القاهرة ـ «القدس العربي»: في خطوة مرجعية هامة، تهدف إلى توثيق وتأريخ مسار السينما المصرية الحديثة، أعلن مهرجان القاهرة السينمائي الدولي، بالشراكة مع الاتحاد الدولي لنقاد السينما «فيبريسي» وجمعية نقاد السينما المصريين، عن نتائج استفتاء «أفضل 25 فيلمًا مصريًا في الربع الأول من القرن الحادي والعشرين». تكمن الأهمية الاستثنائية لهذه القائمة في الجهات التي تقف خلفها؛ فوجود مهرجان القاهرة السينمائي يمنحها الصفة الرسمية والوطنية، وشراكة «فيبريسي» تضعها في سياق نقدي عالمي، بينما تضمن مشاركة جمعية نقاد السينما المصريين عمق الخبرة المحلية، مما يجعلها محاولة جادة لصياغة ذاكرة نقدية مؤسسية، وفعل يهدف إلى بناء أرشيف للأعمال التي شكّلت وجداننا السينمائي.
والقراءة المتأنية لهذه القائمة تكشف عن حوار خصب بين جيلين رئيسيين، هما من شكّلا معًا هوية السينما المصرية منذ مطلع الألفية، ويمكن النظر إلى هذه القائمة باعتبارها ساحة لهذا الحوار بين «جيل العمالقة»، الذين أتوا بخبرتهم ورؤاهم الناضجة، و«جيل التمرد»، الذي قدم رؤية جديدة للواقع بلغة سينمائية أكثر جرأة وقلقًا.
المرتبة الأولى: دلالة اختيار «بحب السيما»
قبل الخوض في تفاصيل التيارات والأجيال، لا بد من التوقف عند الاختيار الذي وضعه النقاد في المرتبة الأولى، فتتويج فيلم «بحب السيما» (2004) للمخرج الراحل أسامة فوزي، هو رسالة واضحة تحدد المعيار الأهم الذي حكم بقية الاختيارات، وهو الجرأة. هذا الفيلم، الذي أثار عند عرضه عاصفة من الجدل، هو في جوهره انتصار لحرية الفن والخيال في مواجهة كل أشكال السلطة القمعية. من خلال عيني الطفل «نعيم»، الذي يرى في السينما متنفسًا للحياة، يقدم الفيلم صراعًا رمزيًا بين الإبداع والجمود، لذلك فإن اختيار هذا الفيلم تحديدًا في الصدارة هو إعلان من النقاد بأن السينما العظيمة هي التي لا تخشى طرح الأسئلة الصعبة وكسر التابوهات، وهذا هو المفتاح الذي نفهم به بقية الخريطة السينمائية التي رسمها النقاد.
جيل العمالقة: بصمة الخبرة وعمق الرؤية
في ضوء هذا الاحتفاء بالرؤية الفنية الجريئة، يصبح من الطبيعي أن نجد حضورًا قويًا لجيل من المخرجين الكبار الذين دخلوا القرن الجديد وهم في أوج نضجهم الفني. يتصدرهم داود عبد السيد، فيلسوف السينما، الذي يقدم في «مواطن ومخبر وحرامي» بناءً فكريًا محكمًا حول علاقة الفن بالسلطة، حيث تتغير الأدوار وتتكشف هشاشة الأخلاق. ثم يأخذنا في «رسائل البحر» إلى رحلة شعرية خالصة، فتتحول الإسكندرية إلى مرآة لروح بطله الباحث عن صوت مفقود.
وإذا كانت سينما عبد السيد تغوص في أعماق النفس البشرية، فإن يسري نصر الله يوسع الدائرة ليجعل من التاريخ والمجتمع أبطالًا في أعماله. ففي «باب الشمس»، يقدم ملحمة تاريخية وذاكرة إنسانية للقضية الفلسطينية ببراعة، وفي «احكي يا شهرزاد»، يستخدم الإطار الحكائي التراثي ليشرّح بجرأة أمراض المجتمع الذكوري المعاصر، أما في «جنينة الأسماك»، فيرسم بورتريهًا حالمًا وموجعًا عن عزلة سكان المدن الكبرى.
على نفس الدرب من الإنسانيات العميقة، واصل محمد خان رحلته في الدفاع عن الإنسان البسيط، فقدم في «في شقة مصر الجديدة» قصة حب رقيقة، وفي «فتاة المصنع»، يؤكد انحيازه للمرأة العاملة وأحلامها المهدورة.
