تعجّل صانعهما بالخروج بهما، فالتعجّل لا يُقاس بالأعوام بل بجاهزية الأعمال، وبعدم إدراك كيفية البناء على لقطات أرشيفية محايدة في طبيعتها السردية، وبالاكتفاء بمونتاج اللقطات المتوفّرة لديه مهما كثرت، فالكثرة لا تَصلح بالضرورة لتشكيل سردية أو قصّة، فلم يكن صفّ الصور إلى جانب بعضها بعضا وتوليفها ومزج أصوات بها كافياً لصناعة فيلم جيّد. وما يزيد من تواضع النتيجة النهائية هنا، هي الفكرة الممتازة التي أمكن لها، بشغلٍ أكثر حساسية تجاه الصور وبانتباه أشد إلى الإرثين، وبحماسة أقلّ تسرّعاً، أن تتحوّل إلى فيلمين غير مملّين من ناحية، وغير سطحيّين من أخرى.
الشغل السينمائي في الفيلمين اكتفى، في معظمه، بالمونتاج، وهذا الأخير لوحده لا يصنع سينما، على أهميّته. نذكر هنا السوفييتي دزيغا فيرتوف وفيلمه Man with a Movie Camera (1929) لكونه مؤسِّساً لأسلوب استخدام المونتاج في الوثائقيات، وفيه شغلٌ على مونتاج صامت كذلك، إنّما بتتابعٍ متين ورشيق أحدثه المونتاج، فكانت للصور، في تلاحقها، سردية تُتابَع تبدأ مع الدقيقة الأولى للفيلم وتنتهي بالأخيرة. فالفيلم، وبأساليب داخلية متنوعة كما فعلت من بعده السينما النضالية، جمع بصوَره ومَشاهده، بين واقعية الوثائقي ومتوالية الروائي، وبشكل أقرب للتجريبية، التأسيسية في حينه، وهذا كله لا يكون صالحاً متى خلا تجميع الصور إلى بعضها، من خطٍّ سرديٍّ يجعل لترتيبها تبريراً حكائياً لا يحتاج، بالضرورة، إلى كلمات. ولحقه في ذلك الكثير من المخرجين، وكان الفيلم النضالي الفلسطيني نموذجاً تجريبياً ممتازاً (في سياقه) في دمج الأنواع والأساليب، وخالياً من إقحامٍ افتعالي ومفرط للكلام.
نقص «استعادة» «و»صيف غير عادي» ذلك التبرير الفيرتوفي، وقد أشار فيرتوف في بيانٍ له (1922) إلى أن عناصر الحركة الجديرة بالتصوير والعرض، هي الضرورة الراديكالية، والإحكام، والسرعة. وثلاثتها غائبة عن الفيلمين المذكورين، وقد اكتفى صانعهما بصف الصور إلى بعضها بشكل بدت فيه مترهّلة غير محكَمة، ودون معنى مكتفٍ بها، فكان لا بد من كلام كثير لاحق، وكان صفُّ الصور فاقداً لخط يسرد من خلالها حكايةً ما، فلم يكن شغل صانعها إخراجاً سينمائياً، بل مونتاجاً لأرشيفٍ موجود، ولا يكفي ذلك لتكون النتيجة فيلماً متكاملاً. قد يكون إدخال الشرح التفصيلي الموازي للصوّر، الكلام الكثير في نهاية كلٍّ من الفيلمين، بسبب انتباهٍ متأخر إلى قصور الصور واعتباطية تلاحقها، واستدراكاً لفراغٍ صامت عشوائي يعمّ الفيلمين. فلا يُصنَع الفيلم الجيّد بلَي عنق الصور، ولا بإقحام كلام أقرب ليكون دليل استخدام متأخّر.

انطلق الجعفري من فكرتين صالحتين لفيلمين ممتازين، لم يصوّر بذاته اللقطات، لم يصنع فيلماً من أفكار وكلمات، بل منتجَ ما توفّر، وهذا بحدّ ذاته تحدٍّ لصانع الفيلمين لو تخطّاه لكان منجزُه استثنائياً، فليس من السهل تدبير فيلم من المتوفّر. استعجال الصناعة والاكتفاء بشكل استقرّ على السطح، من هذه اللقطات التي لم تستطع التحول إلى مَشاهد مستساغَة، بل بقيت لقطات مترامية ومتفككة، جعلا من الفكرتين البارعتين (وقد سمّيتُهما في مقالتين سابقتين: الاقتلاع والتثبيت) فيلمين باهتين تائهين، ولا يمكن لهذه وتلك أن تُبرَّرا بالتجريبية، فالفيلم غير المدرِك لذاته والمتعثّر بصوره والقاصر عن تشكيل سردية متتالية، لا يمكن أن يبرّر ذاتَه بالتجريبية، فليست التجريبية في السينما (كما هي ليست التجريدية في الفنون) مخبأ كلّ رداءة، ولا يصلح تحميل وزر كلّ فشل سردي إلى التجريبية. هذا ما يحيل إلى الذهن المقولةَ الدرويشية مع تعديل بسيط يخصّ موضوعنا هنا، لتصبح: «ما أكبر الفكرة ما أصغر الفيلم». وكلّما كبرت الفكرة، تناهى الفيلم أكثر وأكثر، إلى الصغر.
كان يمكن لكل من الفيلمين أن يُحسَن صناعتهما لو اكتفيا بدقائق أقل ليكونا قصيرين وحسب، فيتخفّفا من ترهّلهما. بذلك يُرجَّح أن تصل الفكرة، دون الحاجة إلى الإصرار عليها وتكرارها لإدراكها، فتسيطر حالةٌ من الملل والرتابة يتفاقما كلّما امتدّ بهما الوقت، ولا يصلح لصناعة فيلم، الرضى بالمتوفّر من اللقطات، ولا إلحاقها بنصٍّ تقريري استدراكي أو الحديث عنها هنا وهناك لإتمام ما توفّر، ولإقناع المُشاهد، متأخّراً، بأن للفيلم حبكة ما، أو سردية ما، يمكن متابعتها.
بالعودة إلى الفكرة، وهي ببعدها الوطني والسياسي مستحقّةٌ الاحتفاء، وهي خارجة، بإدراك أو دونه، من الفكرة المُحكَمة لفيلم «ليس لهم وجود» (1974) لمصطفى أبو علي، الفيلم النضالي الذي كان رداً سينمائياً على تلك المقولة الصهيونية. فيلما الجعفري، «استعادة» تحديداً، أُنجزا على الفكرة ذاتها، الفكرة اللازم حضورها، بأيّ نسبةٍ وشكلٍ ومقاربةٍ، في كل عمل سينمائي فلسطيني. فكما كتب إدوارد سعيد، الفلسطينيون في سينماهم، يتصدّون لـ»لامرئيتهم» (2003). ولذلك، لجوهرية ذلك، آخِر ما يتمنّاه أحدنا هو، من ناحية، الفيلم المستسهِل والمتسرّع في التصدي للامرئيتنا، فيتعثّر بذاته، وهو، من ناحية أخرى، التصفيق الوطني لفيلمٍ بناءً على فكرته التي حجبت، بكبرها، صغرَ الفيلم.

كاتب فلسطيني سوري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية