الجسد مضغة، والجسد شبق، والجسد إيروس، والجسد غواية، والجسد تيه في شعاب بين الألم والأمل، عندما تلتحف الجسدَ الرمضاءُ في الهجير يتحيَّنُه عطش أليم، وبه يسافر، بوعي، في ملكوت الأبدية. وعبر هذه الدعامة فالفناءُ فناءُ الجسد، فكثيرة هي الديانات، عبر التاريخ البشري، مجَّدت الذات، بل مجَّدت الجسد في امتداداته اللامتناهية، لأنه مَجْلى التيهان.
في ظل هذا، يخبرنا ميكيو ماتسيوكا الأستاذ في الجامعة الدولية في طوكيو، والمتخصص في الثقافة العرفانية، أن صراع الحيوانات، حول أكل اللحم، مثلا، هو اعتراف بديهي بماهية الجسد. علاوة على ذلك، فإن الموجودات الطبيعية، عبر التاريخ الإنساني الطويل، هو وجود فيزيقي وجسدي وطبيعي. فالمزية، إذن، لا تكمن فقط في ربط الإنسان بالغيبيات والروحانيات، وإنما يتحقق وجوده الفعلي بالجسد. فكثيرة هي الآيات القرآنية، التي تجعل من جسد الإنسان بؤرة الألم والمصير، لذا تختلف زوايا النظر إلى الجسد الإنساني كمفهوم، وكدلالة وكرمز. ومن ثم تتشعب الدراسات والبحوث حول الهالة العرفانية، التي أحيطت به، فالجسد في الأنثروبولوجيا، أو في علم الإناسة غيره في الأدب. وفي سبيل ذلك فالاهتمام بالقدرات والطاقات كفيلة بأن تجعله ـ أي الجسد ـ في مراتبَ بين التقديس والتدنيس حسب بعض الديانات في التاريخ البشري، لأنه غزير بالبحث والتقصي المعرفي.
إن المعرفة الفسيفسائية لماهية الجسد تتحقق من خلال ما ذهب إليه الكاتب الأورغواني إدواردو غاليانو، حيث يقول: إن الجسد خطيئة في نظر الكنيسة، وفي العلم آلة، وعند الإعلانات التجارية مشروع. غير أن الأدب استحوذ على الوظيفة، التي يقوم بها الجسد في بنائه المعرفي لصالح المتخيل، بالموازاة مع ذلك، فالمتخيل الجسدي يختلف تماما عن الجسد الواقعي. ففي اللحظة التي نستحضر فيها صورة المتخيل، الذي هو بمثابة مجموعة من الأفكار والتمثلات حول الذات، نذهب مباشرة نحو الحوض الدلالي، الذي يستقي منه الإنسان معنى وجوده الفعلي، لنجد أن الجسد عبارة عن لغة ورموز وإشارات وأيقونات سيميائية، ينهض بها وعليها الخيالُ، لأن هذا الأخير، عبارة عن آلة تسهر على إنتاج الصور، وتخزينها في الذاكرة الإنسانيَّة.
عند الحديث عن متخيل الجسد في الأدب، نستحضر البعد الجماعي الذي يتحكم في هذا التصور، والذي استغرق من الوقت الكثير، ليتشكل ويتطور ويتبدل.
فعند الحديث عن متخيل الجسد في الأدب، نستحضر البعد الجماعي الذي يتحكم في هذا التصور، والذي استغرق من الوقت الكثير، ليتشكل ويتطور ويتبدل. ومن أجل ذلك فالجسد خارج الصورة والاستعارة ما هو إلا ما نتعرفه من خلال ما تقدمه لنا العلوم الطبيعية كالطب والتشريح، فهذا الأخير يدخل في حوار بوح بأسرار مع الجسد البارد والهامد. فالمعرفة الطبيعية، إذن، أكثر واقعية في تناولها لموضوع الجسد، حيث تتجرد من الصفة الاستعارية، وتنفتح على العقلانية في أبعادها المتعددة، التي سيطرت على الفكر الإنساني لما يزيد عن ثمانية قرون. ففي الفلسفة الألمانية، مع كانط وهيغل، استعاد الجسد تصوره الاستعاري في الأدب من خلال مجموعة من الرموز والإشارات، التي يتفاعل معها العقل الأدبي، ومن ثم بدأنا نقرأ من قبيل: الجسد لوحة، والجسد بانوراما والجسد الغابوي.. فالظاهرة المسخية التي عُرف بها الأدب الكافكاوي ما كان لها أن تعرف هذا الذيوع والانتشار، لولا وجود الجسد وتضاريسه، التي تقبل المسخ نحو حشرة عملاقة مقززة. فالأدب بذلك، وبهذا المفهوم، يمطط من الدلالة ويستبيح قلاعها المتينة، ويعطيها أبعادا جديدة، بخلاف الصورة العقلانية المحدودة في الإطار الزمني والمكاني. فالتأويل قرين الجسد في الأدب، يقول محمد عز الدين التازي في رواية «المباءة»: «رسم على صدره وذراعيه قططا وأفاعي وجماجمَ وتفاحات حمراء وأسماكا وديناصورات وقبورا وأبوابا للمدن وسجونا ووجوها بشرية لها وجوه البوم، ثم أخذ يجول في وسط الساحة مختالا، وكأنه يعرض جسده أمام النساء». ورغبة في استجلاء الغامض والمبهم يدخل التأويل على الخط كآلية من الآليات، التي تدفع الغموض والإبهام. وعليه، فالجسد عند قاسم الورداني عار ومكشوف أمام الطبيعة، ينال منه الصهد، كما ينال منه القر. فضلا عن أن الجسد لوحةٌ بوح، ولوحة أسرار، فهي قمينة بالبحث والكشف حسب باشلار. وبهذا نطل، عبر كوة دقيقة، على ما أقره عالم السوسيولوجيا؛ الأنثروبولوجي عبد الكبير الخطيبي في كتابه «الاسم العربي الجريح» الذي ترجمه إلى العربية الشاعر محمد بنيس، حيث ميز وشيد حدودا قاسمة وفاصلة بين الجسد المفهومي والجسد الحقيقي في الثقافة الشعبية المغربية، من زاوية المتعاليات، حيث إن الرسالة المعرفية لا تزيغ عن الحمولة الفكرية، التي ينطوي عليها المفهوم الجسدي. علاوة على ذلك فالجسد في الكلام الرباني يأخذ مسلكا أكثر دقة، ففي سورة «طه» يقول الله تعالى: «فأخرج لهم عجلا جسدا له خوار» صدق الله العظيم، فالجسد هنا، حال جامدة، مقترن بالصوت، الذي يصدره عجل بني إسرائيل، فبما أنه لا يأكل ولا يشرب وليس عاقلا، لكن له صوتا وبإيعاز من ذلك، ألحق بالجسد.
ولعل الاهتمام المتزايد بموضوع الجسد في الثقافة العالمية والعربية بالخصوص، يظل الجسد في اللغة يحتل مساحة كبيرة في الخطاب الأدبي، بما له من تلميحات يستطيع الفاعل أن يستثمرها بهدف توضيح المعنى من خلال المجازات والاستعارات والكنايات التي تزخر بها لغتنا العربية، فالفتاة وردة لأن جسدها يضارع الوردة، أو حينما نقول تمشي إلى جانبي، وهي تفوح بعبير الياسمين، جملة حالية نحوية، بينما بلاغيا يعتبر استعارة بالكناية.. وهكذا.
أخيرا، فثقافة الجسد حقل جدير بالدراسة والبحث والتقصي المعرفي، بل بالكشف عن أسراره وخباياه.
كاتب مغربي