ولم تقتصر بصمة هذا الجيل على السينما الفكرية، بل امتدت لتشمل إتقانًا حرفيًا رفيعًا في قلب الصناعة. وهو ما تجلى في ملحمة «الجزيرة» للمخرج شريف عرفة، الذي ارتقى بفيلم الجريمة إلى مصاف التراجيديا الكلاسيكية. وعلى جبهة الكوميديا السياسية، يبقى «معالي الوزير» للمخرج سمير سيف علامة فارقة في دقة سخريته من آليات السلطة. وفي منطقة فريدة، يأتي «الساحر» للمخرج الراحل رضوان الكاشف، كعمل يمزج الواقعية الشعبية بسحر الحكاية ورمزيتها.
جيل التمرد: لغة جديدة لواقع متغير
في المقابل، كشفت القائمة عن تقدير كبير لجيل جديد ظهر مع الألفية، حاملًا معه لغة سينمائية مختلفة. كانت بداية هذا التمرد مع موجة من الواقعية الصادمة التي أعادت تعريف الدراما الاجتماعية. أطلق «سهر الليالي» لهاني خليفة الشرارة بجرأته في كشف أزمات العلاقات الزوجية، وتبعه «أحلى الأوقات» لهالة خليل الذي قدم صوتًا نسويًا جديدًا، ثم جاء «واحد صفر» لكاملة أبو ذكري ليكمل الثلاثية ببانوراما واسعة لمجتمع محبط. ويمكن اعتبار «الأبواب المغلقة» لعاطف حتاتة، هو المقدمة التأسيسية لهذه الموجة بتشريحه المبكر لأثر الكبت على جيل كامل.
وسرعان ما اتخذ هذا التمرد شكلاً أكثر جذرية مع تيار السينما المستقلة، فقدم أحمد عبد الله السيد في «ميكروفون» بيانًا سينمائيًا لجيله، مستخدمًا بنية غير تقليدية لرصد طاقة وقلق المشهد الفني المستقل.
وعلى نفس موجة التأمل الذاتي، جاء «آخر أيام المدينة» لتامر السعيد كمرثية شخصية عن علاقة الفنان بمدينته. أما على جبهة التمرد الجمالي، فقد دفعت هالة لطفي في «الخروج للنهار» بالسينما إلى منطقة الشعور الصافي، متخلية عن الحكاية لصالح التعبير عن قلق الموت والانتظار. ووصل هذا التوجه إلى ذروته مع عمر الزهيري في «ريش»، الذي استخدم العبث والسوريالية لتقديم نقد اجتماعي قاسٍ. ويؤكد وجود فيلمين حديثين جدًا، هما «البحث عن منفذ لخروج السيد رامبو» و«أبو زعبل 89»، يؤكد أن النقاد يرون هذا التيار المتمرد كحركة حية ومستمرة.
أفلام الجسر: حيث يلتقي الجيلان
وبين عالمي هؤلاء العمالقة والمتمردين، تبرز أفلام فريدة لعبت دور الجسر. يقف المخرج مروان حامد كشخصية محورية في هذه المنطقة؛ ففي «عمارة يعقوبيان»، أخذ رواية ضخمة وقدمها بلغة بصرية عصرية، وفي «إبراهيم الأبيض»، تناول حكاية من قلب الواقع الشعبي العنيف ومنحها معالجة ملحمية. أما اللقاء الأكثر رمزية فكان في «هي فوضى؟»، حيث وقف يوسف شاهين، عميد المخرجين، بجانب خالد يوسف في عمل مشترك، وكأنه تسليم واستلام رمزي للراية بين رؤيتين سينمائيتين.
ما بعد الحوار
هذا التسليم الرمزي للراية، الذي شهدناه في أفلام الجسر، يمثل ذروة الحوار بين الجيلين. لكنه يطرح سؤالاً مقلقاً وحاضراً: ماذا يأتي بعد أن تنتهي المحادثة؟ بالنظر إلى المشهد السينمائي اليوم، في خريف عام 2025، يبدو ذلك الحوار الصاخب وكأنه قد خفت. فالعمالقة الكبار إما غابوا أو قلّ إنتاجهم، ومتمردو الأمس صاروا أنفسهم جزءاً من المؤسسة الفنية، وبات قلقهم التاريخي الذي عبروا عنه بصدق، ذكرى تخص زمناً مضى.
وهنا، تصبح هذه القائمة أشبه بمرثية أنيقة أو تحذير صامت. إنها توثّق لحظة تاريخية نادرة اشتعل فيها الإبداع نتيجة صدام وتلاقي رؤيتين، وهي لحظة تبدو اليوم بعيدة المنال وسط سطوة المنصات الرقمية ومتطلبات السوق التي قد لا تحتمل دومًا المغامرة والتمرد.