في مقال تحت عنوان المال إله الحياة الدنيا تناول الكاتب جواد البشيتي موضوع المال وتعلق الناس به خاصة في العصر الحالي، وقد عرض الكاتب في مقاله بعض الأمور التي رأيت من الواجب عدم تركها تمر مرور الكرام خاصة ما ورد في الفقرة الأولي منه حيث يبدأ الكاتب فيها بنتيجة غريبة لا أدري علي أي أساس توصل إليها خصوصا وأنه جعلها حاسمة وقطعية وشاملة إذ يقول فيها: المال هو الاله الحقيقي الواقعي، الفعلي، الدنيوي للبشر جميعا ولشدة اقتناع الكاتب بنظريته ـ التي يستطيع أن يسجل عليها براءة الاختراع ـ فإنه يتبعها بقوله واذا كان من استثناء (وثمَّة استثناء؛ لانَّ المُطْلَق من الاشياء لا وجود له) فهذا الاستثناء انَّما هو تاكيد لوجود تلك القاعدة.
في الحقيقة لقد قرأت المقال مرات ومرات علني أجد رابط يربط بين الفقرة الأولي وهي مثار الجدل، وبين ما في مجمل المقال، فلم أجد أي رابط، وكأن الفقرة قد حشيت حشوا، حيث يتحدث في المقال عن اختلاف الناس في جمع المال وكنزهم، وطرق صرفه سواء كانت إستهلاكا أو إنفاقا علي الغير. وهو بذلك لا يوضح ولا يفسر ولا يشرح النتيجة التي استهل بها كلامه في قوله: ان المال هو الإله الحقيقي والواقعي والفعلي لكل البشر، وليته كان موضوعيا وجعل استثناءا لقوله ولم يعممه علي كل البشر، خاصة أن مصطلح الإله هو مصطلح قدسي روحاني وجداني يتعلق ببواطن لنفس ومعتقدها، أقدم الكاتب علي إدخاله في نصه دون أدني وازع أو مراعاة لنفسية مخاطبيه، أو علي الأقل كان عليه أن يقدم شرحا نفسيا باطنيا يتناسب مع عظم القول الذي جاء به. ومن هنا نطرح سؤالا ضروريا هو: ما هو مفهوم الإله عند الكاتب؟
يبدوا لي من خلال النص ذاته أنه يعني الحب، أي حب الناس للمال جعله يستخلص أنه إلههم، وهذا استنتاج في منتهي الغرابة، وإلا كان الطفل هو إله أمه، فلا أحد يشك في عاطفة الأم نحو ابنها، وأن الدنيا مهما كانت، لا تساوي شعرة من خصلات شعر وليدها، بل ان سلطان المال مهما علي وتعاظم، فإنه سرعان ما تتهاوي سلطته أمام ضروريات الحياة، كالهواء والماء والصحة والحرية… إلخ، بل أمام الحياة في حد ذاتها، وهذا الأمر لا أحتاج إلي تحليله وشرحه بل هو من البديهيات التي لا يجادل فيها إلا أحمق، ويكفي بكاتبنا أن يسأل نفسه عن قيمة المال مقارنة بهكذا أشياء.
من خلال هذا النص وأقصد بالأساس الفقرة الأولي منه. يقدم لنا الكاتب نموذج من الكُتَّاب الجدد الذين لا يتورعون في إدخال المصطلحات المقدسة والعقائدية دون أي مبرر، بل تجدهم يحشونها حشوا في كتاباتهم بدعوي حرية الفكر والتعبير، وأنه لا مقدسات ولا خطوط حمراء أمام العقل والقلم عندهم، وليتهم صقلوا أقلامهم لمجابهة الطغيان والاستبداد الذي تعاني منه بلدانهم، أو ما يتهددها من خطر التقسيم الذي نعاني منه في هذا الزمن الرديء.
السيد بلغيث محمدفرنسا6