استفتاء لتصويب النتائج السياسية لـ الانتخابات !
جواد البشيتي استفتاء لتصويب النتائج السياسية لـ الانتخابات !كلاهما ما عاد في مقدوره الانتظار أكثر مما انتظر، والصبر أكثر مما صبر.. لقد تظاهر اولمرت بالحرص علي بذل مزيد من الجهد، وإنفاق مزيد من الوقت، في سبيل التوصل إلي اتفاق عبر التفاوض مع الفلسطينيين، الذين فشلوا، حتي الآن، بحسب زعمه، في أن يكونوا شريكا لإسرائيل في مفاوضات سياسية تفضي إلي تنفيذ خريطة الطريق ، فأمهل الفلسطينيين مدة لا تزيد عن تسعة أشهر لإثبات وتأكيد أهليتهم التفاوضية، فإذا انقضت من غير أن يوفَّقوا في ذلك شرع ينفذ خطة الانطواء التي أعدَّها، والتي حاول إظهارها، في واشنطن، علي أنها خطة لتنفيذ مبادئ من خريطة الطريق من غير تفاوض، أو اتفاق، مع الفلسطينيين.رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس فهم المغزي والمعني الكامنين في مهلة اولمرت ، وفي قول الرئيس بوش إن أفكار اولمرت، أي خطته، قد تكون خطوة مهمة علي الطريق المؤدية إلي السلام، ففي التسعة أشهر لن يحبل الوضع الفلسطيني إلا بكارثة شاملة لا بد من تداركها قبل فوات الأوان. ومن أجل تداركها، أمهل الرئيس عباس ممثلي القوي والمنظمات الفلسطينية في مؤتمر الحوار الشامل عشرة أيام للتوصل إلي اتفاق يقوم علي المبادئ التي تضمنتها وثيقة الأسري ، فإذا فشلوا في ذلك، توجَّه إلي الشعب، في غضون الأربعين يوما المقبلة، لأخذ رأيه، عبر استفتاء شعبي، في تلك الوثيقة، التي لا تستطيع حماس ، حركة وحكومة، قبولها وتبنيها من غير أن تغيِّر جلدها السياسي والفكري.رئيس الوزراء في حكومة حماس إسماعيل هنية سعي في أن ينأي بنفسه وبحكومته عن المؤتمر و الوثيقة بدعوي أن دوره لا يتعدي الرعاية ، كمثل دور الرئيس عباس. وسعي، أيضا، في إقامة برزخ بين البرنامج السياسي لحكومته، والذي نال ثقة المجلس التشريعي الفلسطيني، بعدما نالت أسسه ومبادئه ثقة غالبية الناخبين الفلسطينيين، وبين وثيقة الأسري ، التي تتعارض مع ذلك البرنامج في قضايا أساسية من قبيل الاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية علي أنها الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني ومرجعيته السياسية العليا، وتأكيد أن التفاوض السياسي مع إسرائيل هو من اختصاص وصلاحيات رئاسة السلطة والمنظمة، وقبول ما يحظي بالشرعية الدولية (والفلسطينية والعربية) مرجعية لمفاوضات السلام، والدعوة إلي تركيز المقاومة العسكرية في الأراضي الفلسطينية التي تحتلها إسرائيل منذ حرب حزيران 1967، مع إعادة تقويم وسائلها وأساليبها بما يجعلها مقاومة عسكرية مجدية سياسيا، وإقامة حكومة فلسطينية ائتلافية علي هذا الأساس السياسي الجديد، وأخذ موافقة الشعب، عبر استفتاء شعبي، علي كل اتفاق تتمخَّض عنه مفاوضات السلام مع إسرائيل، ومنع المنتسبين إلي الأجهزة الأمنية من مزاولة النشاط السياسي والحزبي.ولكن ما السبب الذي يجعل هنية يميل إلي نبذ فكرة الاستفتاء الشعبي ؟ السبب يكمن في إدراكه لحقيقة أن السياسي في الدافع الانتخابي كان ضئيلا، وضئيلا جدا، فغالبية الناخبين الفلسطينيين صوَّتت لمصلحة حماس ، في انتخابات المجلس التشريعي، لأسباب لا يمت معظمها بصلة إلي الشأن السياسي العام ، فـ الأسباب اللا سياسية كانت هي القوة الدافعة للبرنامج السياسي لـ حماس . وأهمية فكرة الاستفتاء الشعبي تكمن في كونها تحيِّد الشأن السياسي العام ، كما تحدَّد في وثيقة الأسري ، عن تلك الأسباب اللا سياسية ، وكأن الاستفتاء سيقيم الدليل علي أن غالبية الفلسطينيين مع حماس اللا سياسية ومع فتح السياسية . ولو كان الأمر غير ذلك لما وصف المتحدث الرسمي باسم حماس تلويح عباس بورقة الاستفتاء الشعبي بأنه محاولة لفرض رؤية معيَّنة وشروطا مسبقة . إذا أُجري الاستفتاء ، ونالت فيه الوثيقة تأييد الشعب، فهذا معناه أن البرنامج السياسي المتَّفق مع تلك الوثيقة ، وليس البرنامج السياسي لحكومة حماس ، هو الذي يريده الشعب. وفي هذه الحال، لا بد للبرنامج السياسي للحكومة الفلسطينية من أن يغدو جزءا من هذا الكل، يتسم بسماته الأساسية والجوهرية. ولو كان لي أن أدعو حماس إلي موقف تقتضيه المصلحة العليا للشعب الفلسطيني لدعوتها إلي الاستمرار في رفض تلبية ما يسمي شروط ومطالب المجتمع الدولي ، وإلي أن تقف من الوثيقة موقفا لا يتعارض مع هذا الرفض، وإلي إعلان تأييدها التام لفكرة الاستفتاء الشعبي واحترام نتائجه مهما كانت، فإن من الأهمية بمكان أن يمنح الشعب تفويضا للرئاسة الفلسطينية ومنظمة التحرير الفلسطينية لعل ذلك يدرأ عن الفلسطينيين وقضيتهم القومية مخاطر التسعة أشهر ، وأن يعيد حماس إلي صفوف المعارضة، فليس بـ السلطة وحدها يحيا الفلسطينيون! 9