استعاد رومانسية المشهد الشعري وعاش بروح الطبقة العاملة التي ينتمي إليها
ندوة احتفالية للشاعر خالد عبدالمنعم في ذكري عشر سنوات علي رحيله:استعاد رومانسية المشهد الشعري وعاش بروح الطبقة العاملة التي ينتمي إليهاالقاهرة ـ القدس العربي ـ من محمود قرني: أقامت شعبة شعر العامية باتحاد كتاب مصر ندوة تحت عنوان ريحة الوفا تخليدا لذكري شاعر العامية الشاب خالد عبدالمنعم الذي رحل عن عالمنا في الأول من اب (أغسطس) عام 1994 عن عمر يناهز الثامنة والعشرين حيث ولد في احدي ضواحي القاهرة في الخامس والعشرين من تشرين الاول (أكتوبر) 1965، وقد أشرف علي الأمسية شعراء العامية باتحاد الكتاب فؤاد حجاج، خالد محمود، طاهر البرنبالي، ممدوح طه، وخالد عبدالعزيز، كما شارك في الامسية الناقد الدكتور سيد البحراوي وكذلك شاعر العامية يسري حسان.لم يصدر خالد عبدالمنعم سوي ديوانين هما موسيقي التكوين الصادر عن هيئة قصور الثقافة عام 1994، و حمار البحر الصادر عن دار شرقيات عام 1995.ويعتبر خالد عبد المنعم واحداً من أوائل شعراء جيل الثمانينات في مصر الذي برز منه الشعراء ابراهيم عبد الفتاح الذي صادقه رحلة البدايات ومسعود شومان والراحل مجدي الجابري والشاعر يسري حسان.وقد بدأ هذا الجيل كتابته في خضم التباسين أساسيين أولهما محاولة التأسيس التي قام بها سيد حجاب والتي نحت بشعر العامية الي منطقة اكثر مثاقفة وبالتالي اكثر نأيا عن لغة الزجالين والشعراء الشعبيين تحت إلحاح التعامل المتدني مع شعر العامية من قبل العامة والمؤسسة الرسمية علي السواء، حيث كان هناك نظر راسخ لشعر العامية باعتباره الأدني درجة في مواجهة شعر الفصحي، أما ثاني هذه الالتباسات فقد ارتبط بالحراك الذي ميز شعر الحقبة السبعينية الذي احتمي بالغموض والتشفير في معظم مراحله، وكان أمرا مغريا في البداية لكل الشعراء، بمن في ذلك شعراء العامية الذين أخذهم هذا التيار، فظل نصهم متعثرا لمدة ليست قصيرة.وقد حاول خالد عبد المنعم منذ البداية ان يتجاوز مأزقه مع أقرانه وقد جاء ديوانه الأول موسيقي التكوين شديد الدلالة علي شعرية تحتمي ببساطة شاعرها ورقته وعذوبته فاختار خالد عبد المنعم قاموسا شعريا شفافا تأتي التباساته من المعني الشعري الوثاب الذي يسعي خلف التميز والاكتشاف، وقد تجلت روح المكان الذي تربي فيه خالد عبدالمنعم، حيث الملمح الشعبي لمدينة حلوان في أقصي تجليها، حيث لم تكن صورتها في الأذهان ترتبط بالطبقة العاملة الكادحة التي تمثل احدي المنجزات الناصرية بمصانعها العملاقة وإعمارها الذي توسع عبر ما يربو علي الخمسين عاما.كانت أنفاس العمال ونضالاتهم تلاحق في شعرية خالد عبدالمنعم ابن العامل البسيط الذي يقبع باولاده في قعر الطبقة المتوسط، وكانت هذه الولاءات حجر الزاوية الذي شكل رؤية خالد الفكرية فانتمي منذ التحاقه بالجامعة الي حزب التجمع وتبنته الكاتبة فريدة النقاش وقدمته في مجلة أدب ونقد وكذلك قدمته للحياة الثقافية المصرية.غير أن خالد عبد المنعم عاد سيرة آبائه في ديوانه حمار البحر الذي بدت شعريته أكثر نضوجا وأكثر وحشة وأكثر قبضا علي ريح الموت الذي ساومه مبكرا، لقد جاءت طباعة الديوان فعليا بعد رحيل خالد عبدالمنعم حيث قام أصدقاؤه علي طباعة الديوان بعد أن باغته مرض عضال بالكبد لم يمهله أكثر من عدة أشهر.وقد قال الشاعر فؤاد حجاج رئيس شعبة شعر العامية باتحاد الكتاب ان هذه الأمسية هي الثالثة بعد الاحتفال بالراحلين نبيه محفوظ وحجاج الباي، واضاف: تعالو لنتفق اتفاقا نهائيا بأن تقديم شعر الشعراء الراحلين أو الاحتفاء بهم وتخصيص استهلال كل أمسية لتقديم المختار من قصائدهم لا يعني بالمرة إشاعة روح التأبين بين الحضور، ولكن المقصود هو إصرارنا علي وجودهم معنا رغم رحيلهم، ويبقي من المبدع ما تركه من أعمال وعلي من يؤمنون بقيمة الشعر في حياة البشر أن يجعلوها تتنفس بين الناس وتنعش ذاكرتنا جميعا بما تحمله من قيم جميلة وأهمها الوفاء.أما الشاعر طاهر البرنبالي رفيق درب خالد عبدالمنعم فقال ان شعر العامية فقد برحيل خالد شاعرا متميزا بحق، هذا الولد فرعوني الملامح الباسم دائما الحاد والواضح في مواقفه تجاه العالم، لقد كان خالد صاحب رؤية أكثر رومانسية للعالم رغم احتمائه بالماركسية، ومع ذلك لم يفقد خالد قدرته علي الالتحام بواقعه بل اكتسب علي الدوام قدرة علي جموح الخيال الشعري وابتكار الصورة الشعرية. ويختتم طاهر البرنبالي شهادته بالقول: لن أنسي ما حييت تجربته المرة مع المرض في أيامه الأخيرة، لن أنسي إفاقة خالد من الغيبوبة قائلا لمن حوله: فؤاد حداد قال: دهب الحريم عيط عشان يفديه، قال كده وهو بيرثي محمد عبيد، مش كده ياطاهر، قول لهم، إنت الوحيد اللي عارف ان اللي باقوله صحيح .أما الشاعر خالد محمود فيقول: في أغلب الأحيان تختلف السيرة الإنسانية للشاعر عن سيرته الإبداعية، فأحيانا تغلب السيرة الإبداعية علي سيرته الإنسانية أو العكس لكن خالد عبدالمنعم من الشعراء النادرين الذين لا تختلف هويتهم الشعرية عن هويتهم الانسانية .فهل بذلك نطوي صفحة في كتاب شعر العامية في مصر؟!أعتقد أن ما تركه خالد عبدالمنعم وما قــــدمه أقرانه كان ولا يزال معبرا بشـــــدة عن مأزق جيل بكامله يعد بأن يقدم الكثير لشعر العامية رغم العثرة التي دخلها مع تــــواتر نماذج لقصـــــيدة النثر العامية التي قدمت بعض النماذج القليلة الناجحة لكنها لم تنجح حتي الآن في اكتشاف بدائل حقيقية لجماليات الراسخ والمتواتر.0