استفتاء القرم وسيفاستوبول وخيارات أوكرانيا الجديدة

حجم الخط
1

يدور النزاع الأهلي القومي- الديني المحتدم في أوكرانيا اليوم، ذو التكتلات الاجتماعية الاقتصادية، شديدة الصلة بمصالح دول الجوار وتركيبتها العرقية ونظامها السياسي ورغبتها في استقرار البلاد أو إرباكها، بين مكونات المجتمع الأوكراني الأساسية ضعيفة الترابط
المكون الروسي- الأوكراني- الأرثوذكسي، المتمركز في مقاطعات جنوب وشرق البلاد، ذات حدود مشتركة مع روسيا الفيدرالية مطلة على بحر آزوف والبحر الأسود، حيث يرسو تاريخياً أسطول البحر الأسود في مدينة سيفاستوبول، كلمة يونانية تعني مدينة المجد أو المدينة الجديرة بالسجود، التي بنتها وسمّتها الإمبراطورة الشهيرة يكاترينا الثانية عام (1784).
2- المكون الأوكراني- البولندي- الكاثوليكي ذو الحدود المشتركة مع بولندا ورومانيا وهنغاريا. غير أنَّ الدولة الأكثر تأثيراً بينها، عرقياً ودينياً وسياسياً، هي بلا شك بولندا، ولها تمايز من بين جميع دول الاتحاد الأوروبي، في ترتيب الوضع العام في أوكرانيا، رغم موقفها المشوب بعدم الرضا من سياسة روسيا الإقليمية والدولية ومعارضتها في المحافل الدولية، بل والكيد للجارة الكبرى والتحالف مع منافسيها والتحريض اليوم على فرض عقوبات أمريكية أوروبية عليها إن نفذت نتائج استفتاء يوم غد في القرم وسيفاستوبول.
3- المكون التتري- التركي والأقليات الإسلامية الأخرى قليلة التأثير، في القرم وشرق البلاد وكييف، الذي يُعد أضعف المكونات الأوكرانية القاطنة في هذه البلاد منذ العصر المغولي- التتري، ولاحقاً إبان النفوذ العثماني وخانية القرم. والمعروف أنَّ المواطنين التتار الذين كانوا يشكلون في عهد الخان غيري (عشرينات القرن الثامن عشر 95′ من عدد سكان خانية القرم، أما اليوم فنحو 13′ ، تعرضوا إلى حملات تهجير وملاحقة بعد احتلال الجيش الروسي للقرم عام 1783 بقيادة الأمير غريغوري بوتومكين إبان حكم الإمبراطورة يكاترينا الثانية 1762-1796، وأيضاً بعد حرب القرم 1853- 1856، وانحيازهم إلى جانب الدولة العثمانية، ولاحقاً في أعوام الحرب العالمية الثانية واتهام جماعات منهم بالتعاون مع القوات النازية، الأمر الذي دفع ستالين إلى تهجيرهم إلى جمهوريات آسيا الوسطى. كل تبعات هذا الماضي المرير تجعل التتار أكثر حذراً وتردداً في علاقاتهم مع الدولة الروسية، غير أن التطورات الراهنة في أوكرانيا وصعود قوى قومية شديدة التزمت إلى السلطة تتعامل مع غير الأوكراني القومية بازدراء وعنصرية مقيتة، فرض على غالبية المجتمع التتري والمجموعات الإسلامية متعددة القوميات في جنوب وشرق أوكرانيا، التحالف مع المكون الأول (الروسي- الأوكراني- الأرثوذكسي) بعد أن حصلوا على ضمانات من حكومة القرم ورئيس جمهورية تتاريا الروسية، والرئيس فلاديمير بوتين أثناء المكالمة الهاتفية التي أجراها مع زعيم تتار جمهورية القرم مصطفى جميل بوساطة رئيس جمهورية تتاريا السابق شامييف، ومن نتائج ذلك أن حصل التتار ولأول مرة على مناصب وامتيازات رفيعة في مجلس وزراء جمهورية القرم ومجلس النواب ودوائر الحكومة والمنظمات المدنية. الأمر الذي سيساهم في رفع نسبة مشاركة التتار في الاستفتاء المزمع أقامته يوم الأحد، وعلى الأرجح ستصوت فيه نسبة غير قليلة من التتار والأقليات الإسلامية بالموافقة على إعادة اتحاد القرم مع روسيا الفيدرالية، إذ تشير التوقعات إلى احتمال مشاركة أكثر من 70′ من سكان القرم (عددهم نحو مليوني نسمة) في الاستفتاء على مستقبل شبه الجزيرة متعددة القوميات والأديان، ومن المحتمل ألا تقل نسبة المؤيدين لإعادة توحيدها مع روسيا عن ثلثي أصوات المشاركين في الاستفتاء على أقل تقدير. أما في مدينة سيفاستوبول (عدد سكانها نحو 384 ألف مواطن) فستكون نسبة المشاركة في الاستفتاء أعلى منها في القرم، وسيتجاوز التصويت على إعادة انضمام المدينة إلى روسيا الفيدرالية، حسب المعطيات المتوفرة لدينا 80′ من نسبة المشاركين في الاستفتاء.
النزاع الأوكراني، الآيل اليوم إلى صدام محلي مسلح، إن لم يتم إخماده على وجه السرعة وبجهود الجميع، سيفرز حتماً تكتلات متطرفة، باتت أجنحة مسلحة منها تسيطر على حارات ودوائر حكومية في كييف وغرب أوكرانيا تلجأ إلى سياسة تصفية المعارضين جسدياً، بغض النظر عن هويتهم القومية والسياسة، بل ثمة جماعات ترفع شعارات نازية تدعو إلى التطهير العرقي وتهجير غير الأوكرانيين، كل هذا يجري والسلطات الجديدة غير قادرة على إيقاف موجة التمييز العنصري العنيفة التي تجتاح أوكرانيا، إن لم تكن هناك أطراف في الحكومية والبرلمان متهادنة مع هؤلاء المتطرفين، في بلد متعدد القوميات والأديان منذ العصر الوسيط. هذه الممارسات الإرهابية والقتل على الهوية، التي تُذكرنا بما يجري بأفغانستان وسوريا وليبيا والعراق واليمن وغيرها، ذات أثر تدميري على وحدة البلاد ومصيرها وطابع نظامها السياسي اللاحق وخارطة تحالفاته الإقليمية والدولية، الذي من المرجح أن يكون إمّا؛ فيدرالي الكيان يضم أقاليم ذاتية الحكم واسعة الحقوق والصلاحيات (جمهورية القرم، سيفاستوبول، روس الصغرى؛ دونيتسك، خاركوف، نيكولاييف، دنيبروبتروفسك وغيرها، غرب أوكرانيا وكييف عاصمة الدولة)، ويبدو أنّ هذا الكيان، المتعدد الولاء والأبعاد العقائدية والسياسية محلياً ودوليا، غير واضح في رجحان كفة الغالب فيه والمغلوب، المقيدة بأوراق الضغط السياسي والمالي والعسكري، التي تتعامل بها روسيا وحلفاؤها المحليون في جنوب وشرق البلاد من جهة، وأمريكا والاتحاد الأوروبي وحلفاؤهما في غرب ووسط أوكرانيا من جهة أخرى، أو كونفيدرالي السلطات والهرم.
ومهما طالت المفاوضات المعقدة المصالح فواقع الحال وثقل التجمعات المؤثرة في معادلة النزاع القائم تفرض أحد هذين النموذجين من نظام الحكم في أوكرانيا الجديدة، وإلا سيكون نصيب البلاد عدم الاستقرار واستحالة العودة ولا بحال من الأحوال إلى ما كانت عليه أوكرانيا كدولة بجغرافيتها وسكانها ونظامها السياسي قبل انقلاب (21-02-2014)، وحينها ليس بوسع أية دولة في العالم أن تتجاهل إرادة مواطني مقاطعات أوكرانيا ومدنها التي تفرضها صناديق الاستفتاءات والانتخابات في عموم البلاد، مهما حاول الغرب الكيل بمعيارين في قضية حق الشعوب في تقرير مصيرها، الذي يمارس ظلماً وعدواناً، ومنذ نحو قرن، على الشعب الفلسطيني إرضاءً لمهاجرين يهود سلبوا أرض غيرهم، تُسيرهم منظمات تمارس التمييز العنصري وكأنه فضيلة دينية!
الاعتداءات المسلحة التي تحصل اليوم في مناطق معينة غرب البلاد وفي كييف العاصمة وأقل منها في دونيتسك وخاركوف ذات الصناعات الثقيلة والموارد الطبيعية الأغنى في أوكرانيا والأقرب جغرافياً واقتصادياً إلى روسيا، وانعدام العنف في القرم وسيفاستوبول، ذات الأغلبية الروسية المطلقة، يحكمها التوزيع الجغرافي والعقائد السياسية والدينية، المسندة إلى ماض لا يبعث الثقة والاطمئنان بين مكونات مجتمع مرهون مصيره بدول الجوار، ومدّها القومي والمذهبي عميق النفاذ في التاريخ المديد والمصالح المتشابكة والسياسات الكبرى، التي تختفي وراء الانشغال العقائدي بالهوية القومية وإرثها الثقافي- الروحي ضارب الجذور في ماض مشتت الولاء ذي تأثير وعواقب غير توافقية على مواقف وطروحات ثقافية في الحاضر، عَكِرِ التعامل ينهجُ حراكهُ سياسةَ الإقصاءِ والعزلِ في ظل كيان اجتماعي فائق التنوع الحضاري والديني. ولعل من المنطق العقلاني أن يبقى التعامل التكافلي والرضا بواقع الحال إلى حين خمود لهيب الحماس المسعور والولوج إلى جواهر الأمور ومعادلتها، من الناحيتين النظرية والتطبيقية، بمبدأ حق الشعوب في تقرير المصير، وتجارب مرت بها دول أقرب في تركيبتها العرقية والدينية ونهجها الاقتصادي، وأثر الجوار في تأجيج النزاعات أو استتباب أمنها واستقرارها، والكف عن تطبيق عرف اجتماعي جاهلي غير عادل (نصرة الحليف الظالم وقهر المظلوم) في عصر سيادة القانون وحقوق الإنسان. عرف لا شرعية دينية له ولا إسناد بَيّن في مجمل الدساتير المحلية ولوائح القانون الدولي التي صدقت عليها الدول المعاصرة، المنضمة إلى منظمات المجتمع الدولي القائمة والمحكومة في تعاملاتها مع غيرها من البلدان ببنود تلك الشرائع المعمول بها في محافل الأمم المتحدة.
هذا السبيل يبدو هو الأكثر واقعية من نهج الانفصال والتشرنق في تجمعات معزولة عن التبادل والتفاعل الحضاري سمة العصر رغم ما يُعد من صدامات مفتعلة ترتبها جهات خبرت أساليب تحويل الانتفاضات والاحتجاجات السلمية إلى ميادين حرب دامية تنهك المنتفض والمُنتفض عليه ليصبحا هما والوطن والناس أجمعين رهينة أطراف أخرى عارفة إلى أين تؤول الأحوال التي لا تتعارض عملياً مع مصالح الممولين والكاسبين وإن كان (وقودها الناس والحجارة) ، ولكن هذه المرة أُعدت للمتقين الآمنين.

‘ باحث وأُستاذ جامعي ـ روسيا

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية